Aliaa retweetledi

ثورة الشك
منذ أن قامت ثورة يوليو المباركة حرصت السلطات المتعاقبة المباركة برضه على أن تظل ثورة يوليو هي الثورة الأخيرة التي تقوم في مصر، ونجحت جميع السلطات بالفعل في ذلك، لكنها لم تستطع أن تتغلب أبداً على أخطر ثورة غير مباركة تستعر في صدور المصريين يوماً بعد يوم، ألا وهي ثورة الشك.
بات المصريون يعرفون جيدا أن ثورة الشك هي الثورة الوحيدة مأمونة العواقب فأصبحوا يمارسونها ضد كل ما هو حكومي ورسمي دون أن تأخذ معهم الحكومة حقّا ولا باطلا. لم تنجح كل المليارات التي أُنفقت من أجل إنشاء أكبر شبكة إعلام موجه في الشرق الأوسط وتدجين أكبر قدر من الصحف والمشايخ والوعاظ والقسس والكُتاب والصحفيين والمعلّقين والعلوق، في أن تجعل المصريين يتوقفون عن الشك فيمَن يحكمهم أيّا كان ما يفعلونه وحتى لو كان بعضه أمرا حسنا لا غبار عليه، تقول لهم الحكومة يمين فيأخذون الشمال دون تفكير لأن يقينا قاطعا قد تولّد بداخلهم أن الحكومة لا يمكن أن تطلب منهم التوجه إلى اليمين لوجه الله. تحلف لهم على الميّة تِجْمَد أن مرتكب حادثة الاعتداء على الأقباط مختل بشهادة الأطباء فيتندرون عليها ما وسعهم التندر مطالبين بإنشاء منصب رسمي يحمل عنوان مساعد وزير الداخلية لشئون المختلين عقليّا ومذكرين الداخلية بمقولة خُدْ من التلّ يِختلّ، متذكرين مهازل المختل المزعوم في بني سويف، والمختل المزعوم في تفجيرات التحرير، ومَن سبقهم من المختلين بإحسان إلى يوم الدين.
... بالطبع، فإن شيوع مثل هذا المناخ من الشك العدمي أكبر بكثير من شخصي الذي يحاول أن يكون متواضعا، هو في حقيقة الأمر واقع مؤسف لبلاد احترقت ألسنة الناس فيها بفعل شوربة الريادة والحرية الزاهية فأدمنوا النفخ في زبادي الشفافية والفكر الجديد.
لست بحاجة لأن أُذكّرك كيف أدى مناخ الشك المقيم هذا إلى تفاقم حالات الوفيات من وباء أنفلونزا الطيور؛ لأن الناس لم يصدقوا تحذيرات الحكومة بعدم مخالطة الطيور، ظل ملايين المصريين لفترة وقبل ظهور أول حالة وفاة بشرية يشيعون أن هناك مسئولا كبيرا لديه صفقة دواجن مجمدة سيكسب من ورائها ملايين لا حصر لها. قبلها بأيام وعندما كان مسئولو الحكومة يُقسمون بأرواح أمهاتهم أن مصر لا تشهد أبدا ظهور أنفلونزا الطيور، وأن الفراخ آمنة أمان مَن دخل دار أبي سفيان توقف الناس عن شراء الفراخ وأكلها، حتى إنني اقترحت يومها على الحكومة أن تدعو الناس للامتناع عن أكل الفراخ وتحذرهم من توقيع عقوبات على مَن يأكلها، وأن ذلك سيكون كافيا لنفاد مخزون البلاد من الفراخ في ساعات.
بلاش حكاية الفراخ، قل لي بالله عليك هل رأيت شعبا في عز تشجيعه لفريقه الكروي القومي تنتشر فيه شائعات لا حصر لها عن أن الحكومة قامت بشراء الفرق المنافسة بمبالغ طائلة لكي تلهي الشعب عن غرق العبّارة وانتشار أنفلونزا الطيور، ناهيك عن الشائعات التي لا حصر لها والتي رافقت موضوع العبّارة بحيث لم يصدق الناس أن الحكومة أصدرت قرارات محاسبة صاحب العبّارة إلا بعد أن ضمنت سفره إلى الخارج، وعندما كتبتُ ساخرا من أن الحكومة منعت زوجته من السفر إلى الخارج بناء على طلبه تحول ما كتبته إلى نكتة انتشرت عبر شبكة المحمول لتؤكد أن ما كتبته صادف هوى لدى الناس.
