
وأنا في هذا العمر، لم يعد التعب عندي مجرد إرهاق جسدي، بل تحوّل إلى نفور داخلي صامت من كل ما يحيط بي، من وجوه اعتدتُ رؤيتها حتى فقدت معناها، وجوه تتكرر كل يوم بنفس الملامح، ونفس الضيق، ونفس السطحية، حتى صارت المدينة كلها نسخة واحدة مكررة بلا روح ولا أفق، ولم أعد أرى فيها سوى تفاصيل صغيرة تستهلك ما تبقى من هدوئي، فأنا لست متشائمة كما قد يبدو للبعض، ولكنني ألاحظ كثيرا، وأفكر أكثر من اللازم، وهذا وحده كاف ليجعلني غريبة وسط كل هذا الاعتياد القاسي. الخروج من الفراش لم يعد بداية يوم، بل صار نوعا من العقوبة، لأنني أعرف مسبقا أنني ذاهبة لملاقاة نفس الوجوه، نفس الأحاديث، ونفس العقليات التي تخاف الاختلاف، وتهاجمه كأنه خطر، لأنكِ فقط قررتِ أن تكوني نفسكِ، لأنكِ لا تشبهيهم في الكلام، ولا في المظهر، ولا في طريقة التفكير، يصبح وجودكِ مستفزا لهم، وكأنكِ تذكريهم بشيء ينقصهم، فيختارون أن يعادوك بدل أن يفهموك. شيئا فشيئا، لم تعد المشكلة في المكان فقط، بل في ذلك الإحساس الثقيل بأنكِ محاصرة داخل دائرة لا تتغير، وأن كل يوم يشبه الذي قبله، حتى التفاصيل الصغيرة صارت خانقة، والمقاهي لم تعد مكانا للراحة، بل صارت مسرحا مكررا لنفس الوجوه، ونفس الضجيج، ونفس الفراغ. لهذا، لم يعد حلمي كبيرا ولا معقدا، كل ما أريده أصبح بسيطا إلى حد يبدو غريبا، أن أغادر هذه المدينة، أن أذهب إلى مكان لا يعرفني فيه أحد، أن أعيش غريبة بلا ماض يطاردني، ولا وجوه تذكرني بما كنتُ عليه، أن أغيّر رقمي، أن أختفي من ذاكرة الجميع، وأن أبدأ من الصفر، حتى لو كان ذلك في غرفة صغيرة فوق سطح عمارة، حتى لو كان عملي عاديا لا يحمل أي معنى كبير، يكفيني أن أعيش يومي بهدوء، أن أعود إلى غرفتي آخر النهار، آكل وأنام، دون أن أحمل همّ أحد، أو أنتظر شيئا من أحد.قد يرى البعض في هذا هروبا أو انهزاما، لكنهم لا يفهمون أن السلام ليس فكرة واحدة يتفق عليها الجميع، وأن ما يعتبره شخص فراغا، قد يكون بالنسبة لآخر نجاة، وأن ما يراه البعض حياة، قد أراه أنا عبئًا ثقيلًا لا يطاق، لأن أحلامنا لا تتشابه، ولا مقاييسنا في الراحة واحدة. أنا لم أعد أبحث عن شيء عظيم، ولا عن إنجازات تثير الإعجاب، كل ما أريده هو ذلك السلام البسيط الصادق، أن أعيش دون ضجيج، دون أحكام، دون تلك النظرات التي تراقبكِ لأنكِ فقط مختلفة، أن أعيش غريبة، نعم، ولكن خفيفة، أن أنام دون أن يثقلني هذا العالم، وأن أستيقظ دون أن أشعر أنني مجبرة على تكرار نفس اليوم مرة أخرى، وكأن الحياة توقفت عند نقطة لا نهاية لها.🍷 @𝔖𝔥𝔬𝔪𝔶𝔞 𝔥𝔞𝔦𝔦𝔪




























