
في عالمٍ لم يعد فيه “الظهور” نتيجةً للموهبة فقط، بل نتيجةً لفهمٍ عميق أو غريزي لآلية الخوارزميات، نشأ نوعٌ جديد من التناقضات التي لا تُفهم من سطحها. ومن أكثرها وضوحًا وإرباكًا: فتاةٌ تخاطب جمهورها بقولها “يا بنات”، بينما صورتها، حركتها، وطريقة تقديمها تقول شيئًا آخر تمامًا.
هذا التناقض ليس صدفة، وليس سذاجة، بل هو انعكاس مباشر لعصرٍ تُدار فيه الأنظار بذكاءٍ غير مرئي.
الخوارزميات اليوم لا ترى القيم، ولا تفهم النوايا، ولا تميّز بين خطابٍ أخلاقي أو سطحي. هي ترى شيئًا واحدًا فقط: الانتباه. كم ثانية توقّف المشاهد؟ هل أعاد المقطع؟ هل تفاعل؟ هل شاركه؟ هذه هي اللغة الوحيدة التي تفهمها. وبناءً عليها، تُعيد تشكيل العالم الرقمي كله.
في هذا السياق، لم تعد الفتاة — أو أي صانع محتوى تُخاطب جمهورًا محددًا كما كان في الإعلام التقليدي. لم تعد هناك قناة “نسائية” وأخرى “رجالية”. هناك فقط محتوى يُرمى في محيطٍ هائل، والخوارزمية تقرر من يراه، بناءً على احتمالية تفاعله، لا على هويته.
وهنا يظهر الذكاء أو لنقل “الحدس الرقمي”.
بعض الفتيات أدركن بوعيٍ كامل أو نصف وعي أن الجاذبية البصرية تفتح أبواب الانتشار. حركة خفيفة، ابتسامة محسوبة، زاوية تصوير معينة… كلها إشارات تُغذي الخوارزمية وتدفعها لنشر المقطع أكثر. لكن في الوقت نفسه، هناك حاجة لحماية هذا الظهور من النقد، من الهجوم، من التصنيف القاسي.
فيأتي الحل العبقري المتناقض:
خطاب موجّه للنساء ومحتوى يُشاهد من الجميع.
حين تقول “يا بنات”، فهي لا تُحدّد جمهورها بقدر ما تُعيد تعريفه بشكلٍ آمن. تخلق مساحة تبدو مغلقة، بينما هي في الواقع مفتوحة على مصراعيها. تُخفّف حدّة الحكم، وتمنح نفسها غطاءً اجتماعيًا، بينما تترك الصورة تقوم بدورها الكامل في جذب الانتباه.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التي تُربك المشاهد الواعي.
العين ترى خطابًا، والعقل يلتقط سلوكًا آخر. فيحاول الربط ولا يجد انسجامًا.لكن الانسجام موجود فقط ليس في المستوى الظاهر.
الانسجام الحقيقي يحدث بين صانع المحتوى والخوارزمية، لا بينه وبين الجمهور. هو لا يخاطبك أنت بشكل مباشر، ولا يخاطب “البنات” فقط. هو يخاطب النظام نفسه. يُغذّيه بما يريد، ويُظهر لك ما يسمح به النظام أن يصل إليك.
وهنا يتحول الإنسان من “مرسل رسالة” إلى “مُحسّن أداء”.
الخطاب يصبح أداة تنظيم،
والصورة تصبح أداة انتشار،
والخوارزمية تصبح الحكم النهائي.
ومع الوقت، يتكوّن جيلٌ كامل لا يرى في هذا التناقض أي مشكلة. لأنهم لم يعيشوا زمنًا كانت فيه الرسالة والصورة متطابقتين. بالنسبة لهم، هذا هو الشكل الطبيعي للتواصل: أن تقول شيئًا، وتعرض شيئًا آخر، وتترك للخوارزمية مهمة الجمع بينهما.
حين يصبح الانتباه هو القيمة الأعلى، يبدأ كل شيء بالتشكّل حوله. تُختزل الشخصية في لحظة، وتُختصر الهوية في زاوية تصوير، وتُقاس القيمة بعدد المشاهدات. ومع كل مقطع ينتشر، تُعاد برمجة الذوق العام، خطوةً صغيرة لا تُلاحظ، لكنها تتراكم حتى تُصبح هي القاعدة.
وهنا يعود السؤال الحقيقي، ليس عن الفتيات، بل عن المنظومة كلها:
إذا كانت الخوارزمية تُكافئ ما يجذب الانتباه، فهل نحن نشاهد ما نريد أم ما تم تصميمه ليجذبنا، حتى لو لم نكن نريده؟
العربية

