مُحَمَّد عبدُالخَالِق الرَّمَادِي

15.9K posts

مُحَمَّد عبدُالخَالِق الرَّمَادِي banner
مُحَمَّد عبدُالخَالِق الرَّمَادِي

مُحَمَّد عبدُالخَالِق الرَّمَادِي

@CaptainUO

#رماديات

Katılım Mayıs 2011
7.4K Takip Edilen4K Takipçiler
مُحَمَّد عبدُالخَالِق الرَّمَادِي retweetledi
FawazM | فواز م
FawazM | فواز م@_FawazM·
اللهم لك الحمد عدد خلقك، ورضا نفسك، وزنة عرشك، ومداد كلماتك. الحمد لله على نعمٍ لا تُعد ولا تُحصى. اللهم اجعلنا لك شاكرين، ذاكرين، مطيعين، راضين بما قسمت
العربية
2
15
89
168.1K
عبدالرحمن السيد ‏| Easy AI
الحمد لله مجتمع ذكاء بلا تعقيد على واتساب وصل اليوم لـ 800 أخ وأخت مهتمين بالذكاء الاصطناعي! أشخاص من مجالات مختلفة: تسويق، دعوة، إعلام، تعليم، ريادة أعمال ← هدفنا واحد: نبسّط الذكاء الاصطناعي ونخليه يخدمنا عملياً في حياتنا الانضمام ليس عشوائياً وليس هناك أي مجال للنقاش خارج إطار وأهداف المجتمع إذا كنت مهتماً اكتب تعليق بكلمة (مهتم)
العربية
601
17
333
48.7K
مُحَمَّد عبدُالخَالِق الرَّمَادِي
@hs23s فخذني بِلطفٍ على راحتيك، وشيّدْ على وجهك الطّلق ( عرشي ) لِأبقَى قريباً من الله يكتبني الوحيُ في صُحف الخُلد، ألتَحف النور، نور السموات وحدي، ويحفظني الصمت، حتى يبوح بي الشعر : من كل حرفٍ، ومن كل شطرٍ، ومن كل بيتْ.
العربية
0
1
4
282
حسن الزهراني
( بعد غيابٍ طويل وقفت هنا أمام #غدير_العصبة شمال منطقة #الباحة في وادي #نخال الذي كنا نأوي إليه فرارًا من وطأة الدراسة في #المعهد_العلمي نأتي هنا بإفطارنا ونمارس السباحة ونبقى حتى نهاية الدوام ونعود إلى بيوتنا ، وفي اليوم التالي ننال من العقاب ما قُسم لنا أمام الطلاب )😅 وهذا بعض مادار بيني بينه:👇🏼 🔻🔹🔹🔻 { شجنٌ أزليّ } 🔻▫️▫️🔻 ويسألني الماء : من أنتَ؟! قلت : إني أنا ابنك يا أبتي هل نسيتْ ؟!.. *** قال : كلا ! ولكنني منذ خمسين عاما أفتُش عنك ، وأسأل : همس السّدورْ، وصمت الصخورْ، وأعشاش كل الطيورْ، وأسأل جفن الغمام، وشدو اليمام، وعطر البشام، فأين مضيت ؟! وكيف أتيتْ ؟!.. *** قلت يا أبتي كنت بوحاً جلياً ، فأصبحت سِرّاً خفياً ، تفتّش عنّي المعاني، وتعزف نبضي الأغاني، بعُدتُ كثيراً ، دنوت كثيراً ، وسافر بي شجنٌ أزليٌّ إلى أبدٍ لا حدود له.. وبينهما نبتت ( لَوزةٌ ) في مروج الفؤاد على ضفّة النّبض تبعث نصف جناها إلى كل ثغرٍ على الجوع في جُنح حزنٍ : يبيتْ !.. *** و عُدتُ ببعضي إليك ، وبعضيَ وزّعتهُ في المدارات، بين المجرات ، من مات مِنّي تسامى إلى ملكوت الأساطير بين جفون الحقائق والمعجزات ، ومن عاش منّي تسرّب كالضوء في جوهر الكائنات ، وها أنا مابين - بَعضَيَّ - جئتك تركض بي ( رِجل أيّوب ) من دون صوتٍ ومن دون صِيتْ!.. *** فخذني بِلطفٍ على راحتيك، وشيّدْ على وجهك الطّلق ( عرشي ) لِأبقَى قريباً من الله يكتبني الوحيُ في صُحف الخُلد، ألتَحف النور نور السموات وحدي، ويحفظني الصمت حتى يبوح بي الشعر : من كل حرفٍ ومن كل شطرٍ ومن كل بيتْ.. ▫️🔸🔸▫️ حسن الزهراني
العربية
48
47
159
14.5K
مُحَمَّد عبدُالخَالِق الرَّمَادِي retweetledi
مُحَمَّد عبدُالخَالِق الرَّمَادِي
المساء هشّ، يمكن لكلمة أن تهدمه، ولنظرة أن تجرحه، وذكرى أن تغرقه. #ظل_الرحيل #١٠
العربية
0
1
1
77
مُحَمَّد عبدُالخَالِق الرَّمَادِي retweetledi
ᥫ᭡
ᥫ᭡@3la_wagal·
«لعلَّ أصْدَقَ ما قَالَتْهُ سَيِّدةٌ.. إِنِ اسْتَطَعْتَ تَعلَّمْ كيفَ تنسانَا!».
العربية
0
1
2
80
مُحَمَّد عبدُالخَالِق الرَّمَادِي
@azizkasem إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم اغفر له وارحمه وأسكنه الجنة. كتبتَ مرثيةً تُقرأ مرّات ومرّات، وكتبَ (رحمه الله) درسًا يلخّص للأحياء الحياة.
