
الشيعة.. إيران.. الأوطان.. الولاء.. ونصفه! قبل أكثر من عشرين سنة، وأثناء دراستي في كندا، قلت في نقاش مع بعض الأصدقاء إن نظرية ولاية الفقيه ستضع الشيعة يومًا ما في موقع الشبهة في موضوع الولاء لأوطانهم، والأخطر من ذلك هو أنها قد تجعلهم في موقع التصادم المباشر مع تلك الأوطان، يومها بدا كلامي لأصدقائي مبالغًا فيه، وكأن المواضيع لا يمكن أن تبلغ هذا الحد، لكن بعض الأفكار لا تنتظر حتى تخطئ في التطبيق، فيكفي أن يكون الخلل كامنًا في بنائها لتنتظر لحظة الانفجار، وهذا ما رأيناه لاحقًا، وندفع ثمنه اليوم! لا أقول ما سبق لأبرهن على عمق قراءتي للمستقبل، ولا لأسجل تفوقًا على أصدقائي في صحة توقعاتي، فكم كنت أتمنى لو كنت مخطئًا ومبالغًا، لكن موقفي من ولاية الفقيه لم يأتِ من خارج التجربة، وليس وليد المزايدة المتأخرة في ظل الأحداث الحالية، فأنا أنتمي إلى عائلة ذات إرث سياسي، وكان عمي من رؤوس التيار الشيعي الكويتي الوطني الذي خاض الانتخابات البرلمانية مرارًا، وكان خصمًا تقليديًا لأنصار ولاية الفقيه في الكويت، لذلك أعرف من الداخل أن هذا الانقسام حول هذه النظرية لم يكن يومًا بين متدين وغير متدين، بل بين تصورين مختلفين تمامًا للعمل السياسي، تصور يرى الوطن سقفًا نهائيًا لا يعلو عليه شيء، وتصور آخر يفتح الباب لمرجعية عابرة للحدود الوطنية ثم يطلب من الناس بعد ذلك ألّا يجعلوا ولاءه لوطنه محلّ تساؤل! إيران، باتخاذها ولاية الفقيه مرجعيةً سياسية، لم تكتفِ بأن تصنع لنفسها مشروع نفوذ في المنطقة، بل خلقت التباسًا واسعًا حول الشيعة أنفسهم، لأنها استغلت المذهب واستثمرت في العاطفة الدينية وربطت بين الانتماء المذهبي وبين مشروعها الإقليمي، فحمّلت جماعات كاملة تبعات مشروع لا يمثلها ولا يختصرها ولا يعبّر عن ضميرها الوطني، وأضرّت بالشيعة حين وضعتهم في مرمى الشبهة، ودفعت حتى الشيعي الوطني والمعتدل والبعيد أصلًا عن إيران ومشروعها إلى أن يتحمل كلفةً لم يصنعها، بل إن الضرر لم يقف عند الشيعة العرب، وإنما امتد إلى الشيعة الإيرانيين أنفسهم وإلى كل إيراني رفض هذا النموذج، حين قُمعت الأصوات وسُحقت الاحتجاجات ودفع الناس أثمانًا باهظة لأنهم قالوا لا لاستبداد أراد لنفسه ثوب الدين! المشكلة في ولاية الفقيه ليست فقط أنها نظرية سياسية خاطئة، بل أنها تُفسد معنى الانتماء نفسه، فهي لا تترك مكان الوطن مكتملًا في الوجدان، بل تجعل له شريكًا في الولاء أو منافسًا له عند الأزمات أو مرجعيةً تعلو عليه في لحظة الاختبار، وهنا يبدأ الخلل الحقيقي، فالأوطان لا تُدار بولاءات مزدوجة، ولا تحتمل هذا الغموض حين تشتد اللحظات وتصبح المواقف امتحانًا علنيًا لا تمرينًا فكريًا، وما صنعته نظرية ولاية الفقيه وما مارسه النظام الإيراني في المنطقة ليس محلّ التماس لعذر ولا مساحةً رمادية تحتمل الأخذ والرد، فهذا المشروع لم يحمِ الشيعة بل