الموازنة الثلاثية التي شرعتها حكومة السوداني ومررها البرلمان السابق دون ضجة تذكر، لم تكن إصلاحًا ماليًا واقتصاديًا على الإطلاق، وإنما كانت ترسيخًا وتكريسًا للاقتصاد الريعي المترهل لثلاث سنوات دفعة واحدة.
وقد تضمنت أرقام إنفاق خيالية، وعجز ضخم، وتوسع مرعب في التعيينات والنفقات التشغيلية، بينما بقيت الصناعة والزراعة والإيرادات غير النفطية في الهامش.
واليوم.. بدأت الدولة العراقية تدفع الثمن باهضًا
نشيد بقرار رئيس مجلس الوزراء، علي الزيدي، القاضي بعدم وضع صوره أو صور الوزراء في الدوائر والمؤسسات الحكومية، وإنهاء هذه السنة القبيحة التي كرسها من سبقوه حتى تحولت مؤسسات الدولة إلى منصات للدعاية الشخصية بدل أن تكون لخدمة المواطنين. كما نثمن قوله المسؤول: "نريد من الناس أن ترى أعمالنا لا صورنا"، وهي رسالة تعكس فهمًا حقيقيًا لمعنى الإدارة والخدمة العامة.
ونذكر إن أهم خطوة ينتظرها الشعب من حكومته اليوم تتمثل بفتح ملف الاستثناءات الكثيرة التي أرهقت موازنة البلد وخرقت مبادىء العدل وأثقلت كاهل الناس خلال السنوات الأخيرة، وكشف تفاصيلها للرأي العام، ومحاسبة كل من استغل السلطة لتجاوز القانون وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات للمحاباة والامتيازات.
عندما يتحول المال العام إلى وسيلة للمجاملات الشعبوية وتوزيع الأراضي والرواتب والمكافآت والمكرمات على لاعبي كرة القدم بقرارات حكومية، كما جرت العادة في عهد السوداني، فلا غرابة أن يستنسخ بعض الوزراء في العهد الجديد هذا النهج عبر منح موظفي وزاراتهم مبالغ إضافية خارج السياقات الطبيعية، وكأن خزينة الدولة ملكية خاصة لا حق عام يفترض أن يخضع للعدالة والضوابط.
في العراق، رئيس جهاز الأمن الوطني، أحد أهم الأجهزة الأمنية في الدولة، أشهد أنه ما زال منذ سنوات يقود سيارته بنفسه بلا حماية ولا مواكب، فيما تتصدر المشهد الإعلامي اليوم نائبة مغمورة تتبعها تسع سيارات سوداء حديثة في موكب يجسد ظاهرة مقيتة تكشف عمق الهوة بين الطبقة السياسية والشعب.
لم تكن هذه القرارات غير القانونية بلا ثمن، فقد دفع المواطن كلفتها من معيشته واستقراره المالي، ولهذا فإن الواجب لا يقتصر على إلغائها، بل يمتد إلى تعويض المتضررين ومحاسبة المسؤول عن إصدارها.
السكوت الطويل عن تفاصيل مقتل آلاف الإرهابيين بعد 2003 هو ما منح رواية "المغيبين" مساحة للانتشار والتضخيم.
فالشفافية وحدها قادرة على وضع النقاط على الحروف، وكشف من قُتل فعلًا على يد القوات الأمنية، أو من سقط شهيدًا بيد عصابات الإرهاب، ومن فُقد منهم، ومن جرى استغلال قضيته سياسيًا.
أن التعامل مع ملف عناصر التنظيمات الإرهابية بهذا الغموض، جعل البعض يتصرف ويتحدث وكأن هؤلاء جاؤوا من العدم، بلا أسماء ولا عائلات ولا عشائر.
بينما يواجه العراق أزمة مالية غير مسبوقة، فإن أول خطوة إصلاحية وتصحيحية ينبغي على رئيس الحكومة العراقية الجديد اتخاذها، ودون أي إبطاء، هي فتح ملف الاستثناءات الكثيرة التي منحتها الحكومة السابقة خارج الضوابط القانونية والإدارية، والتحقيق بشكل شفاف في جميع تفاصيلها وخلفياتها وتبعاتها المالية...
لا شيء أكثر انحطاطًا وسفالة من سياسي خدع الشعب بخطاباته وبياناته التي كانت تتباكى على العدالة المفقودة وتدعو إلى مكافحة الفساد، حتى إذا وصل إلى المنصب الذي كان يسعى إليه، أصبح هو نفسه تجسيدًا حيًّا للظلم والفساد ذاته.
من قبيل المراجعة والمعالجة للتصدعات التي أصابت البيت الشيعي مؤخرًا يجب أن نؤشر أولًا إلى أن الإطار التنسيقي، بقواه التقليدية، كان أكثر تماسكًا ووحدة قبل ضم ما يسمى "ائتلاف الإعمار والتنمية" إليه بصيغته المهلهلة، من دون الاشتراط أولًا على تفكيكه إلى مكوناته الأساسية وإعادة ترتيب العلاقة السياسية معه بما يضمن عدم تحوله إلى نقطة ضعف وفرقة داخل الإطار نفسه.
فالسوداني صاحب المقعد النيابي الواحد، الذي سبق أن قدمه الإطار كمرشح تسوية لرئاسة حكومة مؤقتة بعد أنسحاب التيار الصدري، دخل الانتخابات وهو يطمح إلى حصد مئة مقعد برلماني تمهد الطريق نحو ولاية ثانية تتيح له إنهاء الإطار والانفراد بالقرار الشيعي، الأمر الذي جعل تجاهل هذه الحقيقة خطأً سياسيًا مكلفًا كانت نتائجه واضحة في حجم الصراعات والانقسامات اللاحقة.
ظاهرة مصطفى سند تستحق التوقف عندها طويلًا، نائب جريء ومشاكس للسلطة، اختار أن يواجه حكومة سعت بكل الوسائل إلى تصفير المعارضة النيابية والإعلامية، تارة بالترغيب وتارة بالترهيب.
تعرض للتهديد بالسلاح، ولوحوا بإقالته، وهاجموه بجيوشهم الألكترونية، وأغرقوه بالدعاوى القضائية، لكنه بقي متمسكًا بخطابه ومواقفه دون تراجع.
وها هو اليوم يدخل الحكومة الجديدة وزيرًا، وما أوصله إلى هذا الموقع إلا شيء واحد فقط هو صدقه مع ضميره ومع الناس.
سند سيكون درسًا لكل نائب ولكل سياسي يظن أن الوقوف بوجه السلطة خسارة، ولكل من يعتقد أن الصمت أمام غول الفساد هو الطريق للبقاء والأرتقاء.
علي مارد الأسدي
الفرصة التاريخية الضائعة التي أتيحت على طبق من ذهب، لحكومة السوداني، في ظل الدعم الشعبي والوفرة المالية الكبيرة والاستقرار السياسي النسبي، لإصلاح المنظومة الإدارية والاقتصادية والمالية في العراق، لم تتوفر بهذا الحجم لأي رئيس حكومة قبله، وقد لا تتكرر لمن يأتي بعده.
لذلك ستظل مشاعر الخيبة والمرارة حاضرة، ولن يكون من السهل تجاوزها ما لم تحصل مكاشفة حقيقية ومراجعة جادة ومحاسبة عادلة ومعالجة شفافة لكل ما جرى خلال السنوات الماضية.