وأزعم أنه لو كان الفيلسوف الشهير ديكارت حيّا في أيامنا المباركة هذه لشعر بالسعادة وهو يرى نظريته «أنا أشك إذن أنا موجود» وهي تتحول إلى طريقة حياة في مصر، لم يعد الشك ينتابنا فيما نأكله أو نشربه فذلك أمر يمكن أن نشترك فيه مع أي شخص يخاف على صحته ويراقب غذاءه في أي دولة من دول العالم المتقدم، بل أصبح الشك ينتابنا في كل تفاصيل الحياة التي لا تجد عليها غبارا في كل بلاد العالم، مثل فاتورة الكهرباء التي ندفعها شهريّا، والتي يفترض أن تكون تحصيلا لاستهلاك فعلي يقيسه عداد مثبت داخل كل شقة، لكن هل تستطيع أن تقول لي إنك متأكد من أنك تدفع فعلا ثمن ما تستهلكه، إذن لماذا يختلف المبلغ الذي تدفعه بشكل غريب شهرا بعد شهر بينما أنت تعيش نمط حياة ثابتا لا يتغير بنفس الشكل الذي يتغير ما يطلب منك أن تدفعه؟!
قبل أسابيع جاءتني رسالة على الإيميل من موظف في شركة الكهرباء بالقاهرة الكبرى لم يذكر اسمه في الرسالة التي كتبها على ما يبدو وهو يتلفت حوله خوفا، أقسم لي في الرسالة إن شركة الكهرباء تقوم بزيادة عشوائية على فواتير الكهرباء تختلف من شهر لآخر معتمدة على أن أحدا لن يلجأ للشكوى والتظلم ومطابقة ما يدفعه بما يستهلكه فعلا، فالشركة تعلم أن المواطن يعلم أنه لو فعل فإن مصالحه ستتعطل وروحه ستطلع لبارئها، ناهيك عن الأضرار التي ستصيب أيمان الذين خلفوه، أما إذا وجدت الشركة مواطنا ليس لدى الذين خلفوه أيمان ومستعد لأن يتحمّل كل عنت ممكن من أجل إثبات حقه فعندها ستعتذر له الشركة وستعده بخصم الزيادة من فاتورته القادمة، هل يمكن أن أرفض المنطق الموجود في الرسالة وأعتبره هلوسة موظف كاره لشركته؟ وهل يمكنني أن أسلم به جدلا وأعلن ثقتي الكاملة في شركة الكهرباء «اللي منورانا»، الحقيقة لم أكن لا أنا ولا أنت بحاجة لهذه الرسالة لكي نشك ونضرب أخماسا في أسداس ونحن ندفع فاتورة الكهرباء، يكفي أننا نشارك جميعاً في مهزلة شهرية اسمها رسوم النظافة التي ندفعها شهريّا في نفس الوقت الذي ندفع فيه شهرية الزبال، فنحن نعلم أن حكومة نظيف وغيره لن تنظّف شيئا سوى جيوبنا.
رسالة أخرى من قارئ يطلب مني أن أحذر القراء من عشرات الأدوية التي يذكرها بالاسم، وآخر يحذر من عشرات السلع المليئة بالمواد المسرطنة، فيما يميل عليَّ فنان كبير ذات سهرة ليقول لي: «اوعى تكون بتشرب ميّة معدنية!»، ثم يحكي لي أن صديقا له يعمل بالسفارة الأمريكية قال له إن السفارة أجرت فحوصات على كل أنواع المياه المعدنية الموجودة في مصر واكتشفت أن جميعها باستثناء نوع واحد لا علاقة له بالصحة ولا بالمياه المعدنية أساسا، وأن ما يتندر الناس حول كون تلك المياه «بتتْمِلي من الحنفية» شبه صحيح، ثم ينهي قصته التي لا تعلم هل هي حقيقية أم لا بأن يقول متحسرا: «ابن الكلب ما رضيش يقول لي اسم النوع الكويس.. قال إيه ما يعرفوش».
