
كُنْ... وكُنْ... وكُنْ
الأوامر التي أهلكت الناس في علاقاتهم…
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4]
«كن غامضًا. كن مستقلًا. كن جذابًا. كن شخصيةً لا تُهزم. كن حازمًا. كن مرنًا. كن باردًا. كن مشتعلًا...».
هكذا تنهال على الناس كل يوم قوائم الأوامر في وسائل التواصل؛ وصايا تتكاثر ولا تكتفي، حتى صار الإنسان المسكين مطالبًا كل صباح بأن يصبح كائنًا جديدًا غير الذي نام⏮️ولفتةٌ تدبرية تفتتح بها هذه المقالة: «كن» في القرآن أمرٌ تكويني لا يملكه إلا الله:(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) فمن أين لصنّاع المحتوى أن يوزعوا على الخلق أوامر «كن» ويطلبوا منهم خلقًا جديدًا مع كل مقطع؟ إن الله الذي خلقك قد خلقك في أحسن تقويم؛ فلم يبق عليك أن تُخلق من جديد، وإنما أن تُحسن ما خُلقت عليه.
⬅️قوائم لا يجمعها عقل:
وأول ما يفضح هذه الوصايا أنها لا تجتمع في كائنٍ واحد: يقولون كن غامضًا ثم يقولون كن واضح المشاعر، وكن مستقلًا لا تحتاج أحدًا ثم كن حاضرًا لا يستغني عنك أحد، وكن حازمًا لا تلين ثم كن مرنًا لا تكسر، وكن باردًا لا يهزك شيء ثم كن دافئًا يشتاق إليه الجميع. فأي مخلوقٍ هذا الذي يسع هذه المتناقضات؟ إنه ليس إنسانًا؛ إنه فسيفساء شخصياتٍ مستحيلة، جُمعت من مقاطع لا يعرف أصحابها بعضهم بعضًا. ومن حاول تنفيذ القائمة عاش حياته ممثلًا ينتقل بين أدوارٍ متضادة في مسرحية بلا مخرج؛ فلا هو أتقن دورًا، ولا هو بقي نفسه.
⬅️لماذا تُهلك هذه الأوامر أصحابها؟
تُهلكهم من أربعة أبواب:
1️⃣أولها إرهاق الأداء: فالشخصية المصطنعة تحتاج صيانةً لحظية؛ صاحبها يراقب نبرته وردوده وسرعة تجاوبه كمن يحرس قناعًا يخشى سقوطه، وهذا استنزافٌ لا تطيقه نفسٌ على الدوام.
2️⃣وثانيها خيانة المعيار الداخلي: فمن سلّم دفة ذاته لوصايا الخارج، فقد بوصلته؛ لا يعود يسأل «ماذا أريد وماذا يشبهني؟» بل «ماذا يُطلب مني اليوم؟»، وتلك عبوديةٌ خفية لأهواء الناشرين.
3️⃣وثالثها مأساة القناع المحبوب: فإن نجحت اللعبة وأحبك أحدٌ وأنت متقمص، فقد أحب القناع لا وجهك؛ فتعيش في رعبٍ دائم من لحظة الانكشاف، أو تُدمن التمثيل حتى تنسى ملامحك الأولى.
4️⃣ورابعها قتل السَّكَن: فالعلاقة التي يديرها الغموض المحسوب والحزم المصطنع والاستقلال الاستعراضي ليست علاقة؛ إنها مناورة مفتوحة، والقلوب لا تسكن إلى مناور، إنما تسكن إلى صادقٍ تعرف أين تجده.
⏮️الميزان: صفاتٌ تُزرع لا أقنعةٌ تُلبس.
وليس مقصود المقالة أن التطوير مذموم؛ فالسعي إلى اكتساب الحزم الرشيد والمرونة الحكيمة والاستقلال المتزن مطلبٌ نبيل؛ وإنما الفيصل بين التطوير والتقمص في منبع الصفة:
⏮️الصفة المزروعة تنبت من الداخل قيمةً يقتنع بها صاحبها فتثمر سلوكًا متسقًا في السر والعلن.
⏮️أما الصفة الملبوسة فتُعلّق على الوجه أداةَ تأثيرٍ في الآخرين، تظهر أمامهم وتسقط خلفهم.
⏮️الأولى تشبه شجرةً أصلها ثابت، والثانية تشبه زينةً تستعار للمناسبات. والناس بفطرتهم يشمّون الفرق وإن لم يفسروه؛ فما خرج من القلب وقع في القلب، وما خرج من القناع لم يجاوز الأبصار.
«كن» الوحيدة التي تستحق:⬇️
فإذا كان لا بد من وصية تبدأ بكن، فدونك الوصايا التي لا تُهلك: كن صادقًا؛ فالصدق يريحك من حفظ الأدوار، ومن كان وجهه واحدًا كفاه وجهه. وكن أنت في نسختك الأحسن؛ تهذب طباعك ولا تستبدلها، وتشذب شجرتك ولا تقتلعها. وكن واضح المراد؛ فالوضوح الذي يخيفهم عليك هو عين ما يجذب الأصيل إليك، وما نفر من وضوحك إلا من كان يريدك غنيمة غموض. وكن عبدًا لله لا لقوائم الناس؛ فمن أرضى الله بصدقه أراحه من عناء إرضاء الخلق بتلونه. وبهذه الكينونة الواحدة تختصر ألف «كن» زائفة.
وأخيراً:⬇️
أيها المنهَك بين الأوامر: لم يخلقك الله مسودةً تنتظر تصحيح صناع المحتوى، ولا ممثلًا يتقاذفه المخرجون؛ خلقك في أحسن تقويم، وأودعك ملامح نفسٍ لا تتكرر. فأغلق قوائم «كن»، وافتح صفحة «أنا»: أنا بصدقي وعيوبي وسعيي إلى الأجمل. واعلم أن أعظم جاذبية عرفها البشر ليست الغموض ولا البرود ولا الحزم المستعار؛ إنها راحة الجالس إلى إنسانٍ حقيقي. فكم من غامضٍ مُتقنٍ وحيد، وكم من صادقٍ بسيطٍ ما خلا قلبه من محبين.
العربية







