Sabitlenmiş Tweet

ولدت في زمن الاجتياح الثاني وامضيت طفولة سريعة تحت الاحتلال.
عشت لأرى كيف تحولت المقاومة, التي ولدت كنتيجة حتمية للاحتلال, الى قوة اقليمية تستطيع فرض معادلات وتغيير مآلات المنطقة.
من عاش سنوات الثمانينات والتسعينيات, يعرف ان كل ما يحدث في الجنوب اليوم هو القاعدة. الاستثناء كان بين 2000 و2006 وبين 2006 حتى نهاية 2023.
زمان كان يكفي ان يسقط حجر قرب اي محتل في شمال فلسطين لتقصف طائرات الاحتلال معامل الكهرباء في كل لبنان. كان يكفي ان يكون هناك صراع سياسي اسرائيلي داخلي ليشن العدو علينا حروبا تقتل فيها المئات من ابناء شعبنا.
كانت حانين خربة بسبب جيرانها من صهاينة العدو والصهاينة اللبنانيين. كانت الناقورة "كم بيت" بسبب الاحتلال وعملائه. كانت الخيام, جارة الدردارة والسهل وفلسطين, مرتبطة بالمعتقل الرهيب وصراخ المقاومين والمقاومات.
كانت اسماء مثل البياضة والنبطية الفوقا وبيت ياحون مرادفة للعذاب والذل, كانت تلك معابرنا مع الارض المحتلة من 1978 حتى 2000.
كانت سماء لبنان ملعبا لطائرات الاحتلال, امطرونا بالموت الذكي والغبي والمقصود والخطأ مرارا.
كبرت امام خيارين: "الواقعية" التي تعني التسليم بأن "اسرائيل" رب الحديد واللهب قدر لا فرار منه, او "الحلم" بالعودة الى فلسطين وتحرير الارض من بحر لبحر.
كان ابي يسجل لنا يوميات انتفاضة الحجارة ويحكي لنا عما تفعله اسرائيل باطفال فلسطين. ويوم جر المحتلون صبية من شعرها الطويل, خفت على شعري وتوجعت من فكرة ان يفعلوا ذلك بي وبصديقاتي. كنت اخاف على شعورهن الطويلة وضفائرهن الجميلة. وكنت اخاف ان اكبر فيما الاسرائيلي قريب.
مات ابي وانا في التاسعة, كنت اشعر ان كره اسرائيل ارثه الشخصي لي. لم يزل هذا الكره يقويني ويشعرني ان بابا ما زال معي.
بكيت يوم وقع ياسر عرفات اوسلو, كانت تلك لحظة حاسمة في تشكيل وعيي الطفلة التي كنتها الى الابد. بعد ايام, عرفنا من الشاشات ان رجالا ونساء في بيروت قد قتلوا لمعارضتهم ذلك الاتفاق الرهيب.
بعد فترة وجيزة, كانت حرب 1993. كان القصف قريبا, والناس تدفقوا من القرى الى صور. تلك كان اول صور النزوح الواضحة في رأسي. كانت الجدران في تلك الايام مزدحمة بصور الشهداء وشعارات صغيرة بُخت بالدهان الاسود على عجل " الموت لأمريكا, الموت لاسرائيل"...
بعد ذلك, فيما كان هناك موهومون "بالسلام" يعودون الى اقل من 22% من ارض فلسطين التاريخية, وكان هناك من يحتفل بمطار في غزة وبكازينو في اريحا, كانت اسماء مواقع الاحتلال في الجنوب خبزا يوميا على موائدنا: عرمتى, بلاط, سجد, تومات نيحا, البياضة, وغيرها كثير كثير من المواقع التي كان شباب المقاومة يتجرأون على النيل من المحتلين فيها مرة بعد مرة..
عام 1996 في بدايات مراهقتي, بدأت حرب "عناقيد الغضب" حين كنا في زيارة لبيروت. علقنا بعيدا عن البيت, ولما عدنا بعد اتفاق نيسان وصلنا فورا الى قانا. كانت لحوم ابناء شعبي معلقة على الشجر. ورائحة حريق الدم البشري تملأ الهواء.
تلك الرائحة ستظل تعود من ذاكرتي وسأظل اشعر برماد الحريق الرهيب في مركز القوة الفيجية في الامم المتحدة في تلك القرية الجنوبية كلما لمحت كلمة اسرائيل او سمعتها.
Fast forward
الثلاثاء. 23- 4- 2024 نزل حوالي ربع مليون اسرائيلي الى الملاجئ بسبب مسيرات للمقاومة ذهبت ببعض شوقنا الى ساحل شمال البلاد.
منذ 1982 كان الطريق طويلا, عبده الدم والغبار والنار بالاصرار. كان طويلا وعلى جانبيه يسيل دم كثيف وتعلو صور الشهداء ورايات احزابهم من كل لون ومذهب ايدلوجي وديني. وهو سيطول بعد حتى تحرير فلسطين كاملة.
صار لدينا صواريخ مذهلة, تلف وتصور وتصيب! وفي غزة صنعوا صواريخ تصل الى الخضيرة وتل ابيب. صار لدى مقاومتنا الساحرة مسيرات انقضاضية واشغالية. صار لدى اهل مخيمات جنين ونابلس وطولكرم عبوات تطيح بنمور اسرائيل. ولم يزل في اكمام السحرة خدع جميلة بعد..
لقد كان هذا الطريق طويلا, وسيطول بعد. سيمشيه ويركض عليه كل الحالمين والمجانين الذين يستيقظون كل يوم مع قرار بسيط وواضح وبديهي: سنغير التاريخ. وسيسقط على جانبي هذا الطريق كل المترددين والمرجفين وضعاف النفوس.
ونعم: سيبقى كره اسرائيل هويتي وارثي الشخصي وثروتي الاكيدة.
هذه طريق باتجاه واحد. يسلكها فقط الذين عبروا اصلا الى الحرية...
العربية
























