الشخص الأول "متلقٍ" يُركز على مخرجاتك تجاهه إذا قلّ اهتمامك أو تغيّر أسلوبك، يُفسَّر ذلك فوراً بأنه تقصير في حقه، لأن مرجعيته "كيف كان يُعامَل وكيف الآن" فيُرى الأثر ولا يُرى السبب
أما الطرف الثاني "فبصيرته فيك" ترى في صمتك انكساراً لا جفاءً، وتدرك أنك لم تتغير عليه بل تغيّر عليك الزمن فأنهكك، فيُحتوى نداءُ استغاثتك بدل أن يُلام على باهتِ حضورك
كان الخذلانُ الذي نالني هذه المرة لا يشبهُ ما عرفتهُ من قَبل؛ لم يكن خدشاً في ثقةٍ أو تبدداً لوعودٍ زائلة، بل كان زلزالاً أصابَ أركانَ الأمانِ في روحي. حين تكتشفين أنَّ السندَ الذي اتكأتِ عليه، والذي ظننتِه صخرةً لا تهتز، قد أضحى هباءً منثوراً أمام ناظريكِ، كأن العالمَ كله يتوقفُ عن الدوران. شعرتُ حينها بغصّةٍ خانقةٍ لا تُبكي، بل تتكوّمُ في الحلقِ كحجرٍ ثقيل، شعورٌ باللاجدوى يتسللُ إلى مساماتِ جلدي، كأنَّ كلَّ ما كنتُ أقدّسهُ قد انهارَ دفعةً واحدة، تاركاً يديّ في عراءٍ موحشٍ لا أجدُ فيه من أستندُ إليه، ومن وطأةِ هذا الشعورِ الذي أثقلَ قلبي، لجأتُ إلى الطريق، ليس لأنني أبحثُ عن وجهة، بل لأنني أبحثُ عن مخرجٍ من سجنِ أفكاري.
جلستُ خلف المقود، وفي لحظةِ غيابٍ عن الوعي وجدتُني أنطلقُ بسرعةٍ جنونية، وكأنَّ الوعيَ تنازلَ عن مقعدِ القيادة، وسلّمَ زمامَ الأمرِ لجرحٍ لم يعد يحتملُ لعنةَ الوعي، فقادَ بتهوّرٍ لم يترك للخوفِ مكاناً؛ ومع تصاعدِ العدادِ إلى أقصى حدوده، بدأت لحظةُ الانفصال. لقد كانت لحظةً ذُبتُ فيها في العدم، حيث لم أعد أميّزُ حدودَ جسدي من حدودِ الفراغ؛ إذ توقفتْ حواسي عن إدراكِ جسدي ككائنٍ بشري، وتلاشت أطرافي حتى لم أعد أشعرُ بوجودِ قدميّ، وكأنّي صرتُ جزءاً لا يتجزأ من معدنِ السيارةِ البارد.
في تلك السرعة، غامرتُ بروحي، ووضعتُ حياتي على المحكّ في لعبةٍ مع الموت؛ شعرتُ بالأدرينالين يتدفقُ في عروقي كالسمّ المُسكر، يرفعُ نبضاتِ قلبي إلى حافةِ الانفجار. كنتُ أسرعُ لدرجةِ أنَّ الموتَ بدا كأنّه يرافقني في المقعدِ المجاور، وكلما زادت المخاطرة، زادت نشوتي بهذا الهروبِ العنيف. ورغم هذا الصخبِ الداخلي، ظلَّ هناك خواءٌ مهيب، فراغٌ أبيضُ يبتلعُ كلَّ معاني الخوف؛ كان الهواءُ يصفعُ زجاجَ السيارة، لكنه لم يكن يلمسُ روحي، فقد كانت في مكانٍ آخر.. كانت على الحافة. كان قلبي في تلك اللحظة 'ميتاً حياً'، غارقاً في برودٍ مطلق، مُحاطاً بصمتٍ أبديٍّ لا يخترقهُ ضجيجٌ ولا توقظهُ ريح. كنتُ أعيشُ لحظةَ التحرر من كوني إنساناً يشعرُ بالألم، مكتفيةً بهذا التوترِ القاتل الذي يملأُ الفراغَ الذي تركهُ خذلانهُ في نفسي.
وحين انتهت العاصفة، وتلاشت السرعة، وعدتُ إلى أرضِ الواقع؛ وجدتُه واقفاً يغلفهُ جهلٌ مطبق، غارقاً في بلاهةِ من لا يعلمُ أنَّ شيئاً قد انكسر. نظرَ إليّ ببرودٍ يثيرُ الغثيان، وسأل بصوتٍ لا روح فيه: 'فيكِ شيء؟' كان سؤالاً أعمى، ينمُّ عن سطحيةٍ تجعلُ الفجوةَ بيني وبينه تبدو أبدية. لم يدرك أنني كنتُ في تلك الرحلةِ أدفنُ أجزائي التي كسرها فيّ، وأنَّ صمتي لم يكن انتظاراً لاهتمامه، بل كان إعلاناً لرحيلِ وجوده من دائرةِ تأثيري. لم أجب، فقد كان الصمتُ في تلك اللحظة أرقى أنواع الترفع؛ تركتُه غارقاً في ضحالةِ إدراكه، ومضيتُ ألملمُ حطامي بلحظةِ إدراكٍ لا رجعة فيها، ومضيتُ في طريقي الذي لا يعلمُ عنه شيئاً، موقنةً أنَّ مَن لم يشعرْ بحجمِ الزلزالِ في جوفي وأنا صامتة، لن يرى شيئاً حتى لو أحرقتُ العالمَ أمام عينيه.