
ليست البيوتُ قصائدَ حبٍ تُتلى كل مساء، ولا مشاعرَ دافئةً تكفي وحدها لتُبقيها قائمة.
البيوتُ مشروعٌ يوميّ، يقومُ على ما لا يُرى من التفاعل غير المَحْكي والالتزام بالأدوار، أكثر مما يقوم على ما يُقال ويُشاهد.
الحبُّ بدايةٌ نبيلة، لكنه لا يستطيع حمل سقف البيت وحده، ولا يمنع التصدّعات فيه، إذا غاب الوعي، وتراجع الالتزام.
البيوت التي تدوم، تُبنى على أداء الواجبات حين يغيب المزاج، وعلى احترامٍ لا يتبدل بتبدّل الحالات، وعلى رحمةٍ تُرمِّم ما تكسره القسوة.
بيوتٌ تسكنها قلوبٌ تعرف أنَّ التغافل ليس ضعفًا، بل مهارة نجاة، وأنَّ التجاوزَ ليس تنازلًا مهينًا، بل حفاظٌ على ما هو أثمن من كسب لحظة.
في تلك البيوت، لا يُدار الخلاف بمنطق "أنا أو أنت"، بل بمنطق "نحن أولًا".
تُغلَّبُ مصلحة بقاء الأسرة وتماسكها على نزوات الانتصار، وتُقدَّم سلامة الأبناء النفسية على رغباتٍ آنية، قد تُرضي الكبار وتُربك الصغار.
فالأبناء لا يتذكرون تفاصيلَ الخِلاف، لكنهم حتمًا يتشرَّبون أثره في أرواحهم وقلوبهم.
المؤلم أن تُختزل العلاقات اليوم في مصطلحاتٍ حادّة، فأي علاقة تمرُّ في مطبَّاتٍ أو حالة ارتباكٍ تسمى علاقة سامة، وكل فتورٍ يُفسَّر نهاية.
وكأنَّ النُّضجَ هو الهروبُ لا الإصلاح، والقطيعةُ لا الصبر.
بالرغم من أنَّ كثيرًا مما يُهدم كان يمكن ترميمه بقليلٍ من الوعي، وكثيرٍ من الرحمة، وشيءٍ من الصدق مع النفس وتحمُّل المسؤولية.
فالبيوت لا تبقى لأن جذوة الحبِّ لا تخفتُ فيها، بل لأنها تعرف كيف تعيش وتتعايش حينها، وكيف تُعيد إشعاله دون أن تحترق.
البيوت تدوم لا لأنها خالية من المشاكل، بل لأنهم يعرفون كيف يديرون مشاكلهم واختلافهم بوعيٍ ورُقيٍّ واحترام.
العربية








