تغريدة مثبتة

شبح 1939 لن يعود: لماذا فقدت القوى العظمى شهيتها للمواجهة المفتوحة؟
بينما تضج منصات الأخبار مع كل أزمة دولية بمانشيتات مرعبة تبشر بـ "حرب عالمية ثالثة" يبدو أننا نغفل حقيقة جوهرية يدركها القادة في الغرف المغلقة جيداً: إن العالم الذي نعيشه اليوم لم يعد يملك الرئة الكافية لخوض حرب شاملة كتلك التي مزقت القرن العشرين، نحن لا نعيش في زمن السلم المطلق بكل تأكيد، لكننا قطعاً غادرنا عصر الجيوش المليونية التي تزحف عبر القارات لسنوات، لندخل عصر "الحروب الخاطفة" وصراعات "الاستنزاف الرقمي" التي تنتهي قبل أن تبدأ فعلياً في وعي الشعوب، ليس لأن القلوب أصبحت أرحم، بل لأن المصالح أصبحت أعقد من أن تتحمل انقطاعاً واحداً في سلاسل الإمداد.
لو تأملنا بنية القوى العظمى اليوم، لوجدناها دولاً "ذات نفس قصير" بامتياز فالمنظومة الاقتصادية العالمية لم تعد تسمح بالقتال الطويل، إذ إن رغيف الخبز في عاصمة ما، يعتمد على سماد من دولة معادية، هذا "الاشتباك العضوي" جعل من الحرب العالمية انتحاراً اقتصادياً فورياً يتجاوز بمراحل أي مكسب سياسي مفترض.
في الحربين الأولى والثانية، كان بإمكان المصانع أن تتحول لإنتاج الدبابات في أسابيع، أما اليوم، فإن إنتاج صاروخ واحد عالي التقنية يتطلب تكنولوجيا عابرة للحدود، وخسارة حفنة من الطائرات في أسبوع واحد قد تعني إفلاس ميزانية دفاع لدولة كبرى، مما يجعل فكرة الصمود لسنوات في ميدان قتال مفتوح مجرد وهم عسكري لا يصمد أمام لغة الأرقام.
وعلاوة على الثمن المادي، هناك ثمن اجتماعي لا تستطيع الأنظمة الحديثة سداده، فإنسان القرن الحادي والعشرين لم يعد يملك تلك الصلابة الأيديولوجية التي كانت تدفع أجداده للبقاء في الخنادق والملاجيء لأعوام، اليوم أي انقطاع في خدمات الإنترنت أو ارتفاع مفاجئ في أسعار الوقود كفيل بزعزعة استقرار أي حكومة من الداخل. لقد أصبح "الرأي العام" سلاحاً فتاكاً يضغط على أعصاب الساسة، مما يجبرهم على البحث عن انتصارات سريعة وخاطفة، وغير مكلفة بشرياً، أو اللجوء إلى حروب الاستنزاف الهادئة التي تجري بالوكالة بعيداً عن حدودهم، لتجنب السقوط في فخ المواجهة الشاملة التي لا يخرج منها أحد منتصراً.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن شبح الحرب العالمية الثالثة قد استُبدل بواقع جديد تماماً واقع الصراعات التي تهدف لكسر إرادة الخصم لا لإفنائه، والحروب السيبرانية التي تعطل العقول والمطارات دون إراقة قطرة دم واحدة. إننا أمام عالم يخشى العدوى الاقتصادية أكثر من خشيته من الغزو العسكري، وحيث أصبحت القوى الكبرى تدرك أن الحفاظ على مقعد في طاولة التجارة العالمية أثمن بكثير من احتلال أرض مدمرة.
لذا ستبقى تلك الحروب الكبرى مجرد إرث من الماضي، بينما يكمل العالم صراعاته بأسلوب "النفس القصير" الذي يحسم المعارك بالنقاط، لا بالضربة القاضية التي قد تنهي حياة الملاكمين معاً.

العربية





