مُحَمَّد عبدُالخَالِق الرَّمَادِي@CaptainUO

العيد لا يأتي ليُفرحنا فقط، بل يأتي ليفضح ما تبقّى فينا من قدرةٍ على الفرح.

العربية
1
1
1
217
عبدالعزيز قاسم
سبقنا إلى الوداع. . في ليلة التّاسع والعشرين، لم يكن جارنا الغالي سمير شمعة يكتب خواطر عيدٍ.. بل كان يطوي سجّادته الأخيرة ويلوّح لنا من وراء السّطور. . بقلم: عبدالعزيز قاسم إعلاميٌّ وكاتبٌ صحفيٌّ. . في مساء أمسٍ، انتقلت للصّفّ الأوّل في سرادق العزاء، أردت الاختلاء بنفسي، ولم أدرِ بنفسي إلّا وأنا أُخرج جوّالي لأقرأ نصًّا أرسله لنا ابنه أحمد. . كانت كلماتٍ كتبها أبوه ليلة التّاسع والعشرين من رمضان. بدأت أقرأ، ولم أتجاوز السّطر الثّالث حتّى شعرت بشيءٍ ينكسر في داخلي، وإذا بعينين تغرورقان بالدّمع من غير استئذانٍ، كأنّ الكلمات لم تكن حبرًا على شاشةٍ، بل يدًا حانيةً خرجت من القبر لتربّت على صدري وتقول: لا تحزن، لقد وصلت. . كان سفيرنا الأسبق في النّرويج الأستاذ ماجد الحرّازيّ ممّن يتلقّون العزاء، وبمجرّد أن أُذِّن لصلاة العشاء وانفضّ الصّفّ، هرع لي، وهمس: "انتبهت إليك أبا أسامة، ولكأنّك دخلت حالةً شعوريّةً". قلت له وأنا أمسح وجهي: نعم أخي ماجد. كنت أقرأ كلمات سميرٍ. هذا الرّجل لم يكن يكتب خواطر مريضٍ يستقبل العيد. كان يودّعنا. كان يرثي نفسه. وكنّا نحن -بلاهة الأحياء- نظنّه باقيًا. . فمن هو سميرٌ هذا الّذي أبكاني في سرادق عزائه قبل أن تبكيني جنازته؟ هو جارنا الخلوق في حيّ أبحر الجنوبيّة الأستاذ سمير شمعة. وأصحّح هنا الاسم بما قاله صهره الحرّازيّ: "ما كنّا نسمّيه سمير شمعة، كنّا نسمّيه سمير فزعةٍ". وهي والله ليست طرفة مجلسٍ، بل سيرة رجلٍ. . كان ركنًا من أركان مجموعتنا "جيران النّور"، وكان من ذلك الطّراز النّادر الّذي إذا نودي لبّى قبل أن يكتمل النّداء، وإذا قُصد بحاجةٍ نهض قبل أن يكتمل الطّلب. بعض الرّجال لا يتحدّثون عن المروءة لأنّهم مشغولون بممارستها في صمتٍ، وسميرٌ كان سيّد هذا الصّمت النّبيل. . تعب قلبه -هذا الاتّحاديّ الصّميم- قبل عشر سنواتٍ، وعاش يحمل في صدره منظّمًا للقلب كأنّه يحمل سرًّا ثقيلًا لا يريد أن يُثقل به أحدًا. ثمّ أجرى قبل شهرين عمليّةً لتبديل المنظّم، ففرحنا، وقلنا: كتب الله له راحةً بعد طول عناءٍ. لكنّ الأمور لم تستقم كما تمنّينا؛ تسرّب الماء إلى صدره، فأخذ يدخل المستشفى ويخرج، ونحن نفرح لخروجه ونقلق لعودته، ونبحث في وجهه كلّ زيارةٍ عن بشارةٍ نتمسّك بها. . كانت آخر زيارةٍ لي في أيّام العيد، برفقة جاري النّبيل مروان زواوي. جلسنا معه وصوّرته، ومازحته بممازحة جيلنا، أن سنأخذك ونسافر بك ونزوّجك، لكن قم واجتهد واخرج لنا، وكان يبتسم ابتسامته الهادئة يرحمه الله، وخرجنا نحمل ذلك الرّجاء الهشّ الّذي يشبه زجاجًا رقيقًا: تخاف أن تقبض عليه فينكسر، وتخاف أن تتركه فيسقط. تمتم جاري مروان -بكل توجُّع- ونحن نغادر المستشفى: الرّجل انتهى يا أبا أسامة. . سافرت إلى منطقة الشّعراء في رحلةٍ أخويّةٍ شائقةٍ والشّيخ الجليل د. محمّد السّعيديّ وابنه الشّهم الوسيم عبدالله. وهناك، وأنا بعيدٌ عن جدّة، نزل عليّ الخبر كما تنزل الفأس على جذعٍ حيٍّ: مات سميرٌ. . لم أحزن لأنّ الموت غريبٌ -فنحن أبناء هذه الحقيقة ونعرف ميعادها- لكنّني حزنت لأنّ بعض الرّجال، من فرط لطفهم، يُشيعون حولهم وهمًا جميلًا بأنّهم لن يغيبوا. تألفهم فتنسى أنّهم بشرٌ، وتركن إلى وجودهم فتنسى أنّ الله قد يستردّهم في أيّ لحظةٍ. وسميرٌ كان من هؤلاء الّذين يُغريك حضورهم بأن تنسى أنّ للحضور نهايةً. . وعدت إلى جدّة في رحلةٍ برّيّةٍ أخذت منّي ثماني ساعاتٍ متّصلاتٍ، ولم أدخل بيتي إلّا السّاعة الثّالثة فجرًا، وفاتني الدّفن، بيد أنّني كنت في سرادق العزاء مساء أمسٍ، وجلست حيث جلست، وقرأت ما قرأت. وسأنقل لكم الآن ما