"كم مرة بلغنا أن من قال:
«سبحان الله وبحمده مائة مرة غفِرَت له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر »
ثم أطبق المساء ولم تجر بها ألسنتنا ..
كم مرة علمنا أن من قال:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»
كانت له حرزاً من الشيطان، وحصنا لا يُنال، وذلك عين ما نحلم به، ونرجوه !
ثم مضت الساعات، بلا تكرار ..
نحفظ الأحاديث، ونعرف الفضل ونوقن بالوعد، ومع ذلك .. لا نفعل !
نعلم أن الصلاة على النبي ﷺ تفرّج الهم، وتغفر الذنب،
وأن الاستغفار مفتاح السعة، وأن الباقيات الصالحات أحبّ إلى رسول الله ﷺ مما طلعت عليه الشمس، ومع هذا كله، نؤجل كأن العمر مضمون والقلوب لا تصدأ ..
فأي غفلةٍ هذه، و أي خسارةٍ أعظم من علم لا يُثمر، وفضل قريب لا نمدّ له أيدينا !"
اللهمّ أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ..
لماذا يأخذ الوعظ والتذكير بالموت مكانةً هامّة في تراثنا التزكويّ؟
وما دوره النفسيّ الذي يدفعنا إلى التمسّك به .. لا الفرار منه؟
إليكم تناولٌ عميقٌ لجوانب هذا الموضوع في مادّةٍ مختصرة..
إذا حمل القلب الغل على ولاة الأمر انحرف صاحبه عن جادة الاستقامة، وسلك مسلك الروافض والخوارج في الفتن والخيانة، وإنما الصراط المستقيم: الإخلاص لله، وصدق النصيحة، ومحبة الخير، ولزوم الجماعة، والسمع والطاعة:
قال رسول الله ﷺ: "ثَلاَثٌ لاَ يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاَصُ العَمَلِ لله
وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ
وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ"
وفي رواية: "ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ
وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ
وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ"
رواه أحمد وابن ماجه والحاكم وغيرهم
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "(ولزوم جماعتهم): هذا مما يطهر القلب من الغل والغش؛ فإن صاحبه للزوم جماعة المسلمين يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، ويسوءه ما يسوءهم، ويسره ما يسرهم.
وهذا بخلاف من انحاز عنهم، واشتغل بالطعن عليهم، والعيب والذم لهم، كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم، فإن قلوبهم ممتلئة غلا وغشا، ولهذا تجد الرافضة أبعد الناس من الإخلاص، وأغشًّهم للأئمة والأمة، وأشدّهم بعداً عن جماعة المسلمين".
مفتاح دار السعادة (62/1)
القلب إذا ابتعد عن ذكر الله ...
عاش صاحبه في ضيق وهم حتى لو كانت الدنيا بين يديه واسعة فأجعل لك نصيباً من التسبيح والاستغفار والتهليل وقول لاحول ولاقوة إلا بالله ..
ارحموا أمهاتكم، ولا ترهقوا قلوبهن بما لا يطاق.. وتذكروا أنها لم تخلق "أما" فحسب، بل كانت يومًا ما شابة يفيض فؤادها بالأحلام، وتتوق روحها لشغف الحياة؛ فاجعلوا من بركم غيثًا يُحيي ما ذبل من تلك الأماني، وكونوا أنتم النور الذي يضيء خريف عمرهن، ليزهر من جديد ببركم وحبكم.
المجاهرة بالمحرَّمات في وسائل التَّواصل لجذب عددٍ أكبرَ من المتابعين، مشروعٌ ضخمٌ لجمع السَّيئات وحمل الآثام، فما أخسر صفقة من اختار هذا لنفسه: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملةً يوم القیـٰمَة ومن أوزار الذين یُضلُّونهم بغير علمٍ ألا ساۤء ما يزِرون﴾.
صلاح القلب أصل، وكثرة العمل فرع، والفرع لا ينفع بلا أصل.
ومن أراد الاقتداء بالنبي ﷺ والصحابة:
فعليه أن يعتني بـ:
الإخلاص
محبة الله
الخشية
سلامة الصدر
مع المحافظة على العمل الظاهر
فالجمع بين الأمرين هو الكمال، لكن تقديم العناية بالقلب هو الأساس. قال الحافظ بن رجب - رحمه الله - :
ولم يكن أكثر تطوع النبي ﷺ وخواص أصحابه بكثرة الصوم والصلاة بل ببر القلوب وطهارتها وسلامتها وقوة تعلقها بالله خشية له ومحبة وإجلالا وتعظيما ورغبة فيما عنده وزهدا فيما يفنى .. "
لطائف المعارف ص 448
قال ابن تيمية
الاستغفار من أكبرالحسنات
وبابه واسع،فمن أحس بتقصير في أقواله
أو عمله
أو حاله
أورزقه
أو تقلب قلب:
فعليه بالتوحيد،والاستغفار
ففيهما الشفاء إذا كان بصدق وإخلاص
وكذلك إذا وجدالعبد تقصيرا في حقوق القرابة،والأهل والأولادوالجيران،والإخوان،
فعليه بالدعاءلهم،والاستغفار
إذا كانت سريرة المؤمن صحيحةً مع الله أصلح الله ظاهره للنّاس". السريرة أمرها عظيم و شأنها خطير ..
ولو كشفت سريرة أحدنا للناس , لما استطاع أن يعيش بين الناس مفضوح السريرة ..
فكيف و هذه السريرة لا تخفى على الله عز وجل ؟! .. الحمد لله على ستره ..
ومن علامة توفيق الله للعبد أن يوفقه الى اصلاح سريرته و يشغله بإصلاح باطنه و تطهيره من الآفات : كالحسد و الرياء
و العجب و الكبر و الحرص على الشهرة و الظهور و غيرها ..
ومن علامة حرمان التوفيق للعبد أن ينشغل بغيره عن نفسه , أو يشغله بإصلاح ظاهره عن اصلاح سريرته ..
يقول ابن القيم رحمه الله :
ان الكبيرة قد يقترن به من الحياء و الخوف و الاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر ..
وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء و عدم المبالاة وترك الخوف و الاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر ..
وهذا أمر مرجعه الى القلب ..
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
"المؤمن إذا كانت سريرته صحيحةً مع الله أصلح الله ظاهره للنّاس".
تفسيرالقران العظيم ٧/ ٣٦١
وترتبط الخاتمة حسنا وسوءا بصلاح السريرة أو فسادها . وكم أقض حسن الخاتمة وسوؤها مضاجع السلف ..!
لا يوجد شيء أسوأ من أن تعجز عن أداء الطاعات التي اعتدت عليها بسبب ذنوبك.
تكون مستيقظًا في الليل، لكنك لا تستطيع أن تقوم لصلاة قيام الليل، أو يكون لديك وقت فراغ، لكنك غير قادر على قراءة صفحة من القرآن، أو حتى تتكاسل عن قول الأذكار.
وكل ذلك بسبب تهاونك بالذنوب، وقولك: هذا ذنب صغير، لا يضر. والنتيجة أنك أصبحت غير قادر على أبسط العبادات.
قال النبي ﷺ "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه."