حشداوي قح🇮🇶
558 posts








أحمد عبد السادة: صوتٌ حرّ في زمن التلوّن في زمنٍ كثر فيه المادحون، وتوارى أصحاب الرأي، وازدحمت الساحة بوجوهٍ بلا ملامح تتلوّن بحسب المزاج العام وتتماهى مع أصحاب السلطة والنفوذ، يخرج صوتٌ مختلف، ثابتٌ على مواقفه، لا يعرف المساومة على قناعاته، ولا يُتقن فنّ التملّق أو الرقص في بلاط المنتصر. في هذا الزمن، يبدو أحمد عبد السادة استثناءً لافتًا، وواحدًا من القلائل الذين اختاروا أن يدفعوا ضريبة الكلمة المستقلة وهم واقفون لا راكعون. في المشهد العراقي المكتظ بالصراعات السياسية والتجاذبات الأيديولوجية، تتوارى الأصوات المستقلة غالبًا أمام ضجيج القطيع، لكن أحمد عبد السادة، الكاتب العراقي الحرّ، ظل متمسّكًا بخطه الخاص، غير آبهٍ بالإغراءات ولا مرعوب من العواقب. يكتب كما يرى، لا كما يُطلب منه. يخطّ كلماته بمداد القلق الوطني، ويضع نفسه حيث يُملي عليه ضميره، لا حيث تتجه الريح. ليس رجلًا مهادنًا ولا مدّاحًا ولا مروّجًا لمظلّة جاهزة. هو كاتب حر، مستقل، يكتب بقناعاته لا بأوامر أحد. لم يجرِ خلف لقب أو منفعة، ولم يتحوّل يومًا إلى واجهة ناعمة لمشروعٍ خفي. وربما لهذا السبب، كان هدفًا سهلًا لحملات التشويه والتأليب، لأنه لم يضع نفسه في حماية أحد، بل في مرمى كلّ من لا يحتمل النقد أو الصوت المختلف. نعم، أحمد عبد السادة ليس معصومًا، وقد يخطئ، كما نخطئ جميعًا . لكنه – في كلّ ذلك – يبقى نقيّ القلب، صادق النية، مستعدًّا للاعتذار إذا تبين له خطأ ما. وفي مثال نادر في بيئة إعلامية عربية قلّ فيها الاعتراف بالخطأ، رفع منشورًا سبق أن نشره، رغم أن كثيرين رأوا فيه فعلًا لا يستحق الاعتذار أصلاً. المفارقة أن من يرفع صوته بحرية ووضوح، يُحاسَب على كلّ فاصلة يكتبها، بينما تتوارى الجرائم الفكرية والتافهون وراء شعارات تقديس الرموز. لكن الحقيقة أن حرية التعبير لا تُجزّأ، ولا تُصادَر بذريعة “الإساءة”، وإلا تحوّلت من حق إلى أداة لقمع المختلفين. ما تعرّض له أحمد عبد السادة مؤخرًا، لم يكن نقدًا، بل تنمّرًا ممنهجًا، وهجمةً استهدفت كرامته الشخصية، لا موقفه الفكري. النقد حق، لكن أن يتحوّل إلى تصفية حسابات، واستخدام اللحظة الصعبة لإغراق الكاتب في مستنقع التشويه، فهذه انتهازية خبيثة لا تمتّ للجدال الثقافي أو النقاش السياسي بصلة. بل إن من يفعلون ذلك، هم في جوهرهم خصوم للكلمة، حتى لو تنطّعوا بالدفاع عن “الرموز”، فالدفاع عن المقدسات المصطنعة لا يكون بانتهاك آداب الخصومة. لا أحد يطلب من القارئ أن يتفق مع كلّ ما يقوله أحمد عبد السادة. بل ليس مطلوبًا أن نحبّه (وأنا أحبه )أو نتبنى مقالاته. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنه كاتب صاحب حضور، وأن لغته قوية، ونصّه مؤثر، وصراحته نادرة. في زمن تُدار فيه الآراء بمنطق السوق والاصطفافات، يكتب هو من موقعه كإنسان حر، حتى لو خالف المزاج العام أو أخطأ في التعبير. لقد صار في زمننا من السهل أن تُصبح محبوبًا إذا كنت مداهنًا، ومأجورًا إذا كنت صريحًا. ومن يكتب بما يعتقد، عليه أن يتحمّل سياط المزايدات، فيما تُفتح المنابر لكلّ متلوّن. لكن أحمد عبد السادة، رغم كلّ شيء، ظلّ كما هو: واضحًا، غير منافق، لا يساوم على رأيه، ولا يطلب صكّ غفران من أحد. وفي زمن البلاهة والاستحمار الإعلامي، حين تُمنح الجوائز لمن يصفّق، وتُغلق الأبواب في وجه من يسأل، يكون الوقوف إلى جانب حرية التعبير ضرورة أخلاقية. لا لأن صاحبها كامل، بل لأن غيابها معناه تحوّل الجميع إلى عبيد للسلطة والرأي الواحد. أحمد عبد السادة يستحق الدفاع، ليس لأنه لم يخطئ، وحسب بل لأنه لم يخن قلمه. كتب من قلبه، لا من دفتر الأوامر. لم يكن يومًا في صفّ الدسيسة، بل في صفّ الكلمة، مهما كلفه ذلك من ضريبة. @ahmadabdulsada














