Seddeeq
49.8K posts












عند الانضمام لأي مشروع سياسي فإن أول ما ينبغي فعله هو قراءة الشروط والأحكام قبل التوقيع. وفي عقد الإشتراك في تيار الولائي تستوقفنا فقرة جوهرية تتكرر كسنفونية أسبوعية ممنهجة في صلاة الجمعة، فبعد الهتاف المعتاد بالموت لأمريكا وإسرائيل تصدح الحناجر بصوت واحد وبحضور المرشد الأعلى شخصياً بعبارة صريحة لا تحتمل التأويل "مرگ مرگ بر ضد ولایت فقیه" أي الموت لمناهضي ولاية الفقيه. ولو توقفنا عند هذا الجزء تحديداً من الشعار وفككناه بهدوء سنكتشف أمراً لافتاً وهو أنه لا يستهدف خصوماً دوليين ولا يعني السنّي الذي لا تشغله تفاصيل الفقه الجعفري ولا العلماني ولا المسيحي ولا أي طرف خارج المذهب. المقصود بهذا الموت هم الشيعة أنفسهم، هتاف مصمم ومُوجّه تحديداً لكل شيعي يرفض أن يُسيَّس مذهبه أو يختلف سياسياً مع نظرية صُنعت نسختها عام 1979 وفُرضت على الجميع بقوة الدولة لا بقوة الحجة. والتاريخ يوثّق بوضوح أن من طُبّق عليهم هذا الشعار ونالوا نصيبهم الكامل من التخوين والعزل والإقامة الجبرية لم يكونوا معارضين سياسيين عاديين ولا ناشطين شباباً بل كانوا من أكبر مراجع تقليد الطائفة الشيعية في العالم. المرجع الأعلى السيد محمد كاظم شريعتمداري وهو الرجل الذي أنقذ حياة الخميني نفسه من الإعدام في عهد الشاه حين أصدر بياناً يمنحه درجة المرجعية ليوفر له حصانة دستورية تحميه من حبل المشنقة، لكن حين عارض شريعتمداري لاحقاً نظرية ولاية الفقيه لم يشفع له هذا الفضل في شيء بل جُرّد من مرجعيته في سابقة لم يعرفها تاريخ المذهب ووُضع قيد الإقامة الجبرية حتى توفي ودُفن سراً. والمرجع السيد محمد الشيرازي الذي أدرك مبكراً أن إطلاق يد الولي الفقيه بلا قيود سيُلغي التعددية المرجعية التي عاش عليها المذهب قروناً، وحين رفض هذا المسار فُرضت عليه الإقامة الجبرية لسنوات واعتُقل أتباعه وحين توفي شُيّع جثمانه ودُفن رغماً عن إرادة عائلته. والسيد حسن طباطبائي القمي الذي كان من أشد المعارضين لنظام الشاه قبل الثورة لكن رفضه لدمج الدين بالسياسة بعدها أدى إلى وضعه تحت الإقامة الجبرية أكثر من أربعة عشر عاماً ومنعت فتاواه من الوصول إلى الناس. والسيد محمد صادق الروحاني الذي انتقد تدخل السياسة في شؤون المرجعية ورفض مبدأ الولاية المطلقة فكان جزاؤه الإقامة الجبرية أكثر من خمسة عشر عاماً متواصلة. وهذه الأسماء ليست حصرية بل هناك عشرات المراجع والعلماء الآخرين الذين طالتهم نفس العقوبات فقط لأنهم قالوا لا لتسييس المذهب، فقيل لهم الموت لمن يعارض. وأمام هذا السجل الموثق يظهر تناقض لا يستطيع أحد تجاهله. البعض يبرر التبعية للولي الفقيه بأنها مجرد اتباع عقائدي وروحي لا علاقة له بالسيادة والحدود، لكن هذا الطرح يتناقض جذرياً مع ما قاله مؤسس النظرية نفسه روح الله الخميني الذي حسم المسألة بكلام لا يقبل اللف والدوران حين قال: "ولاية الفقيه ولاية عامة مطلقة وهي نفس ولاية رسول الله وتشمل جميع الأمة الإسلامية"، فالنظرية في صلبها مصممة لتكون عابرة للحدود وتتطلب ولاءً سياسياً وعسكرياً لا يعترف بالأوطان ولا بالجغرافيا ولا بالجنسيات. وهنا نصل إلى السؤال الذي يهرب منه الجميع. إذا كان هذا النموذج يهتف رسمياً بالموت لمن يرفض ولاية الفقيه وقام فعلياً بتهميش وعزل وسجن كبار مراجع الشيعة لمجرد اختلافهم الفقهي مع هذه النظرية فكيف يُقال لنا إن هذا حفظ للإسلام وحماية للمذهب؟ وفي المقابل إذا قامت مملكة البحرين باستخدام حقها السيادي في تجريم فكر سياسي عابر للحدود لحماية أمنها القومي فكيف يُصنَّف ذلك على أنه حرب على الطائفة؟ كيف يستقيم في عقل عاقل أن يُبرَّر إقصاء المرجعيات وسجنها في الداخل الإيراني لحماية كرسي الولي الفقيه ثم يُستنكر تطبيق القانون في البحرين لحماية سيادة الدولة؟ الخلاصة التي يهرب منها المنظّرون ويتحاشاها الخطباء ولا يجرؤ أحد على قولها في المجالس هي أن من رفع شعار الموت وحارب المرجعية الشيعية الأصيلة ولا يزال يحاربها قولاً وفعلاً ويستهدف كل صوت مستقل داخلها ليست البحرين بل هي إيران يا سادة.




