كتبه سميرٌ في تلك اللّيلة، وما فعلت بي كلماته وأنا بين المعزّين، لعلّكم تعرفون لماذا دمعت عيني، ولعلّكم تعيشون معي سطوره. . كتب سميرٌ: "عشرٌ عجافٌ، لست أحصي سنينها بالأيّام بل بالمعارك الّتي خضتها في ردهات الصّبر.. عشر سنواتٍ كان فيها قلبي هو الميدان، والسّكّر خصمًا يتربّص، والأوجاع رياحًا عاتيةً حاولت أن تطفئ شمعة الرّوح، لكنّها لم تفعل بفضل الله". . يا الله! عشر سنواتٍ، ونحن لا نرى منه إلّا ابتسامةً وشهامةً ويدًا ممدودةً! عشر سنواتٍ وهو يحمل في صدره منظّمًا ومعركةً ووجعًا، ولا يشتكي، ولا يتأفّف، ولا يطلب من أحدٍ أن يرثي له. لاحظوا أنّه لم يقل: "عشر سنوات مرضٍ". . قال: "عشر سنوات معارك". رفض أن يكون مريضًا يتقلّب بين سريرٍ ودواءٍ، واختار أن يكون فارسًا في ساحة ابتلاءٍ. والأعجب أنّه يقول: "حاولت أن تطفئ شمعة الرّوح". وهنا أدركت أنّ الرّجل كان يعرف ما لا يعرفه كثيرٌ من الأصحّاء: أنّ المرض لا يهاجم الجسد وحده، بل يحاول أن يُطفئ فيك تلك الشّعلة الخفيّة الّتي بها تحبّ النّاس، وتفتح بابك للجار، وتضحك مع أبنائك، وتستقبل الصّباح وكأنّه هديّةٌ. . لكنّه ختمها بجملةٍ هي أشبه بصيحة منتصرٍ جريحٍ: "لكنّها لم تفعل بفضل الله". أي أنّ الرّياح عصفت عشر سنينٍ، والشّمعة لم تُطفأ. ألا يستحقّ هذا الرّجل أن نقف له؟ . ثمّ مضيت أقرأ، وازداد الوجع: "بين وخزة الإبرة وأنين الصّدر كنت أرى الموت يلوح من بعيدٍ، فأبتسم له بوقار المؤمن وأقول: ليس اليوم، فما زال في العمر بقيّةٌ للحبّ وللحبايب. بالأمس كنت أجلس في شرفتي أرقب بحر جدّة العظيم، ذلك البحر الّذي شهد أحلامي وعنفواني، ومع تلاطم أمواجه تلاطم في مخيّلتي شريط الذّكريات..". . هنا توقّف قلبي قبل أن تتوقّف عيناي عن القراءة. رجلٌ يرى الموت يلوح له -بعينيه لا بخياله- ثمّ لا يرتجف ولا يصرخ ولا ينهار، بل يبتسم له "بوقار المؤمن" ويقول له: ليس اليوم! أيّ يقينٍ هذا الّذي يجعل رجلًا يقف أمام الموت كما يقف أمام ضيفٍ جاء قبل موعده، فيقول له بأدبٍ: تمهّل، عندي ناسٌ أحبّهم ولم أشبع من وجوههم بعد؟ . ثمّ انظروا ماذا قال: "فما زال في العمر بقيّةٌ للحبّ وللحبايب". لم يقل: ما زال في العمر بقيّةٌ للمال، ولا للمنصب، ولا للسّفر، ولا لشيءٍ من متاع الدّنيا كلّها. قال: للحبّ وللحبايب. وهذا -يا قرّاء- هو سرّ سميرٍ كلّه. لم يكن يعيش لنفسه، بل كان يعيش للوجوه الّتي حوله، وأيم الله تعالى إنّه أسرعنا لواجبٍ، وأوّلنا في مناسبةٍ، وسابقنا في كلّ اجتماعٍ. . كان الحبّ عنده ليس زينةً يتجمّل بها، بل هو المبرّر الوحيد الّذي يستحقّ أن يُؤجّل لأجله الموت. ثمّ أخذنا من سرير المستشفى إلى شرفته المطلّة على بحر أبحر الّتي لطالما أجلسنا عليها نحن جيرانه، وكأنّه أراد أن يفتح آخر نافذةٍ على حياته كلّها. البحر هنا ليس منظرًا، بل مرآةٌ. مرآةٌ لعمرٍ مضى وذكرياتٍ تكسّرت كما تتكسّر الأمواج: لا تعود إلى شكلها الأوّل أبدًا، لكنّها تترك على الرّمل أثرًا يعرفه من أحبّ. . ثمّ جاءت هذه العبارة الّتي بدت بسيطةً كحكمة جدّةٍ، لكنّها كانت عند سميرٍ بحجم كشفٍ كاملٍ: "في تلك اللّحظة، ومن بين ركام الوجع، استحضرت قول عمّتي -أمّ زوجتي- حين كانت تردّد: العيد عيد العافية، والآن فقط، وأنا في مهبّ الألم، أدركت كم كانت تلك الكلمات مشحونةً بالمعاني والقيمة.. فلا عيد يضاهي أن تفتح عينيك وأنت في تمام العافية". . "العيد عيد العافية". كم سمعناها في المجالس، وكم أومأنا لها برؤوسنا ثمّ مضينا وكأنّها لم تُقَل! لكن حين يقولها رجلٌ يكتب من بين ركام الوجع -لا من فوق أريكةٍ وثيرةٍ- تصير العبارة فجأةً أكبر من كلّ الأعياد، وأصدق من كلّ التّهاني، وأثقل من كلّ الهدايا. ما قيمة الثّياب الجديدة إذا كان الصّدر يئنّ؟ وما قيمة موائد العيد إذا كان صاحبها لا يستطيع أن يرفع الملعقة من ثقل ما يحمل؟ . هنا فهمت أنّ المرض -على قسوته- منح سميرًا شيئًا لا يملكه كثيرٌ من الأصحّاء: البصيرة. بصيرة الرّجل الّذي جرّده الألم من كلّ زخرفٍ، فلم يبقَ أمامه إلّا الجوهر العاري للأشياء. وجوهر العيد -يا ناس- ليس الفرح، بل أن تكون قادرًا على الفرح. وجوهر الحياة ليس أن تعيشها، بل أن تعيشها وأنت تتنفّس بلا ألمٍ. هذا ما قاله لنا سميرٌ ببساطةٍ مُوجِعةٍ، وهذا ما نقضي أعمارنا كلّها في فهمه.. متأخّرين. . ثمّ بلغ النّصّ مبلغًا لم أعد معه أرى الحروف من كثرة الدّمع: "لكنّني اليوم وفي وسط هذه الزّوبعة أدركت اليقين الأكبر؛ أنّنا مهما تجبّرنا في الصّمود نبقى أمام قدر الله أضعف من ريشةٍ في مهبّ ريحٍ. أدركت أنّ البطولة الحقيقيّة ليست في كثرة المحاولات، بل في لحظة انكسارٍ صادقةٍ بين يدي الخالق، في يا ربّ تخرج من أعماق الوهن لتهزّ أبواب السّماء". . أعدت هذه الفقرة ثلاث مرّاتٍ. وفي كلّ مرّةٍ كنت أكتشف فيها طبقةً جديدةً من الصّدق لم أرها في المرّة الّتي قبلها. نحن نمضي في حياتنا نظنّ أنّ البطولة في التّماسك: أن تقف، أن تتحمّل، أن تُخفي الوجع، أن تبتسم وأنت تحترق. هذا ما علّمتنا إيّاه الدّنيا. . لكن سميرًا -بعد عشر سنواتٍ من المعارك، وبعد غرف العناية، والإبر، ووجع الصّدر الّذي لا ينام- خرج بحقيقةٍ تقلب كلّ ما نعرف رأسًا على عقبٍ: البطولة الحقيقيّة ليست دائمًا في أن تقف، بل أحيانًا في أن تسقط. أن تسقط سقوطًا صادقًا على أعتاب الله. أن تقول "يا ربّ" من قاع الوهن، لا من ذروة القوّة. وتلك -صدّقوني- أصعب من كلّ صمودٍ عرفته البشريّة. لأنّ الصّمود يحتاج عضلاتٍ، أمّا الانكسار أمام الله فيحتاج قلبًا طاهرًا تخلّى عن غروره، ونزع عن نفسه كلّ أقنعة البطولة الزّائفة، ووقف أمام خالقه كما وُلد: ضعيفًا، صادقًا، محتاجًا. وأيّ جملةٍ هذه: "يا ربّ تخرج من أعماق الوهن لتهزّ أبواب السّماء"! . هذه ليست كلمةً تُكتب يا سادة، هذه تنهيدة روحٍ عرفت طريقها إلى الله بعد أن ضاقت بها كلّ الطّرق. ثمّ ختم سميرٌ كلماته -ولم أكن أعلم أنّها كلماته الأخيرة- بقوله: "لقد حاربت كبشرٍ لكنّني استسلمت كعبدٍ، فما نحن إلّا مسافرون ومردّنا في النّهاية إلى من بيده ملكوت كلّ شيءٍ.. فنحن الضّعفاء حقًّا وهو القويّ، ونحن الفقراء إليه وهو الغنيّ عنّا. إلهي، لقد جئتك بقلبي المتعب راجيًا أن تجعل هذا الوجع كفّارةً وهذا الضّعف سبيلًا للوصول إليك، فلا منجى ولا ملجأ منك إلّا إليك". . هنا أغلقت الهاتف. لم أعد أقوى على القراءة، ولم أعد أقوى على التّظاهر بالتّماسك. "حاربت كبشرٍ، لكنّني استسلمت كعبدٍ". . اقرؤوها مرّةً أخرى. ثمّ مرّةً ثالثةً. ثمّ أخبروني: هل قرأتم في حياتكم جملةً تختصر رحلة إنسانٍ كاملةً في سبع كلماتٍ؟ أخذ بكلّ الأسباب. تداوى. صبر. قاوم. دخل المستشفى وخرج. وعاد ودخل وخرج. ثمّ جاءت اللّحظة الّتي أدرك فيها أنّ كلّ مقاومةٍ بشريّةٍ لها سقفٌ، وأنّ العبد -مهما بلغ من القوّة- يبقى عبدًا، وأنّ أجمل ما في العبوديّة ليست أنّها ضعفٌ، بل أنّها تفتح لك بابًا لا تفتحه القوّة: باب التّسليم الجليل لله. ثمّ انظروا ماذا طلب: لم يطلب الشّفاء فقط -وكان يستحقّه- بل طلب ما هو أعظم: طلب أن يكون وجعه كفّارةً، وأن يكون ضعفه سبيلًا للوصول. . هذا رجلٌ لم يُرد من الألم أن ينتهي فحسب، بل أراد من الألم أن يكون له معنًى. وهذه -والله- منزلةٌ لا يبلغها إلّا من صفا قلبه، ونضجته النّار، وأخلص لله في السّرّ قبل العلن. . منذ تلك اللّيلة وأنا أعيد قراءة نصّ سميرٍ، وفي كلّ مرّةٍ أكتشف فيه شيئًا لم أره من قبلُ. وقد صرت أعتقد أنّه في ليلة التّاسع والعشرين من رمضان لم يكن يكتب لنا خواطر مريضٍ ينتظر عيدًا، بل كان -من حيث يدري أو لا يدري- يطوي سجّادته الأخيرة، ويلملم أغراض روحه، ويودّع الدّنيا بلسان مؤمنٍ لا يصرخ ولا يشتكي ولا يعاتب القدر، بل يمدّ يده لله ويقول: أنا قادمٌ. . ولهذا بكيت وأنا أكتب لكم هاته المقالة بكاءً أربكني. لم أبكِ لأنّه مات فقط -فكلّنا سنموت- بل بكيت لأنّني اكتشفت متأخّرًا أنّ الرّجل كان يلوّح لنا من داخل النّصّ، ونحن لم نفهم الإشارة إلّا بعد أن أُسدلت السّتارة. . رحم الله أبا أحمد. رحم ذلك القلب الّذي أتعبه المرض ولم ينتزع منه الإيمان. ورحم تلك الرّوح الأنيقة الّتي عاشت بيننا نظيفة اليد، طيّبة الأثر، خفيفةً على نفسها، ثقيلةً في قلوب من عرفها. لقد ترك في حيِّنا الوادع هنا في أبحر الجنوبية فراغًا لا يملؤه جارٌ، وفي القلب كسرًا لا يرمّمه عزاءٌ. مضى إلى الله بقلبٍ متعبٍ ولسانٍ راضٍ، وترك لنا نصًّا يواسي الأحياء وهو على عتبة الموت. وتلك -والله- منزلةٌ لا يهبها الله إلّا لمن نظّف سريرته، ثمّ مضى خفيفًا.. وثقيل الأثر. . وأسألكم -وأسأل نفسي قبلكم، وأنا أعلم أنّ السّؤال سيوجعكم كما أوجعني-: لو أنّ أحدنا جلس في ليلته الأخيرة على هذه الأرض، والألم يطحن صدره، والموت يتنفّس خلف بابه، هل كان يملك أن يمسك قلمًا ويكتب بهذا الصّفاء؟ . هل كان يقدر أن يبتسم للموت "بوقار المؤمن" بدل أن ينهار أمامه؟ هل كان يستطيع أن يقول لربّه بلسانٍ لا يرتجف: "جئتك بقلبي المتعب".. ثمّ يسلّم الرّوح وكأنّه يسلّم أمانةً إلى صاحبها؟ هذا هو الفرق -يا سادة- بين من يعيش وهو مستعدٌّ للقاء الله في كلّ نَفَسٍ، ومن يعيش وكأنّ الموت موعدٌ بعيدٌ لا يخصّه. . رحمك الله يا سمير فزعةٍ.. لقد سبقتنا إلى الوداع، وتركتنا نتعلّم منك -ونحن في كامل عافيتنا- كيف يرحل من أحسنوا الظّنّ بالله، وكيف يُختَم لمن عاشوا حياتهم وقلوبهم مفتوحةٌ لله وللنّاس. . بعض الرّجال لا يرحلون حين يتوقّف نبضهم، بل حين يُنسَى الدّرس الّذي تركوه خلفهم. وسميرٌ ترك درسًا لن يُنسَى: أنّ الموت لا يُهزَم بالعلاج، لكنّه يُهزَم بقلبٍ يلقى الله وهو يبتسم.سبقنا إلى الوداع. . في ليلة التّاسع والعشرين، لم يكن جارنا الغالي سمير شمعة يكتب خواطر عيدٍ.. بل كان يطوي سجّادته الأخيرة ويلوّح لنا من وراء السّطور. . بقلم: عبدالعزيز قاسم إعلاميٌّ وكاتبٌ صحفيٌّ. . في مساء أمسٍ، انتقلت للصّفّ الأوّل في سرادق العزاء، أردت الاختلاء بنفسي، ولم أدرِ بنفسي إلّا وأنا أُخرج جوّالي لأقرأ نصًّا أرسله لنا ابنه أحمد. . كانت كلماتٍ كتبها أبوه ليلة التّاسع والعشرين من رمضان. بدأت أقرأ، ولم أتجاوز السّطر الثّالث حتّى شعرت بشيءٍ ينكسر في داخلي، وإذا بعينين تغرورقان بالدّمع من غير استئذانٍ، كأنّ الكلمات لم تكن حبرًا على شاشةٍ، بل يدًا حانيةً خرجت من القبر لتربّت على صدري وتقول: لا تحزن، لقد وصلت. . كان سفيرنا الأسبق في النّرويج الأستاذ ماجد الحرّازيّ ممّن يتلقّون العزاء، وبمجرّد أن أُذِّن لصلاة العشاء وانفضّ الصّفّ، هرع لي، وهمس: "انتبهت إليك أبا أسامة، ولكأنّك دخلت حالةً شعوريّةً". قلت له وأنا أمسح وجهي: نعم أخي ماجد. كنت أقرأ كلمات سميرٍ. هذا الرّجل لم يكن يكتب خواطر مريضٍ يستقبل العيد. كان يودّعنا. كان يرثي نفسه. وكنّا نحن -بلاهة الأحياء- نظنّه باقيًا. . فمن هو سميرٌ هذا الّذي أبكاني في سرادق عزائه قبل أن تبكيني جنازته؟ هو جارنا الخلوق في حيّ أبحر الجنوبيّة الأستاذ سمير شمعة. وأصحّح هنا الاسم بما قاله صهره الحرّازيّ: "ما كنّا نسمّيه سمير شمعة، كنّا نسمّيه سمير فزعةٍ". وهي والله ليست طرفة مجلسٍ، بل سيرة رجلٍ. . كان ركنًا من أركان مجموعتنا "جيران النّور"، وكان من ذلك الطّراز النّادر الّذي إذا نودي لبّى قبل أن يكتمل النّداء، وإذا قُصد بحاجةٍ نهض قبل أن يكتمل الطّلب. بعض الرّجال لا يتحدّثون عن المروءة لأنّهم مشغولون بممارستها في صمتٍ، وسميرٌ كان سيّد هذا الصّمت النّبيل. . تعب قلبه -هذا الاتّحاديّ الصّميم- قبل عشر سنواتٍ، وعاش يحمل في صدره منظّمًا للقلب كأنّه يحمل سرًّا ثقيلًا لا يريد أن يُثقل به أحدًا. ثمّ أجرى قبل شهرين عمليّةً لتبديل المنظّم، ففرحنا، وقلنا: كتب الله له راحةً بعد طول عناءٍ. لكنّ الأمور لم تستقم كما تمنّينا؛ تسرّب الماء إلى صدره، فأخذ يدخل المستشفى ويخرج، ونحن نفرح لخروجه ونقلق لعودته، ونبحث في وجهه كلّ زيارةٍ عن بشارةٍ نتمسّك بها. . كانت آخر زيارةٍ لي في أيّام العيد، برفقة جاري النّبيل مروان زواوي. جلسنا معه وصوّرته، ومازحته بممازحة جيلنا، أن سنأخذك ونسافر بك ونزوّجك، لكن قم واجتهد واخرج لنا، وكان يبتسم ابتسامته الهادئة يرحمه الله، وخرجنا نحمل ذلك الرّجاء الهشّ الّذي يشبه زجاجًا رقيقًا: تخاف أن تقبض عليه فينكسر، وتخاف أن تتركه فيسقط. تمتم جاري مروان -بكل توجُّع- ونحن نغادر المستشفى: الرّجل انتهى يا أبا أسامة. . سافرت إلى منطقة الشّعراء في رحلةٍ أخويّةٍ شائقةٍ والشّيخ الجليل د. محمّد السّعيديّ وابنه الشّهم الوسيم عبدالله. وهناك، وأنا بعيدٌ عن جدّة، نزل عليّ الخبر كما تنزل الفأس على جذعٍ حيٍّ: مات سميرٌ. . لم أحزن لأنّ الموت غريبٌ -فنحن أبناء هذه الحقيقة ونعرف ميعادها- لكنّني حزنت لأنّ بعض الرّجال، من فرط لطفهم، يُشيعون حولهم وهمًا جميلًا بأنّهم لن يغيبوا. تألفهم فتنسى أنّهم بشرٌ، وتركن إلى وجودهم فتنسى أنّ الله قد يستردّهم في أيّ لحظةٍ. وسميرٌ كان من هؤلاء الّذين يُغريك حضورهم بأن تنسى أنّ للحضور نهايةً. . وعدت إلى جدّة في رحلةٍ برّيّةٍ أخذت منّي ثماني ساعاتٍ متّصلاتٍ، ولم أدخل بيتي إلّا السّاعة الثّالثة فجرًا، وفاتني الدّفن، بيد أنّني كنت في سرادق العزاء مساء أمسٍ، وجلست حيث جلست، وقرأت ما قرأت. وسأنقل لكم الآن ما كتبه سميرٌ في تلك اللّيلة، وما فعلت بي كلماته وأنا بين المعزّين، لعلّكم تعرفون لماذا دمعت عيني، ولعلّكم تعيشون معي سطوره. . كتب سميرٌ: "عشرٌ عجافٌ، لست أحصي سنينها بالأيّام بل بالمعارك الّتي خضتها في ردهات الصّبر.. عشر سنواتٍ كان فيها قلبي هو الميدان، والسّكّر خصمًا يتربّص، والأوجاع رياحًا عاتيةً حاولت أن تطفئ شمعة الرّوح، لكنّها لم تفعل بفضل الله". . يا الله! عشر سنواتٍ، ونحن لا نرى منه إلّا ابتسامةً وشهامةً ويدًا ممدودةً! عشر سنواتٍ وهو يحمل في صدره منظّمًا ومعركةً ووجعًا، ولا يشتكي، ولا يتأفّف، ولا يطلب من أحدٍ أن يرثي له. لاحظوا أنّه لم يقل: "عشر سنوات مرضٍ". . قال: "عشر سنوات معارك". رفض أن يكون مريضًا يتقلّب بين سريرٍ ودواءٍ، واختار أن يكون فارسًا في ساحة ابتلاءٍ. والأعجب أنّه يقول: "حاولت أن تطفئ شمعة الرّوح". وهنا أدركت أنّ الرّجل كان يعرف ما لا يعرفه كثيرٌ من الأصحّاء: أنّ المرض لا يهاجم الجسد وحده، بل يحاول أن يُطفئ فيك تلك الشّعلة الخفيّة الّتي بها تحبّ النّاس، وتفتح بابك للجار، وتضحك مع أبنائك، وتستقبل الصّباح وكأنّه هديّةٌ. . لكنّه ختمها بجملةٍ هي أشبه بصيحة منتصرٍ جريحٍ: "لكنّها لم تفعل بفضل الله". أي أنّ الرّياح عصفت عشر سنينٍ، والشّمعة لم تُطفأ. ألا يستحقّ هذا الرّجل أن نقف له؟ . ثمّ مضيت أقرأ، وازداد الوجع: "بين وخزة الإبرة وأنين الصّدر كنت أرى الموت يلوح من بعيدٍ، فأبتسم له بوقار المؤمن وأقول: ليس اليوم، فما زال في العمر بقيّةٌ للحبّ وللحبايب. بالأمس كنت أجلس في شرفتي أرقب بحر جدّة العظيم، ذلك البحر الّذي شهد أحلامي وعنفواني، ومع تلاطم أمواجه تلاطم في مخيّلتي شريط الذّكريات..". . هنا توقّف قلبي قبل أن تتوقّف عيناي عن القراءة. رجلٌ يرى الموت يلوح له -بعينيه لا بخياله- ثمّ لا يرتجف ولا يصرخ ولا ينهار، بل يبتسم له "بوقار المؤمن" ويقول له: ليس اليوم! أيّ يقينٍ هذا الّذي يجعل رجلًا يقف أمام الموت كما يقف أمام ضيفٍ جاء قبل موعده، فيقول له بأدبٍ: تمهّل، عندي ناسٌ أحبّهم ولم أشبع من وجوههم بعد؟ . ثمّ انظروا ماذا قال: "فما زال في العمر بقيّةٌ للحبّ وللحبايب". لم يقل: ما زال في العمر بقيّةٌ للمال، ولا للمنصب، ولا للسّفر، ولا لشيءٍ من متاع الدّنيا كلّها. قال: للحبّ وللحبايب. وهذا -يا قرّاء- هو سرّ سميرٍ كلّه. لم يكن يعيش لنفسه، بل كان يعيش للوجوه الّتي حوله، وأيم الله تعالى إنّه أسرعنا لواجبٍ، وأوّلنا في مناسبةٍ، وسابقنا في كلّ اجتماعٍ. . كان الحبّ عنده ليس زينةً يتجمّل بها، بل هو المبرّر الوحيد الّذي يستحقّ أن يُؤجّل لأجله الموت. ثمّ أخذنا من سرير المستشفى إلى شرفته المطلّة على بحر أبحر الّتي لطالما أجلسنا عليها نحن جيرانه، وكأنّه أراد أن يفتح آخر نافذةٍ على حياته كلّها. البحر هنا ليس منظرًا، بل مرآةٌ. مرآةٌ لعمرٍ مضى وذكرياتٍ تكسّرت كما تتكسّر الأمواج: لا تعود إلى شكلها الأوّل أبدًا، لكنّها تترك على الرّمل أثرًا يعرفه من أحبّ. . ثمّ جاءت هذه العبارة الّتي بدت بسيطةً كحكمة جدّةٍ، لكنّها كانت عند سميرٍ بحجم كشفٍ كاملٍ: "في تلك اللّحظة، ومن بين ركام الوجع، استحضرت قول عمّتي -أمّ زوجتي- حين كانت تردّد: العيد عيد العافية، والآن فقط، وأنا في مهبّ الألم، أدركت كم كانت تلك الكلمات مشحونةً بالمعاني والقيمة.. فلا عيد يضاهي أن تفتح عينيك وأنت في تمام العافية". . "العيد عيد العافية". كم سمعناها في المجالس، وكم أومأنا لها برؤوسنا ثمّ مضينا وكأنّها لم تُقَل! لكن حين يقولها رجلٌ يكتب من بين ركام الوجع -لا من فوق أريكةٍ وثيرةٍ- تصير العبارة فجأةً أكبر من كلّ الأعياد، وأصدق من كلّ التّهاني، وأثقل من كلّ الهدايا. ما قيمة الثّياب الجديدة إذا كان الصّدر يئنّ؟ وما قيمة موائد العيد إذا كان صاحبها لا يستطيع أن يرفع الملعقة من ثقل ما يحمل؟ . هنا فهمت أنّ المرض -على قسوته- منح سميرًا شيئًا لا يملكه كثيرٌ من الأصحّاء: البصيرة. بصيرة الرّجل الّذي جرّده الألم من كلّ زخرفٍ، فلم يبقَ أمامه إلّا الجوهر العاري للأشياء. وجوهر العيد -يا ناس- ليس الفرح، بل أن تكون قادرًا على الفرح. وجوهر الحياة ليس أن تعيشها، بل أن تعيشها وأنت تتنفّس بلا ألمٍ. هذا ما قاله لنا سميرٌ ببساطةٍ مُوجِعةٍ، وهذا ما نقضي أعمارنا كلّها في فهمه.. متأخّرين. . ثمّ بلغ النّصّ مبلغًا لم أعد معه أرى الحروف من كثرة الدّمع: "لكنّني اليوم وفي وسط هذه الزّوبعة أدركت اليقين الأكبر؛ أنّنا مهما تجبّرنا في الصّمود نبقى أمام قدر الله أضعف من ريشةٍ في مهبّ ريحٍ. أدركت أنّ البطولة الحقيقيّة ليست في كثرة المحاولات، بل في لحظة انكسارٍ صادقةٍ بين يدي الخالق، في يا ربّ تخرج من أعماق الوهن لتهزّ أبواب السّماء". . أعدت هذه الفقرة ثلاث مرّاتٍ. وفي كلّ مرّةٍ كنت أكتشف فيها طبقةً جديدةً من الصّدق لم أرها في المرّة الّتي قبلها. نحن نمضي في حياتنا نظنّ أنّ البطولة في التّماسك: أن تقف، أن تتحمّل، أن تُخفي الوجع، أن تبتسم وأنت تحترق. هذا ما علّمتنا إيّاه الدّنيا. . لكن سميرًا -بعد عشر سنواتٍ من المعارك، وبعد غرف العناية، والإبر، ووجع الصّدر الّذي لا ينام- خرج بحقيقةٍ تقلب كلّ ما نعرف رأسًا على عقبٍ: البطولة الحقيقيّة ليست دائمًا في أن تقف، بل أحيانًا في أن تسقط. أن تسقط سقوطًا صادقًا على أعتاب الله. أن تقول "يا ربّ" من قاع الوهن، لا من ذروة القوّة. وتلك -صدّقوني- أصعب من كلّ صمودٍ عرفته البشريّة. لأنّ الصّمود يحتاج عضلاتٍ، أمّا الانكسار أمام الله فيحتاج قلبًا طاهرًا تخلّى عن غروره، ونزع عن نفسه كلّ أقنعة البطولة الزّائفة، ووقف أمام خالقه كما وُلد: ضعيفًا، صادقًا، محتاجًا. وأيّ جملةٍ هذه: "يا ربّ تخرج من أعماق الوهن لتهزّ أبواب السّماء"! . هذه ليست كلمةً تُكتب يا سادة، هذه تنهيدة روحٍ عرفت طريقها إلى الله بعد أن ضاقت بها كلّ الطّرق. ثمّ ختم سميرٌ كلماته -ولم أكن