
مشكلة الحدادية والشيخ ابن عثيمين رحمه الله
قال الإمام محمد بن سيرين رحمه الله: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم".
من المضحك المبكي أن يتصدر لتقييم عقائد وأقوال علماء الأئمة، والفصل في مناهجهم، والحكم على أئمة كابن عثيمين والنووي، غلامٌ لا يُحسن قراءة أسماء أمهات الكتب، ولا يضبط حركات الأفعال العربية!
يجعل كتاب "المُغْنِي" للإمام ابن قدامة (بإسكان الغين) "المُغَنِّي" (بفتح الغين وتشديد النون)!
ويقرأ الفعل "تُشِيد" (من الإشادة والثناء) فيقرأها "تُشَيِّد" (بكسر الياء المشددة، من التشييد والبناء)!
هذا السقوط المريع في لغة العرب قرينة قاطعة على "الجهل المركب" وانعدام الأهلية العلمية.
فالذي لم يثنِ ركبتيه لتعلم نطق الكلمات، ولم يقرأ أمهات الكتب ليعرف أسماءها، كيف يُؤتمن على فهم مقاصد العلماء، واستيعاب دقيق مسائل العقيدة، وتحرير مناط التبديع والتكفير؟!
إن منهج أهل السنة يأبى أن تُؤخذ أحكام الجرح والتعديل من "حدثاء الأسنان" الذين يتطاولون على الجبال وهم لا يحسنون المشي على الأرض.
بدأ الغلام بتمثيل دور المُحب المحترم للإمام ابن عثيمين (رحمه الله تعالى وجعل مثواه الجنة)، ثم ما لبث أن طعن فيه طعنات حدادية صميمة:
وصفه للإمام ابن عثيمين بأنه "متذبذب ليس على رأي"
هل هذا هو الاحترام المزعوم؟
وصفُ العالِم بـ "التذبذب" هو طعنٌ صريح في استقراره العلمي، ويقينه العقدي، ورسوخه المنهجي.
الإمام ابن عثيمين لم يكن متذبذباً، بل كان دقيقاً، يفصل حيث يجب التفصيل، ويُعذر حيث يجب العذر، ويرد الخطأ مع حفظ قدر المخطئ.
الحدادي يرى هذا "العدل والإنصاف والتحرير" تذبذباً؛ لأنه لا يفهم إلا لغة الأبيض والأسود، والتكفير والتبديع المطلق.
قوله إن هذه الزلة "خطأ كافٍ وافٍ"
لم أفهم هل يقصد أن هذا الخطأ كافٍ لإسقاط الشيخ وإهدار حسناته أم يقولها من باب الفرح أم يهرف فقط ولا يعرف معناها!
كيف يجتمع قولك "أنا أحب هذا الشيخ وأدعو له" مع قولك إن خطأه "كافٍ وافٍ" وأنه مذبذب؟!
ثناء ابن عثيمين رحمه الله على الإمام النووي وغيره ليس "زلة" بل هو السنة والعدل والإنصاف.
يُسمي هذا الغلام ثناء الإمام ابن عثيمين على الإمام النووي (رحمهما الله) "زلة"، ويدعي أنه يمدح "رؤوس المبتدعة".
من قال إن النووي رأس من رؤوس المبتدعة؟
الإمام النووي هو قامة من قامات الإسلام، وشيخ من شيوخ الشافعية، وحافظ من حفاظ الحديث.
ما فعله الإمام ابن عثيمين من الترحم على النووي وابن حجر، وحفظ قدرهما، وبيان أنهما مجتهدان متأولان مأجوران على قصدهما للحق وإن أخطآ؛ هو التطبيق العملي لقول الله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}. الزلة الحقيقية هي منهج هذا الغلام وشيخه الذين ينبشون القبور، ويفرحون بتصيّد الأخطاء، ويجعلونها مطية لإسقاط أئمة الدين.
وإن كان ثناء الإمام ابن عثيمين على الإمام النووي يُعد خطأً "كافياً وافياً" للطعن فيه ولمزه بدعوى مدح "رؤوس المبتدعة"، فليلزم هذا الغلام وشيخه الآتي:
الطعن في الإمام الذهبي الذي سمى النووي: "الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام".
الطعن في الإمام ابن كثير الذي أسماه: "العلامة شيخ المذهب وكبير الفقهاء".
الطعن في الإمام ابن رجب الذي أسماه: "الفقيه الإمام الزاهد القدوة".
الطعن في الإمام ابن باز، والإمام الألباني، وعلماء الدعوة النجدية الذين أثنوا عليه واعتمدوا كتبه دون تبديعه أو إسقاطه.
والطعن في ابن تيمية وعلماء الأمة على مر القرون بعد النووي
فهل هؤلاء كلهم "متذبذبون" ويمدحون "رؤوس المبتدعة"؟
إذا طرد الحدادي قاعدته، فإنه سيسقط أئمة الإسلام عبر القرون، ولن يبقى له إلا شاشة هاتفه، وشيخه الذي يلحن في القرآن، وغرفة يتبادلون فيها صكوك الغفران والحرمان!
يحاول الغلام أن يُبرئ محمد شمس الدين بأنه لم يطعن بل "استدرك".
والحق أن ما يقوله هذا الغلام التابع هو صدى حقيقي لما يؤسس له المتبوع.
محمد شمس الدين هو من سنّ لهم سنة التطاول على الأئمة (كالنووي والسيوطي وأبي حنيفة)، وهو من علمهم مصطلحات الإسقاط (كالمدجنة، وألفاظ قبيحة)، وهو من غرس فيهم أن احترام مقادير العلماء هو "تمييع".
فلا عجب أن يخرج التلميذ ليقول عن ابن عثيمين إنه "متذبذب" وخطؤه "كاف واف"، ظاناً أنه يدافع عن الحق، بينما هو يطبق القاعدة الحدادية: "تحويل كل خلاف منهجي إلى أداة لهدم المخالف".
الخلاصة: الإمام ابن عثيمين إمامٌ فقيه سلفيٌ راسخ، وما فعله مع الإمام النووي هو قمة العلم والفقه والورع والعدل السني.
ومحاولة هذا الغلام الحدادي الجاهل -الذي لا يقيم جملة عربية صحيحة- لتخطئة جبل كابن عثيمين، أو التفضل عليه بقبول فقهه مع إسقاط عقيدته أو منهجه؛ هي محاولة ذبابة أن تحجب نور الشمس.
السنة لا تُنصر بالظلم، ومنهج السلف لا يمثله حدثاء الأسنان الذين جعلوا دينهم النبش في قبور العلماء.
العربية
