Sabitlenmiş Tweet

كنتُ أسمعها تبكي أحيانًا بصوتٍ خافتٍ، لكنها كانت تعود إليّ بوجهٍ مبتسمٍ، وكأنها لم تذق طعم الحزن يومًا. كانت قوتها أعظم من الألم، وكانت محبتها سلّمي الذي تسلّقت به جدران المرض حتى وصلت إلى الحياة من جديد.
وها أنا اليوم، قد كبرت.. ولم أعد ذلك الطفل الضعيف الذي يُصارع المرض، بل أصبحت رجلاً يُعتمد عليه. لم أعد مجرد مريض يملأ السرير الأبيض، بل صرتُ كاتبًا يعرفه الناس، يحمل بين كلماته وجع الأعوام، وأمل الشفاء، وإرث أمٍ عظيمة كانت سببًا في كل هذا النور.
لقد شفاني الله، سبحانه وتعالى، شفاءً ما بعده مرض، لا فقط في جسدي، بل في روحي، في قدرتي على الحب، على الشكر، على الحياة من جديد. وعلّمني أن أمي لم تكن فقط سبب نجاتي، بل كانت المعجزة التي بعثها الله إليّ لأعيش.
أكتبُ اليوم، لا لأحكي عن الألم، بل لأشهد على النِّعم.
أكتب لأقول: أنا هنا، لأن أُمي كانت هناك.
أنا أكتبُ.. لأن الله شفاني، ولأنها لم تتركني وحدي أبدًا.
لم أكن أفهم يومًا كيف تبكي بصمت، كيف تخفي دموعها عني كأنها تخشى أن أراها تنكسر، كانت تُخفي العالم كله في ابتسامة، وتُخبّئ وجعها خلف جدار من الطمأنينة، كانت إذا دخلت عليّ الغرفة شعرتُ أن المرض يغادر ولو قليلًا، وأن الحياة تستعيد نغمتها ولو للحظة، كنتُ صغيرًا لا أفهم كيف تكون الأمهات بهذا الشكل.
كيف يذوبن من الداخل ويقفين كالجبال من الخارج، لكنها كانت تفعل، كل يوم، كل ساعة، كل لحظة، كانت تحيطني بدفءٍ لا يُشبه أي غطاء، كانت ترفع رأسي بيدين متعبتين ولكن لا ترتجفان، كانت تبتسم حين يُقال لي إن المرض طويل، وتشدّ على يدي وتقول: “سنمشي هذا الطريق معًا”،
ولم تكن تكذب، لقد مشت معي، لم تتركني، لم تنم إلا وأنا نائم، ولم تأكل إلا وأنا آكل، ولم تضحك إلا حين تراني أضحك، وكلما تظاهرتُ بالقوة، كانت تعرف أنني أتظاهر، لكنها لا تفضحني، فقط تضمّني، وكأنها تقول لي: لا بأس أن تكون ضعيفًا، أنا قوتك.
كبرتُ وأنا أراقبها تكبر، وأمرض وأنا أراها تضعف دون أن تشكو، ثم نهضتُ، لا أعلم متى، لكنه حدث، فجأةً، كأن الله نفخ في جسدي، لا أعلم كيف، لكنه أراد أن يشفيني، فشفاني، لا لأنني كنتُ أستحق وحدي، بل لأن دعاءها كان يسبق شفتيها، ويسكن سجودها، ويعلو في ليلها.
حتى صار له عند الله وزنٌ لا يُرد، شُفيتُ، وانتهت تلك السنوات التي كنتُ أعدّ فيها ساعات الألم، لكنني لم أنسَ، لأن الذاكرة لا تنسى من وقف، لا تنسى من حملك على ظهره دون أن يتعب، لا تنسى من قسّم عمره ليضيف إلى عمرك، من اقتطع من صحته ليمنحك الحياة.
واليوم، لم أعد ذلك الطفل الذي كانت تحمله على كتفها في ممرات المستشفيات، لم أعد ذلك الجسد الهزيل الذي تُخبئه تحت عينيها كلما دخل الطبيب، لم أعد مجرد مريض، لقد أصبحتُ رجلاً، رجلاً يعرف كيف يكتب، وكيف يُعبّر، وكيف يُحيل وجعه إلى حبر.
وكيف يصوغ سنواته إلى فقرات، لقد صرت كاتبًا، يشهد علي الناس، ويعرفني القارئ، ويحمل بين كلماته أرشيفًا من الدمع والصبر والتجلّي، لم أكتب لأبكي، بل لأُخبر، لم أكتب لأنني متألم، بل لأنني ممتن، ممتن لأن الله شفاني، ولأنها كانت هنا، دائمًا، كلما بحثتُ عن معنى النجاة، وجدتها، كلما بحثتُ عن تفسير للحياة، رأيتها، كلما فقدتُ نفسي، سمعت صوتها يُناديني، ويقول لي: “أنتَ بخير، ما دام أنتَ فأنا معك”.
أبتسم كما كانت تبتسم، وأخفي وجعي أحيانًا كما كانت تخفيه، ليس لأني لا أتألم، بل لأني تعلمتُ منها كيف نكون نورًا رغم الغيوم، كيف نكون سندًا ونحن نحتاج مَن يسندنا، كيف نصبر حتى يُدهشنا الجزاء، وكيف نمضي لأن من أحبونا تعبوا حتى نكمل الطريق.
وكل حرفٍ أكتبه، هو جزء منها، كل فكرة، كل سطر، كل جملة، كلها تشبه دفئها، تشبه كلماتها، تشبه طريقتها في شد يدي حين كنتُ أضعف، لقد علّمتني أن الكلمات ليست فقط حروفًا، بل نجاة، بل حياة.
بل رسائل إلى بأننا بخير، وأن تعبهم لم يضع هباءً، أن سهرهم لم يكن بلا فائدة، أن صبرهم أنجب رجالًا أقوياء يعرفون كيف يكتبون عن الضعف، دون أن ينكسروا، وكيف يتحدثون عن الماضي دون أن يندبوه، وكيف يشكرون الله على أنهم لا يزالون هنا، على قيد الحياة.
وأخيراً: لذلك، أنا لا أكتبُ عن مرضي، بل عن الشفاء، لا أكتبُ عن الألم التي عانيته، بل عن النعمة، لا أكتبُ عن الخسارة، بل عن كل ما كسبته من قلب أمي، ومن نورها، ومن تلك الليالي التي كانت تقف فيها بجانبي وأنا أقاوم، فأنظر إلى عينيها وأقول: لأجلك سأعيش، لأجلك سأنهض، وها ذا أنا اليوم، أكتبُ، لأنها ذات يوم، قالت لي وأنا على سريري الأبيض: “ستكبر وتكتب، وستجعل من ألمك حياة”، وها أنا أفعل، كما أرادت، وها أنا هنا.. لأنها كانت دائمًا بجانبي ومعي، ولا زالت معي حتى أصبحتُ اليوم كاتبًا وأكتبُ عن مُعاناتي اليوم.
يا كثر حُبي لك يا جنتي وحبيبتي ❤️❤️❤️
العربية



