محمود غازي retweetledi

حكاية صدمتين: السابع من أكتوبر وهرمز
هجمات هجمات 7 أكتوبر 2023 مثّلت اختراقًا مفاجئًا لمنظومة الردع وبنية الإنذار المبكر التي ظنّ الإسرائيليون أنها محصّنة. أدّت هذه الصدمة إلى انهيار فرضية ( الاستقرار الدائم ) في غلاف غزة، وأظهرت بما لا يدع مجالًا للشك أن الكلفة الحدّية لهجوم غير متماثل، بطائرات بدائية وصواريخ محلية الصنع، قد تتجاوز استثمارات دفاعية ضخمة تُقدَّر بمئات المليارات. كما أسهمت في تقويض أسطورة (الجيش الذي لا يُقهر) ودفعَت إسرائيل إلى عمليات عسكرية واسعة في غزة وامتداداتها في لبنان، في محاولة لاستعادة الردع وهيبة “الذراع الطويلة”، في ظل احتكاك متصاعد مع إيران بوصفها داعمًا إقليميًا لحماس. ومع ذلك، لم يستعد الجيش الإسرائيلي ولا الحكومة كامل الثقة أو الهيبة.
الصدمة الأخرى، ذات الطابع العالمي هذه المرة، تتمثل في مضيق هرمز. فهو نقطة اختناق عالمية؛ تهديد مركّز قادر على تضخيم الأثر عبر سلاسل الإمداد، والتأمين البحري، وأسعار الطاقة. هنا لا تُقاس القوة بحجم الأساطيل بقدر ما تُقاس بالقدرة على رفع عدم اليقين وخفض كفاءة النظام العالمي؛ إذ لم يعد واضحًا للشركات والعالم متى يكون المضيق مفتوحًا أو مهددًا. حتى إن السخرية الشعبية تناولت "ساعات عمل" المضيق، في إشارة إلى دخول الحدث في وعي العامة.
في الحالتين، لا يمكن فصل الصدمتين عن سياق السياسات السابقة لهما. فسياسات إسرائيل في غزة، بما في ذلك خنق الاقتصاد وتقليص فرص العمل والتصاريح، أسهمت في خلق بيئة انسداد دفعت الفاعلين إلى خيارات قصوى. إذن القصة ليست السنوار والأيدولوجيا بل هي غباء سياسات المحتل . وبالمثل، أدّت الضغوط والعقوبات الاقتصادية التي مارستها الولايات المتحدة على إيران إلى تضييق هوامشها، بما يعزّز سلوكيات الردع غير المباشر والبحث عن أدوات ضغط بديلة. القط عندما تحاصره بيخربش .
في هذا المنظور، تبدو الصدمتان نتاج تفاعل بين سياسات ضاغطة وردود فعل عليها، لا مجرد تعبيرات عن أيديولوجية يحيى السنوار أو أيديولوجية "الولي الفقيه" ، وغالبًا ما يكون التفسير الأيديولوجي للأحداث الكبرى قاصرًا.
استراتيجيًا، تؤكد الصدمتان هشاشة الردع وإعادة توزيع المخاطر: أعادت الأولى تعريف حدود الردع لإسرائيل في ساحة قريبة، وكشفت الثانية أن الاعتماد العالمي المتبادل هشّ وقابل للاستغلال حتى من أطراف أقل قدرة. لم تعد الولايات المتحدة تدير انسياب المرور بقدر ما تحاول إدارة احتمالات تعطّله.
وكما أنهت الأولى وهم “الجيش الذي لا يُقهر”، كشف هرمز أن أمن الطاقة، ومعه الاقتصاد العالمي، شديد الهشاشة، ولا تحميه الأساطيل ولا الصواريخ وحدها. هذا ليس اصطفافًا، بل قراءة تحليلية لزاوية قد تبدو كنقطة عمياء، كتلك التي في مرآة السيارة الجانبية؛ حدثان كبيران ستُشكّل آثارهما العالم لسنوات.
العربية














