متى احس نفسي شخص ناضج ← سأل (أندريه مالرو) ذات مرة كاهن يتلقى اعترافات الرعية منذ خمسين سنة ما الذي تعلّمه عن البشرية، فأجابه الكاهن: «أولًا وقبل كل شيء، فإن الناس تعساء أكثر بكثير مما يعتقده المرء.. والحقيقة الأساسية هي أنه لا يوجد شيء اسمه شخ... onvo.me/thread/1367987…
جناية الوالدين على أبنائهم في طفولتهم ومراهقتهم شنيعة، منحطة، مدمرة.. لأن أثرها يبقى في الظل كالشبح، شفافًا كالغاز، بلا لونٍ ولا رائحة، يتسلّل إلى أعماق النفس ويستوطنها.. فيظلّ الابن يتخبّط يمنةً ويسرة، طيلة حياته، يفتّش عن ألمٍ لا يدري له سببا.
المداراة والتغاضي والتغابي أخلاقٌ ضروريّةٌ هذه الأيام لتحافظ على سيرورة حياتك، وصفاء عقلك، وضغط دمك. فافعل منها القدر اللازم الكافي، خصوصًا مع الذين يهمّك أمرهم، كالأسرة والأصدقاء، ستشعر بعد أن تصير أسطورة هذه الفنون بأنك شيخٌ كبيرٌ يداري أحفاده.
هل فكرت مُسبقًا بكتابة كتاب أو رواية؟ قلمك مشوق للقراءة ← لم أنضج بما يكفي.. ولا أريد أن أكون كالهواة الذين ابتذلوا نشر الكتب مؤخرًا. onvo.me/thread/1367984…
تذكرت شطر للمتنبي يقول فيه «برّد حشايَ إن استطعتَ بلفظةٍ».. وهذا من أصدق ما قيل في توق المرء إلى كلمةٍ ممّن يحب، كلمةٍ تخفّف وتبرّد وتلطّف، كلمةٍ يحسّها في أعماق روحه.
لا يزايدُ أحدٌ على أن الحب دافئ، جميل، وأنه فعلٌ رقيقٌ حالم. وهنا الإشكال العميق، ألّا يزايد أحد على هذا المفهوم الشهير للحب!.. إن الإقرار بالحب دفئًا يستبعد من المعادلة أن يكون للحب ليالٍ باردة، والرضا بأن الحب كلهُ جميل، فيه إقرار ضمني على أن كل ماهو قبيح ليس من الحب، هذا بحد ذاته حكمٌ قبيح. ثم هو ركيك، فكلّ شدّةٍ -مهما صحّ موقعها- منافاةٌ لقانون الحب، بل هي كما يصوّرها أدب القشريات: بداية النهاية للحب.
يزعم البعض أن المنعطفات الحادّة والحرِجة في العلاقة، ماهي إلّا مجرد أجندات في عقل من تورّط في علاقة لا تناسبه. -فبزعمهم- أن أيّة واقعيّة هي إفسادٌ متعمّد، وحِرابةٌ على جوقة الملائكة التي تعزف تبريكات السماء خلودًا وتناهيدَ تعرجُ بالحسّ الإنساني لسدرة المنتهى!
بعيدًا عن الخوض في نسبيّة مفاهيم الجمال والقبح، والدفء والبرودة، والرقّة والشدّة. وتحاشيًا لمناقشة المجازات المُرسلة التي تجمّدت لتصبح حقائق صلبة في خطاب الحب حتى تردّ المعاول، ومحاولات الفهم! تعال اسأل عاشقًا: ما لون الحب؟ أو ما طعمه؟ أو ما رائحته؟ وانتظر سيلًا داهمًا من الهراء المجازي، الذي يُعامل معاملة آيَ المصحف. وأيّة محاولة للاقتراب من هذه المجازات وتفكيكها هي محاولة انتحار معنوي، ستظهرك بمظهر الأحمق الذي لم يترقًَ في سلّم الحسّ، ولم يغتسل في نهر الإنسانية!
