
أول ما يلفت النظر في القرآن.. أنه لا يُعجز من زاوية واحدة فقط؛ فهو ليس كتاباً يُدهشك بأسلوبه فحسب، ولا بنظامه التشريعي أو إخباره عن الغيب وحده، بل هو بناء متكامل تتعدد وجوه إعجازه حتى يعجز العقل عن حصرها في قالب واحد.
ولهذا كان الخطأ الشائع في محاولة حصر الإعجاز في "زاوية مفضّلة"؛ كأن يُختزل في الإعجاز العلمي وحده أو في البلاغة فقط، بينما الحقيقة أن القرآن أوسع من ذلك بكثير؛ فهو يُعجز في بيانه، وتشريعه، وخبره، وأثره في النفوس، وحفظه عبر القرون.
فالقرآن حين يتحدث، يُدهش العربي في لغته، ويُقيم الحجة على العالِم في دقته، ويُغيّر الإنسان في أثره، ويبقى محفوظاً لا تناله يد التحريف؛ وهذه وجوه متداخلة تُدرك في مجموعها ولا تُفهم منفصلة.
ومن هنا نفهم أن الإعجاز العلمي ـ على أهميته ـ ليس هو الأصل، بل هو نافذة من نوافذ الإعجاز، تظهر في بعض الآيات التي تتقاطع مع حقائق كونية، كما في الإشارات إلى نشأة الكون أو ظواهر البحار أو أطوار الخلق. لكنه يظل بابا من أبواب، لا كل الأبواب.
والتنبيه المهم هنا، أن بعض الطرح المعاصر تجاوز حدّه، فصار يُحمّل النص ما لا يحتمل، أو يربطه بكل نظرية طارئة، فإذا تغيّرت النظرية، ظنّ الناس أن الإعجاز تراجع. وهذا خلل في المنهج، لا في القرآن.
والمنهج الأقوم، أن نُوقن أن القرآن معجز بذاته، وأن وجوه إعجازه متعددة، وأن ما يكشفه العلم إنما هو تأكيد لبعض ما فيه، لا أصل إثباته.
فالقرآن لم يأت ليكون كتاب فيزياء.. بل ليكون كتاب هداية، ومع ذلك تحدى العقول في كل ميدان. وهنا تتجلى العظمة، كتاب يهدي ويُعجز ويبقى.
والسؤال الذي يستحق التأمل:
هل نقرأ القرآن بحثا عن الإعجاز فقط.. أم طلبا للهداية التي من أجلها أُنزل؟

العربية





































