أتأمّل مقدار البأس الكامن في المرء حين يُرهق ذاته تهذيبًا ويقف قبالة نقائصه موقف المُدّعي والقاضي معًا؛ أن تُعيد صوغ ملامحك من الداخل وتنتشل روحك من هيئةٍ ألفتها طويلًا فذلك من أشق ما يُقاسيه الإنسان.
تثقل المساعي حين تُجرَّد من معنى الأحتساب ويبهت أثرها في النفس فإذا انكسر السعي أو تعثّر بلوغ المراد سكن القلب إلى أن ما صلح لله لا يتيه أثره وأن الجهد إذا صَدَق اتّجه، ولو لم يكتمل وصوله.
نِعَمُ الله عليّ مديدةٌ لا تُحصى وآلاؤه متعاقبةٌ لا يبلغها الثناء وكل شعورٍ أنعم الله به على روحي ما يزال أثره باقياً إلى الآن
ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك وألهمني حُسن القيامِ بحقَّها.
فكرةُ التخلّي وابتداء حياة جديدة تمامًا تستهويني بغضِّ النظرِ عمّا سيبقى خلفي أرغبُ بانسحابٍ تامّ من هذا الثقل ومن الأمكنة التي استهلكتني طويلًا أبتغي اقتلاعَ ذاتي من هذا الرُّكامِ المألوف والمضيَّ إلى هيئةٍ أُخرى تُشبهني؛ حياةٍ نقيّةً لا يطالها هذا الضجيجُ العالقُ في داخلي.
أجد نفسي في عُزلتي أكثر ممّا أجدها بين الجموع في إنفرادي الطويل مع ذاتي وفي السكينة التي لا يقطعها أحد؛ ويراودني دائمًا ميلٌ خفيّ للأبتعاد عن الضجيج وكل ما يزدحم حولي لأستعيد أتساقي في خلوتي.
لقد كانت مواساة نفسي يقينًا لا يفتر أن الله لا يُدبّر لي أمرًا إلا وفيه خيرة مصانة ولا يُذيقني شقاء إلا ليورثني رضا ولا يُدنيني من موضع إلا لأبلغ منه مسرة وما سلب مني إلا ليجزل عطائي ولا أوردني مسالك مُجهدة مُعتمة إلا ليبصرني بالنعيم.
إكرامُ المرء لنفسه أن ينتقي لها ما يليق بسِمتها من لِينِ المؤانسة وصفاءِ الود وأشرفِ الصحبة وأعدلِ المسالك؛ وأن يصونها عن مواطن الضِّعة فلا يُسخِّرها لِما يستخف قدرها ولا يُبذلها في غير موضعها يُعطي بقدر ويَمنع بحزمٍ لا يندم عليه.