Tweet fijado

في كلِّ جمعةٍ…
تنهضُ من صمتِ الأبواءِ نَفْحةُ حنينٍ خفيّة، تمسُّ القلوبَ مسَّ الريحِ لسطحِ الماء؛ رفقًا ورهافةً وشفافية. كأنّ الذاكرةَ تفتحُ نافذتَها لنا، وتُطلُّ منها أرواحٌ أحببناها يومًا، ورحلَتْ عن الدنيا وهي تترك في حياتنا ضوءًا لا ينطفئ، ودفئًا لا يبرد.
ونستقبلُ الجمعةَ كما يستقبلُ المشتاقُ بشارةً طال انتظارها؛
نقرأ فيها أسماءَ رجالٍ كانوا أمس معنا، واليومَ في رحمةِ الله،
لكنّ محبتَهم ما زالت تتدلّى من سقفِ القلب كسعفةٍ رطبةٍ لم يجفَّ ماؤها.
نذكرهم، فيرقُّ الخاطرُ كما يرقُّ الرملُ حين تلامسه قطرةُ مطر،
وتلينُ الروحُ كما تلينُ الأغصانُ في أول الربيع.
كأنّ ذكراهم خيطُ ضوءٍ يشقُّ ليلَ القلب،أو كأنّهم لؤلؤٌ استقرّ في صدفةِ الذكرى لا تبللُّه الأيام ولا تذروه الرياح.
رجالٌ…
مضَوا عن هذه الحياة، لكنّ أثرَهم بقي بيننا باسقًا كالنخلِ الذي يُحسنُ أهله العنايةَ به،
لا يضعفُ أصلُه،ولا تقلُّ بركتُه،
وتمرُهُ الجميل شاهدٌ على نقاءِ الجذور، وكرمِ النفوس، وصدقِ العطاء.
وحين تهطلُ أمطارُ الذكرى،
تفيضُ سيرتُهم في وجداننا كما يفيضُ السيلُ في موسم المطر؛
ينحسرُ الماءُ بعد حين، لكنّ آثارهُ تبقى منقوشةً على الأرض،
تمامًا كما يبقى أثرُهم منقوشًا في القلب…
لا يُمحى، ولا يُنسى.
وفي كلِّ جمعة، ترتفعُ لهم دعوتُنا،رقيقةً كنسيمٍ خرج من بين شقوقِ الفجر،وصادقةً كدمعةٍ اختنقت في العين حياءً من الله…
اللهمّ وسّعْ مضاجعَهم نورًا،
وارفعْ درجاتِهم سرورًا،
واجعلْ قبورَهم روضاتٍ تهفو إليها الملائكة كما تهفو الطيورُ إلى منازلها.
اللهم اجعلْ لهم من رحمتِك مطرًا، ومن غفرانِك بحارًا، ومن نعيمِكَ ما لا يفنى ولا يزول.
هكذا نمضي…
كلُّ جمعةٍ بابُ حنين،
وكلُّ ذِكرى دعاءٌ نرفعه لهم، وعهدُ وفاءٍ لا ينقطع؛
نرجو به رحمةَ الله، ونُجدِّده بالذِّكر الحسن،
وكلُّ دعاءٍ جسرٌ يصلُ ما بيننا وبينهم،
فنحنُ لا نذكرُهم لنحزن،
بل لنُبقيهم أحياءً فينا،
كالألماس الذي لا يبهتُ مهما مرّت عليه السنين.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي

العربية

