أعلم أنّها كلماته الأخيرة- بقوله: "لقد حاربت كبشرٍ لكنّني استسلمت كعبدٍ، فما نحن إلّا مسافرون ومردّنا في النّهاية إلى من بيده ملكوت كلّ شيءٍ.. فنحن الضّعفاء حقًّا وهو القويّ، ونحن الفقراء إليه وهو الغنيّ عنّا. إلهي، لقد جئتك بقلبي المتعب راجيًا أن تجعل هذا الوجع كفّارةً وهذا الضّعف سبيلًا للوصول إليك، فلا منجى ولا ملجأ منك إلّا إليك". . هنا أغلقت الهاتف. لم أعد أقوى على القراءة، ولم أعد أقوى على التّظاهر بالتّماسك. "حاربت كبشرٍ، لكنّني استسلمت كعبدٍ". . اقرؤوها مرّةً أخرى. ثمّ مرّةً ثالثةً. ثمّ أخبروني: هل قرأتم في حياتكم جملةً تختصر رحلة إنسانٍ كاملةً في سبع كلماتٍ؟ أخذ بكلّ الأسباب. تداوى. صبر. قاوم. دخل المستشفى وخرج. وعاد ودخل وخرج. ثمّ جاءت اللّحظة الّتي أدرك فيها أنّ كلّ مقاومةٍ بشريّةٍ لها سقفٌ، وأنّ العبد -مهما بلغ من القوّة- يبقى عبدًا، وأنّ أجمل ما في العبوديّة ليست أنّها ضعفٌ، بل أنّها تفتح لك بابًا لا تفتحه القوّة: باب التّسليم الجليل لله. ثمّ انظروا ماذا طلب: لم يطلب الشّفاء فقط -وكان يستحقّه- بل طلب ما هو أعظم: طلب أن يكون وجعه كفّارةً، وأن يكون ضعفه سبيلًا للوصول. . هذا رجلٌ لم يُرد من الألم أن ينتهي فحسب، بل أراد من الألم أن يكون له معنًى. وهذه -والله- منزلةٌ لا يبلغها إلّا من صفا قلبه، ونضجته النّار، وأخلص لله في السّرّ قبل العلن. . منذ تلك اللّيلة وأنا أعيد قراءة نصّ سميرٍ، وفي كلّ مرّةٍ أكتشف فيه شيئًا لم أره من قبلُ. وقد صرت أعتقد أنّه في ليلة التّاسع والعشرين من رمضان لم يكن يكتب لنا خواطر مريضٍ ينتظر عيدًا، بل كان -من حيث يدري أو لا يدري- يطوي سجّادته الأخيرة، ويلملم أغراض روحه، ويودّع الدّنيا بلسان مؤمنٍ لا يصرخ ولا يشتكي ولا يعاتب القدر، بل يمدّ يده لله ويقول: أنا قادمٌ. . ولهذا بكيت وأنا أكتب لكم هاته المقالة بكاءً أربكني. لم أبكِ لأنّه مات فقط -فكلّنا سنموت- بل بكيت لأنّني اكتشفت متأخّرًا أنّ الرّجل كان يلوّح لنا من داخل النّصّ، ونحن لم نفهم الإشارة إلّا بعد أن أُسدلت السّتارة. . رحم الله أبا أحمد. رحم ذلك القلب الّذي أتعبه المرض ولم ينتزع منه الإيمان. ورحم تلك الرّوح الأنيقة الّتي عاشت بيننا نظيفة اليد، طيّبة الأثر، خفيفةً على نفسها، ثقيلةً في قلوب من عرفها. لقد ترك في حيِّنا الوادع هنا في أبحر الجنوبية فراغًا لا يملؤه جارٌ، وفي القلب كسرًا لا يرمّمه عزاءٌ. مضى إلى الله بقلبٍ متعبٍ ولسانٍ راضٍ، وترك لنا نصًّا يواسي الأحياء وهو على عتبة الموت. وتلك -والله- منزلةٌ لا يهبها الله إلّا لمن نظّف سريرته، ثمّ مضى خفيفًا.. وثقيل الأثر. . وأسألكم -وأسأل نفسي قبلكم، وأنا أعلم أنّ السّؤال سيوجعكم كما أوجعني-: لو أنّ أحدنا جلس في ليلته الأخيرة على هذه الأرض، والألم يطحن صدره، والموت يتنفّس خلف بابه، هل كان يملك أن يمسك قلمًا ويكتب بهذا الصّفاء؟ . هل كان يقدر أن يبتسم للموت "بوقار المؤمن" بدل أن ينهار أمامه؟ هل كان يستطيع أن يقول لربّه بلسانٍ لا يرتجف: "جئتك بقلبي المتعب".. ثمّ يسلّم الرّوح وكأنّه يسلّم أمانةً إلى صاحبها؟ هذا هو الفرق -يا سادة- بين من يعيش وهو مستعدٌّ للقاء الله في كلّ نَفَسٍ، ومن يعيش وكأنّ الموت موعدٌ بعيدٌ لا يخصّه. . رحمك الله يا سمير فزعةٍ.. لقد سبقتنا إلى الوداع، وتركتنا نتعلّم منك -ونحن في كامل عافيتنا- كيف يرحل من أحسنوا الظّنّ بالله، وكيف يُختَم لمن عاشوا حياتهم وقلوبهم مفتوحةٌ لله وللنّاس. . بعض الرّجال لا يرحلون حين يتوقّف نبضهم، بل حين يُنسَى الدّرس الّذي تركوه خلفهم. وسميرٌ ترك درسًا لن يُنسَى: أنّ الموت لا يُهزَم بالعلاج، لكنّه يُهزَم بقلبٍ يلقى الله وهو يبتسم.
عبدالعزيز قاسم tweet mediaعبدالعزيز قاسم tweet mediaعبدالعزيز قاسم tweet media
العربية
22
7
38
25.4K