الحبّ معانٍ متعالية، جلّ دركها على العقول، فأرسلتْ رُسلَ البيان تستأذن هذه المعاني المتعالية في مجازٍ يحيل إلى ظلالها على الأرض، فكان ما كان من الشعر، والكلمة. خيرًا فعل المجاز بنا إذ دلّنا على ظلال وارفة تقي لفح العيّ، وشرًا فعلنا به إذ عبدنا هذه الظلال! ونسينا المعاني المتعالية. أؤمن بالحب مفهومًا يسع العالم، لا شيئًا تسعه قصيدة. أؤمن بالحب سلوكًا فطريًا، لا آيديولوجيا متراكبة متراكمة، ومدارس معقّدة. أؤمن بي محبًا، لا وثنيًا.
هناك نوعًا من اليأس اسمه اليأس المُنجي، وهو أن يختار الإنسان اغتيال أحلامه، وخنق مشاعره، أن يفعل ذلك عمدًا، رغبةً منه أن يكفّ عن المحاولة في أمرٍ لا جدوى معه.. واليأس هنا نجاة.
كم أُحبُّ الكتابة والسفر، ما داما فعلين بريئين، خاليين من المسؤولية والالتزام! أسافرُ لأفكّر.. لأقرّر، وبعضُ الناس يفكّر ويقرّر ليُسافر. سافرتُ بلا خطة إلى واحدةٍ من أحبّ المدن إلى قلبي: باريس. وهي المدينة نفسها التي كانت تحظى بأقلّ نصيبٍ من مودّتي، ولا أدري لماذا كنت أكرهها قبل أن أزورها أصلًا! يبدو أن الأصل في باريس وربما في سائر العواصم الكبرى، أن تكرهها حتى تجد ما يشفع لها.. لم أكن أدرك ذلك تمامًا، لكنني عرفت أن عاصمة الاستعمار البشع هي أيضًا مدينة الأنوار في أوروبا، وأن تخطيطها الحضري بديع، وأنا رجلٌ يأسره العمران. أما المعيار الأهم -الذي لا تعبأ به مراكز الدراسات والأبحاث- هو ارتياحي النفسي فيها، وأُنسي بها، وذلك منقبةٌ لأي مدينةٍ في العالم.
كنتُ في باريس.. أضعتُ نفسي في شوارعها، ومررتُ بالمقهى الذي كان ڤولتير يشرب فيه قهوته، والذي ضُرب فيه أيضًا. زرتُ دار الأوبرا، وشربتُ قهوةً كالخمر، وأكلتُ ألذَّ انتركوت في إفرنسة، واشتريتُ عطورًا تفوق قدرتي المالية. غنّيتُ في الشارع مع غرباء، وغازلتُ ملاكًا في حديقةٍ على أطراف المدينة.. مارستُ شهواتي المؤجَّلة، تلك التي أخّرتها طويلًا بداعي النضج والجد. تنقّلتُ بين شوارعها الضيقة تارةً، وبين معالمها الكبرى تارةً أخرى. في الصباح الباكر تكون باريس أكثر أناقةً وحضارة؛ أمّا في الليل فتتغيّر المدينة، تخلع رداء الوقار، وتتحرّر كابنة قدّيسٍ متمرّدة.
أحرص دائمًا عند زيارة أي مكان على أن أعيشه بنفسي؛ بلا جداول رحلات مصطنعة، ولا مرشد سياحي يقودني نحو الأماكن التي يحبّها السيّاح.. لا يعني ذلك التقليل من أهمية هذه الأماكن، لكنها ليست أهم من زيارة المحلات الصغيرة على جنبات الطرق، ولا أهم من الجلوس في مقهى بعيدًا عن توصيات المرشدين السياحيين، ومراقبة تقاطيع وجوه البشر، وتصرفاتهم، وضحكاتهم، وحتى همومهم.. من زاويةٍ أخرى تختلف عن تلك التي تختارها شركات الإنتاج، زاوية أكثر قربًا، وصدقًا.
يقول إرنست همنغواي في كتابه «باريس عيد»: «إذا واتاك الحظ بما فيه الكفاية لتعيش في باريس وأنت شاب، فإن ذكراها ستبقى معك أينما ذهبت طوال حياتك، لأن باريس وليمةٌ متنقلة» ولأنها وليمةٌ متنقلة، فقد خرجتُ منها منقوصَ القلب والمال، زائدَ الوزن بسبب الخبز الجيد والماكرون اللذيذ. هل تستحق باريس الزيارة بعد زيارتي الرابعة لها؟ نعم. ولهذا حديثٌ مؤجل، قد أنشطُ لكتابته لاحقًا، أو لعلّي أكتفي بتحميض الذكريات مع نفسي.