Sabitlenmiş Tweet

ليلة في وادي القنافذ
بعيداً عن صخب المدينة وفي مكانٍ صحراويٍ محميّ منذ سنوات لا يوجد فيه إلا غرفةٌ خرِبة وكرسي خشبي طويل عليه قطعة قماش بالية كوصف الرصافي :
كرّ الجديدين قد ابلى عباءتها
فانشقّ أسفلها وانشق أعلاها
ومصباح بيني وبينه عداوة لكثرة ما يجمع من البعوض والحشرات، المكان موحش جداً ولولا أن هذا المكان داخل في نطاق عملنا لما وقف عليه أحد، في هذا القفر تجد كل ما يخطر عليك مما يدب في الصحراء ولهذا نشأت بيني وبين الحيوانات الصحراوية نوع من الألفة من بينها القنافذ، لم أر موضعاً تكثر فيه القنافذ مثل هذا المكان لذا أسميته وادي القنافذ ، هنا بدأت علاقتي مع صديقي القنفذ بعد طول المدة بيننا أصبح لديّ شعور احترام شديد لهذا الكائن أرى في حركته جوانب من الوقار والحكمة والأناة يفتقدها الكثير ممن أعرف في مجتمعنا الإنساني ، هل لو تأمل الإنسان حركات الحيوانات من حوله وطبائعها ؛ تنبّه لما ينقصه منها ؟ قال الحق {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}
والحيوان -كما تعرف- معلم قديم للإنسان واسألوا قابيل، قيل لمّا ذهب العالم النفسي فرويد زائرًا أميركا لإلقاء بعض المحاضرات قال: "ذهبت لأمرين؛ لإلقاء المحاضرات، ودراسة سلوك القنافذ!"
وصديقنا القنفذ له حضورٌ في ذاكرة الأمم والشعوب؛ فقد كان المصريون قديماً يعبدون آلهة تتخذ شكل القنفذ ولهم تمائم وأختام على شكل القنافذ، تجدون تفاصيل ذلك عند د.أيمن دهشان في بحثه "القنفذ في مصر القديمة" ، أما العرب فقد كانت تكنيه "أبو سفيان" ويسمى "الشيهم" وجاء في الأمثال " أسرى من قنفذ" لأنه لا يتحرك ويقطع الأماكن إلا في الليل ويقال أيضاً "ليس في القنافذ أملس"، ساق الجاحظ في كتابه الحيوان طرفاً من أخباره والأشعار التي قيلت فيه في مواضع متفرقه ولم يفرد له باباً منفصلاً حسب ما ذكره د.يعقوب الغنيم في مقالته عن القنفذ، وكذلك في "حياة الحيوان" للدميري ذكر القنفذ بشيءٍ من التفصيل مثل الفوائد الطبية لأجزاء جسم القنفذ وما يستفاد منه والخلاف في مشروعية جواز أكله ، ولا تنفر ياصديقي القارئ عند الحديث عن أكل الإنسان للقنفذ ففي أوقات الجوع والفاقة وقلة الخيارات قد يرى فيها الإنسان "حسناً ما ليس بالحسن" ، والفوائد الطبية لأكل القنفذ ذكرها ابن سينا أيضاً وقرأت أن الغجر في أوروبا يعتقدون أن تناول لحم القنفذ يقيّ من التسمم ، ومن أساطير الأعراب أن القنافذ مراكب الجن ومن يقتلها أول الليل لا يأمن على إبله.
جاء ذكر القنفذ عند الشاعر الإغريقي آركيلوكوس -لا أظنك قرأت اسمه - يقول " يعرف الثعلب أشياء كثيرة، أما القنفذ يعرف شيئاً كبيراً واحداً" والمعنى أن أساليب وخطط الثعلب كثيرة لكن القنفذ لا يملك إلا طريقة واحده لمواجهة خطط الثعلب ومع ذلك لا يستطيع اختراق طريقة القنفذ ، وهذا المعنى شبيه بالمثل الشعبي عندنا "أبو نيّة غلب أبو نيتين"، في سنة 1953 أخذ المفكر "الصهيوني" إيسايا برلين من الشاعر الإغريقي فكرة الثعلب والقنفذ وعليها قسم المفكرين إلى نوعين : ثعالب وقنافذ ولكل نوع طابع خاص في مقالة مشهورة عرضها ولخصها د.فؤاد أيوب 1963م ، كذلك استلهم الفيلسوف الأمريكي رونالد دوركين عنوانه "عدالة القنافذ" من مقالة إيسايا برلين وصنف نفسه في عداد القنافذ وللأسف لم يترجم، وفي مجال القصة والفلسفة تشتهر "معضلة القنافذ" في الشتاء البارد التي طرحها شوبنهاور سنة 1851م لشرح فكرة "المسافة الآمنة" في العلاقات الاجتماعية؛ وقصة شوبنهاور هذه صدرّها المترجم العراقي فلاح رحيم في مقدمة روايته "القنافذ في يوم ساخن" مع قصة أخرى عن القنافذ للكاتبة البريطانية بياتريس بوتر ، وتغلغل صديقنا القنفذ في عناوين كثيرة منها "شجرة القنفذ" وهي رسائل غرامشي و"يوميات قنفذ" لبارتون بيغز ورواية "دع القنفذ ينقلب على ظهره" للروائي العراقي خضير اليزيدي ورواية "أناقة القنفذ" للكاتبة الفرنسية موريل باربري ومن كتب تطوير الذات "كيف تحضن القنفذ" د.ديبي إليس وقصة "هانز القنفذ" و"القنفذ والأرنب البري" للأخوين غريم , ومسمى "القنفذ" مفرداً تكرر عند زكريا تامر وإسلام أبو شكير ومن قبلهم جوليان بارنز وهذا على سبيل المثال لا الحصر ، حتى الحكايات الشعبية في المغرب العربي لم يغب عنها صديقنا القنفذ فقد نشر د.ابن عبدالله الأخضر قصة "الذئب والقنفذ" في مجلة التراث الشعبي وقد أخذ القصة من أحد كبار السن ثم استدرك عليه كرم أدريس في نفس المجلة وعدل على الرواية ومكان القصة .
في سنة ١٩٩١ صمم الياباني "ناوتو أوشيما" القنفذ "سونيك" لشركة ألعاب الفيديو "سيجا" وأدخله عالم الأطفال ثم تمددت شخصية سونيك ودخل عالم الرسوم المتحركة والسينما والقصص المصورة بل حتى الملابس والشعارات، هذا الكائن الليلي لم يترك السينما دخل في فيلمين يحملان اسم “القنفذ” الأول فرنسي 2009 والثاني إيراني 2023 ، ويقام مهرجان "القنفذ الذهبي" للدراما في الصين ويتكرر نفس اسم الجائزة "القنفذ الذهبي" في بلغاريا والكيان المحتل وغيرها ، تسلسل القنفذ حتى في الحرب العالمية الثانية عن طريق اختراع "القنفذ التشيكي" المضاد للدبابات واستمر العمل فيه حتى الحرب الأخيرة بين روسيا وأوكرانيا.
اعتراف أخير لك عزيزي القارئ
لم أكن موضوعياً في كل ما كتبته عن القنفذ فقد تحاشيت أي ذكر فيه إساءة لهذا الكائن المسالم فإن الإنسان مهما بلغ من الحيادية لا بد أن يكون للعواطف دورٌ فيما يكتب .
عزام
العربية