آذاهم، ولم يرفع شأن المنطقة بل مزّقها، ولم يصنع قوةً حقيقية داخل الأوطان بل زرع الشك والريبة والانقسام حتى في المجتمعات التي ادّعى الدفاع عنها! يهمني جدًا في معرض كلامي اليوم أن أنبّه الكثيرين إلى أن معظم الشيعة في العالم كله، وفي الخليج على وجه الخصوص، لم يكونوا أتباعًا لولاية الفقيه لا دينيًا ولا سياسيًا، ولم يروا في هذه النظرية مرجعيتهم الفكرية، ولا في هذا المشروع تعبيرًا عن ضميرهم الوطني، لكن الحقيقة أوسع من أي تبسيط، فبعض الشيعة تعاطف مع هذا المشروع أو انخرط فيه أو أساء إلى وطنه تحت تأثيره، وهذه مسؤولية لا ينبغي إخفاؤها، لكنها مسؤولية من اختار طريقه الخاطئ، ولا يجب أن تكون صفةً تُلصق بجماعة كاملة أو بأفراد وُلدوا داخل نسيج اجتماعي معين، ولهذا أقول لأهلي الشيعة بكل الود الذي لا تفسده الصراحة، أنا أكتب هذا الكلام من أجل الوطن ومن أجلكم، ومن أجل أبنائكم أيضًا، أكتبه لأنني لا أريد لهذه الطائفة أن تبقى أسيرة التباس لم يصنعه إلا قلة قليلة من المنتمين لها، ولا أريد أن تبقى صورة أبنائها معلّقةً بمشروع أضرّ بها كما أضرّ بغيرها، وأكتبه لأن من قدّموا أوطانهم على ما سواها ولم يجعلوا ولاءهم محلّ مساومة، لا ينبغي أن يرثوا عبء فكرة لم يؤمنوا بها، ولا أن يدفعوا ثمن مشروع لم يكن تعبيرًا عنهم بقدر ما كان محاولة لاستغلال عاطفتهم ومذهبهم وموقعهم في الجغرافيا السياسية للمنطقة، كما أن على كل من قدّم هذا المشروع للناس باعتباره فضيلة، وكل من سخر من التحذير منه أو اتهم معارضيه بالقصور أو الجبن أو عدم التدين، عليه اليوم أن يراجع نفسه ويحاسبها قبل ان يحاسبه غيره أمام كل هذا الخراب والعدوان الايراني على وطنه، لا أن يطلب من الآخرين مرةً أخرى أن يتجاهلوا ما يرونه بأعينهم وصار أوضح من أن يُنكر! بعض الأفكار يا أصدقائي لا تخطئ فحسب، بل تترك ندوبًا عميقةً في الوعي الجمعي لا يسهل شفاؤها، وولاية الفقيه من هذا النوع، فقد أفسدت على كثيرين حقهم البسيط في أن يكون انتماؤهم لأوطانهم واضحًا وبسيطًا غير قابل للتأويل أو الاشتباه، فالأوطان حين تمرّ باللحظات الحاسمة لا يحميها الضجيج ولا تنقذها الشعارات ولا يصونها الالتباس، بل يحميها وضوح الانتماء ونظافة الموقف والقدرة على تسمية الخطأ باسمه دون مواربة أو تأويل أو تبرير وايران بما تقوم به في هجومها على الكويت ودول الخليج تقف في موقف العدو المعتدي ولا مجال البتة للوقوف مع من يعتدي على الوطن أو من يبرر له بأي حجة أو دفاع، وعلى الدولة أن تتخذ كل ما يلزم لضمان أمنها وسلامة من يعيش على أرضها وأن تضرب بيد من حديد على من يهدد استقرار الوطن كائنا من كان.. من أراد وطنه يا سادة، فليكن معه كاملًا، لا بنصف موقف.. ولا بنصف ولاء.. ولا بنصف انتماء.. حفظ الله الكويت أميرًا وحكومةً وشعبًا، وحفظ الله دول الخليج، وأزال الله هذه الغمّة عنا جميعًا.






















