
حي الوسط حقيقة تاريخية☝️(2)
✍🏼 : مشاري حمود العميري
سبق أن تناولنا في مقال سابق عن حي "الوسط" وأسهبنا في بيان موقعه ودلالته التاريخية، غير أن البعض لا يزال يُنكر وجود هذا الحي، ويختزل خريطة الكويت القديمة في حيي جبلة وشرق فقط، وكأن المدينة لم تعرف يومًا مركزًا يتوسطهما ويشكل قلبها الإداري والعمراني.!
وهذه النظرة، مع ما فيها من اختزال، تتجاهل شهادات المؤرخين ومعايشة أهل الكويت الأوائل الذين تداولوا اسم "الوسط" بوضوح، بوصفه توصيفًا جغرافيًا واجتماعيًا معروفًا لا لبس فيه.!
فالمؤرخ عبدالعزيز الرشيد، في كتاباته عن تاريخ الكويت، ذكر "حي الوسط" كما ذكر جبلة وشرق، ولم يبتدع هذه التسمية من فراغ، بل نقل ما استقر في عرف أهل الكويت بعد التوسع العمراني الذي نشأ بين جبلة من جهة وشرق من جهة أخرى، فكان من الطبيعي أن يظهر نطاق عمراني يتوسط الحيين، وأن يُعرف عند الناس بالوسط، توصيفًا لموقعه ودوره في آن واحد، لا تسمية مستحدثة ولا توصيفًا مجردًا.!
ولعل من أبرز الشواهد التاريخية ما جاء في مقابلة المؤرخ سيف مرزوق الشملان مع العم مشاري عبدالله الروضان، المولود عام 1877، وهو من أبناء تلك المرحلة المبكرة. فعندما ذكر له الشملان بيتًا في "شرق" بادر الروضان بالتنبيه قائلًا :
البيت ليس في شرق، بل هو في الوسط.!
وهذه العبارة البسيطة تختصر حقيقة كبرى، فهي شهادة معايش لا ناقل، وتؤكد أن مصطلح "الوسط" كان متداولًا بين الناس بدقة في تحديد المواقع والأحياء.
وتزداد هذه الشهادة قوةً إذا ما نظرنا إلى الفارق العمري بين العم مشاري الروضان والمؤرخ عبدالعزيز الرشيد، إذ إن الروضان أكبر من الرشيد بنحو عشرة أعوام، وهو ما يمنح دلالة زمنية واضحة على أن تسمية "حي الوسط" لم تكن اجتهادًا متأخرًا من مؤرخ، بل مصطلحًا سابقًا متداولًا في ألسنة الناس قبل أن يُدون في كتب التاريخ.! فالرشيد، بوصفه مؤرخًا، لم يكن في موضع من يبتدع التسميات، بل في موقع من يثبت ما تعارف عليه أهل زمانه، وعندما يؤكد رجل أكبر سنًا، عاصر بدايات العمران الكويتي، استخدام مصطلح "الوسط" بوصفه تحديدًا جغرافيًا معروفًا، فإن ذلك يدل دلالة قاطعة على قدم هذه التسمية ورسخها في الذاكرة الشعبية.!
وهنا تتكامل الشهادة الشفوية مع التوثيق المكتوب، ليتأكد أن "حي الوسط" حقيقة جغرافية واجتماعية عرفها أهل الكويت وتداولوها قبل أن تسجل في المؤلفات.
وحي الوسط لم يكن مجرد اسم عابر، بل كان موضع إدارة الحكم ومركز النشاط الرئيس في المدينة، حيث تتركز الدوائر المهمة والأسواق والمساجد، وهو ما يجعله أقرب إلى مفهوم "قلب المدينة" أو "مركزها" الذي لا تكاد تخلو منه مدينة في العالم، فكل مدينة لها أطرافها وأحياؤها المتباعدة، ولكن لا بد لها من وسط يجمع شتاتها ويعبر عن مركز ثقلها السياسي والاقتصادي.
ومن هنا، فإن إنكار وجود حي الوسط لا ينسجم مع منطق نشوء المدن ولا مع شواهد التاريخ الكويتي ذاته.!
فكما تعارف الناس في مختلف الحواضر على مصطلحات مثل "وسط البلد" أو ( Downtown ) للدلالة على المركز الحيوي، تعارف أهل الكويت قديمًا على تسمية "الوسط" للدلالة على المنطقة الواقعة بين جبلة وشرق، حيث تلاقت طرق الناس ومصالحهم ومؤسسات الحكم.
فالاعتراف بوجود حي الوسط هو إنصاف للذاكرة العمرانية للكويت، وتثبيت لمرحلة مهمة من مراحل تشكلها، فالأحياء ليست مجرد حدود جغرافية، بل هي روايات بشرية ومراكز تأثير صنعت هوية المكان، وحي الوسط، بما احتواه من رمزية إدارية وتاريخية، كان أصل كيان البلد ومحور حركته في زمن التأسيس.
وعليه، فإن إحياء اسم "حي الوسط" والاعتداد به لا يعني نفي جبلة أو شرق، بل استكمال الصورة الحقيقية للمدينة كما عرفها أهلها الأوائل وكما دونها مؤرخوها. فالحقيقة تزهو ببيانها ومنطق رجالها، ومن عاصروا تلك الحقبة ذكروا "الوسط" صراحة، لا بوصفه افتراضًا نظريًا، بل واقعًا جغرافيًا عاشوه وتداولوا اسمه في حياتهم اليومية، و المدن التي تحفظ أسماء أحيائها تحفظ ذاكرتها، ومن ينكر أسماء الأمكنة إنما يغامر بطمس صفحات من تاريخها.!
وحي الوسط في الكويت ليس وهمًا ولا مصطلحًا طارئًا، بل حقيقة تاريخية وجغرافية راسخة، شهد بها المؤرخ، وأكدها المعاصر، وفرضها منطق العمران، فكيف تُمحى بعد ذلك من الذاكرة.!؟
العربية












