Segun Oladele Kazeem retuiteado

طهران لا تريد خليجاً حراً
أقول، وليس بيني وبين أهل إيران خصومة، فإن الشعوب لا تُؤخذ بجرائر السلاطين، ولكن الكلام في طهران الرسمية، وفي ذلك العقل الذي يلبس العمامة حينًا، ولباس الدولة حينًا، ودرع الميليشيا حينًا، ثم يقول للناس: إنما أنا مظلوم.
والعجب كل العجب من دولة تشكو القيود، ثم تريد أن تضع القيد في يد غيرها؛ وتبكي من الحصار، ثم تحاصر القرار في بغداد وبيروت؛ وتذم الوصاية إذا جاءت من واشنطن، ثم تمدّ يدها لتكون هي الوصيّة إذا خلا لها الباب.
فإن قالوا: نريد خليجًا بلا أميركا، قلنا: نعم، لو أردتموه بلا أميركا وبلا إيران أيضًا، لكان ذلك كلام الأحرار. أما أن تقولوا: أخرجوا الحارس البعيد، ثم أدخلوا الحارس القريب، فهذا ليس تحريرًا للدار، ولكنه تبديل موضع القفل.
ومن عجيب ما رأينا أن الرجل إذا سرق مفتاح البيت، قال: إنما فعلت ذلك حفظًا للبيت. فإذا قيل له: ردّ المفتاح، قال: أنتم لا تفهمون الأمن. وكذلك طهران: تجعل السلاح خارج الدولة، ثم تسميه مقاومة؛ وتجعل القرار فوق الحكومة، ثم تسميه شراكة؛ وتجعل الخوف أساس السياسة، ثم تسميه مصيرًا مشتركًا.
وقد قال الله تعالى: “وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ”. وأيُّ تلبيس أعظم من أن تسمى الوصاية جوارًا، والتهديد أمنًا، وتعطيل الدول نفوذًا مشروعًا؟
إن طهران لا تريد أن تحكم الخليج كما يحكم الملك عاصمته، فذلك ظاهر مكشوف. وإنما تريد حكمًا ألطف مكرًا وأطول أثرًا: أن تبقى الدول دولًا في الصور، وأن تصير تابعة في القرار؛ أن تبقى الأعلام على الساريات، وأن تنزل السيادة إلى الأقبية؛ أن يكون في كل بلد دستور، وفوق الدستور سلاح، وفوق السلاح إشارة تأتي من بعيد.
وهذا هو الدرس العراقي واللبناني. ففي العراق لم تحتج طهران إلى أن تغيّر اسم البلد، بل كفاها أن تجعل في القرار بابًا لا يُفتح إلا بإذنها. وفي لبنان لم تحتج إلى أن تلغي الدولة، بل كفاها أن تجعل للدولة ظلًا، وللسلاح جسدًا. فإذا تكلم الدستور، تكلم بعده الفيتو. وإذا أرادت الحكومة أن تمشي، شدّها الخوف من ثوبها.
فإن قيل: هذا نفوذ، قلنا: بل هذا مرض نفوذ. لأن النفوذ إذا دخل من باب المصالح خرج من باب التفاوض، أما إذا دخل من باب الميليشيا، أقام في البيت إقامة المرض في الجسد.
وقد قال تعالى: “إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا”. وليس المراد تشبيه الأشخاص بالأشخاص، ولكن تشبيه الطريقة بالطريقة: كل مشروع يريد أن يملك البلاد يبدأ بتفريق أهلها، ثم يبيعهم الدواء من السم الذي صنعه.
فليست طهران الرسمية عدوة الهيمنة لأنها هيمنة. هي عدوة الهيمنة إذا لم تكن لها. تكره الوصيّ الأجنبي لأنها تريد أن تكون الوصيّ القريب. ترفض اليد الأميركية على الخليج، لا لتترك الخليج لأهله، بل لتضع يدها هي على الباب والمضيق والسوق والخوف.
والحكمة تقول: من جاءك ناصحًا وفي يده سكين، فلا تنظر إلى فصاحته، وانظر إلى يده. ومن قال لك: أخرج الذئب من الحظيرة ثم دعني أدخل، فاسأله أولًا عن أنيابه.
الخليج ليس دارًا بلا أهل حتى ترثه طهران. وليس مضيق هرمز بابًا في بيت الحرس. وليس الأمن منحة تعطى من يد من يهدد السفن، ويرفع كلفة التأمين، ويجعل البحر سوقًا للخوف.
إنما تريد إيران الرسمية أن تصنع في الخليج ما صنعته في غيره: لا أن تحتله بالجند، بل أن تحكمه بالقلق؛ لا أن تلغي حدوده، بل أن تفرغ قراره؛ لا أن ترفع علمها فوق قصوره، بل أن تجعل قراره لا يكتمل إلا إذا رضيت.
وهذه خلاصة الأمر:
طهران لا تريد خليجًا حرًا.
تريد خليجًا مطيعًا.
ولا تريد نهاية الوصاية.
تريد فقط أن تنتقل الوصاية من يد غيرها إلى يدها.
والزبد، وإن علا على وجه الماء، لا يصير بحرًا. والخوف، وإن رفع صوته، لا يصير شرعية. ومن وقف على باب الخليج بالنار، فلن يصبح صاحب البيت، وإنما يصبح شاهدًا على أن مشروعه لا يعرف الدخول إلا من طريق التهديد
العربية





