لا يمكن أن تجلس في قعدة أو سهرة أو لمّة أيّا كان المستوى الاقتصادي لمَن تجلس معهم إلا وتسمع عشرات الحكايات عن تلف هذه السلعة أو فساد ذلك المحصول، هذا يحذرك من أكل فاكهة معينة، وذلك يوصيك بأن لا تثق في السلع التي توصف بأنها عضوية وأورجانيك لأنها ليست كذلك على الإطلاق. كيف يمكن أن تمنع الناس من التفكير هكذا وهم يعلمون أن الثقة فيما يأكلونه ويشربونه لا يمكن أن تتأتى إلا بوجود رقابة صارمة تطبق المواصفات الصحية التي تؤمّن صحتهم وصحة أولادهم، وهي الرقابة التي لا يمكن أن يثق الناس فيها في ظل الفساد الضارب أطنابه في البلاد، قل للناس إن هناك ملايين من الشرفاء الذين لا يرضون الإضرار بمواطنيهم وسيقول لك الكثيرون ساخرين: «وأنا إيش ضمّني»، فالمشكلة ليست في وجود الرقيب الشريف، المشكلة في ضمان شرف مَن سيحاسبه، وإلا قل لي لماذا انتشر السرطان وغيره من الأمراض اللعينة بهذا القدر المفزع في ربع القرن المنصرم؟ بل دعني أقل لك وقد كنت مدمنا بحكم الفقر لعربيات الكبدة والسجق إنني كنت أثق فيها أكثر من ثقتي فيما آكله في بعض المطاعم الفاخرة الآن.
لست أهدف لأن أُكرّهك في عيشتك وفيما تأكله وتشربه، فأنا وأنت في مركب واحد وآدينا نفضفض سويّا في انتظار النجاة أو الغرق لا قدر الله، وأنا وأنت نعلم أنه ليس لدينا خيار آخر إلا أن نأكل ونشرب ما هو متاح لكلٍّ منا حسب إمكانياته، وأن نسعى للبحث عن أصح ما هو موجود من باب أن نصف العمى أفضل من كله، لكن ما أريد أن أقوله هنا هو أن كلامنا هذا يثبت خطأ وخطل وهطل ما يردده موالسو الصحف القومية من أن مطالب القضاة والصحفيين وأساتذة الجامعات والمهندسين والأطباء وغيرهم من نخبة مصر المشرقة هي مطالب سياسية بعيدة عن أرض الواقع ولا علاقة لها بهمّ المصريين البسطاء المنحصر في المأكل والمشرب. بينما لو كان لدينا ثقة فيمَن يحكمنا لأننا ندرك أننا اخترناه اختيارا حرّا مباشرا لا تزوير فيه ولا سحل ولا رصاص مطاطيّا لأصبحت لدينا ثقة في أنه سيوفر لنا ماء نظيفا خاليا من السموم وغذاء خاليا من المواد المسرطنة، لو كانت لدينا ثقة في أن مَن يحكمنا راغب في محاربة الفساد وقادر عليه فسنضمن أن مَن سيغش ما نأكله في عربية كبدة أو مطعم خمس نجوم سيروح في ستين داهية دون أن يجد ظهراً يستند عليه أو ظَرْفاً مَحْشيّا يتكئ عليه.
الغريب أن شعبنا المرهق الثائر شكّاً يعلم أن الشك إذا دخل في علاقة زوجية أفسدها إلى الأبد بحيث تصبح مستحيلة ولا حلّ لها إلا الطلاق، لكنه يفضل أن يستمر في علاقته بهذه الحكومة التي خانته خيانة واضحة وضوح دخول المِيل في المكحلة، بل وأدمنت خيانته والتلاعب بمصيره ومستقبله وصحته وحياته ورزقه، ومع ذلك يرفض أن يُطلِّقها طلاقاً بائناً مكتفياً بثورة الشك، ثم يسأل: لماذا لا ينصلح حاله المايل؟! يا أخي.. هاأو.
...
أجزاء من مقالة بهذا العنوان نشرتها في صفحة قلمين ـ صحيفة الدستور، 5 مايو 2006، وقد اخترت الجزء الذي يتماشى مع ثورة الشك الغذائي والطبي التي نعيشها الآن، واستبعدت جزءا شخصيا عن ردود الفعل على توقفي عن الكتابة في الدستور لفترة بسبب انشغالي في كتابة مسلسل تلفزيوني، والنص الكامل للمقالة موجود في كتاب (ست الحاجة مصر) لمن أراد.
#كتبت_في_مثل_هذا_اليوم
العربية



















