

ياسمين عبدالله
29.3K posts

@_yasabdullah
في علاقة حب أبدية مع القاهرة والقطط والفن الإسلامي والبيت| باحثة في الدراسات الهلنستية| كاتبة وقارئة ومهتمة بالتراث وابنة مُدللة| أنتِ قصص دائم لأنك سحر دائم*






محتاجة أشتري كتب مستعملة يكون أصحابها السابقين كاتبين ملاحظاتهم فيها، بحس بشعور حميمي جدا كأنهم سايبين جزء من روحهم في الكتاب، بحب أقتفي أثر الناس وأستكشف حكاياتهم






أمي مصرية، وقد كبُرت يتيمة الوالدين. تروي لي أمي، أنها لم يكن لديها مثل زميلاتها من يوقظها صباحا للمدرسة أو يدعمها للمذاكرة قبيل الامتحانات. لكنها أسرّت لي قائلة: "لقد كانت تأتيني، وتوقظني للامتحانات" أقول لها من؟، فتجيبني: "السيّدة نفيسة." وإذ أعقد حاجبيّ استغراباً ولا أعلّق، فإنها تكمل كأنما تلتقط الشك في ملامحي: "نفيسة العِلم." وبهذا تبرّر أمي المقام الذي كانت تجيؤها فيه السيّدة نفيسة. أمي متعلّمة، جامعيّة. وأنا الآن إذ أمضي في طريق طلب العلم، أنظر خلفي وآسف أنني شكّكت في روايتها. ليس لأنني الآن أصدّق، لكن لأنني لا شك آلمتها فيما كان مصدر أمان وإيمان وراحة. من أنا لأسلب منها هذا؟ وما الذي يمنحني الحقّ في أن أصحّح لها شعورها على مسطرة اليقين الخاصة بي؟ كلّ إيمان يمكن النيل منه بهذه الطريقة. وبمراجعة شغل الدكتور طلال أسد الباحث في أنثروبولوجيا الإسلام، الذي كتبه نقدا وتعقيبا على كتاب عالم الأنثروبولوجيا الكبير كليفورد غيرتز Islam Observed، نجد أسد يجادل بأن الإسلام كتلة حيّة لا يمكن الإمساك بها كليّة والقول، ها هو الإسلام، لقد راقبته وأحصيته، وإليكم ما وجدت. يطرح أسد سؤالا موضوعيا حول الموضوع محلّ الدراسة ويقول ببساطة: عن أي إسلام تتحدّث؟ (أي واحد فيهم؟) ويمضي إلى اقتراح أن الإسلام، له ثلاث مستويات تتفاعل مع بعضها وتبقيه كتلة حية، لا جامدة. المستوى الأول هو النصّ، المستوى الثاني هو التفسير، المستوى الثالث هو الممارسة الشعبية. التفاعل بين النص وفهم النص والممارسة الشعبية عملية معقدة تجعل للإسلام تجليات متمايزة من قطر إلى قطر متأثرة بعوامل عدّة ليس ببعيد عنها الثقافة والاقتصاد والبيئة والسياسة أيضا، وإن بقي الجوهر واحد. وبذلك، عدا الجوهر، فإنه لا يمكن لأحد أن يُطبِق يده على الإسلام ليقول هذا هو، كأنما هو له وليس لسواه. وهذا ربما كان عليّ فهمه قبل سماعي قصة أمي ونفيسة العِلم. وربما هذا ما علينا فهمه حين نراقب تمايز الممارسات من قُطر إلى قُطر. إن للإسلام في مصر تجلٍ لا ينفصل عن طبيعة شعب هذه البلاد عبر العصور. شعبّ محبّ، له عاطفة جيّاشة، مبدّع، منتج ومستهلك لفن الحكاية/الأسطورة، شعب مستقرّ يميل جوّ للاعتدال ويعيش على ضفاف نهر. فيما الإسلام في شبه الجزيرة يخلص إلى كونه منظومة قواعد وقيم وأخلاق، تعيد بناء منظومة القواعد والقيم التي كانت تحكم القبيلة أو المجموعات البشرية المرتحلة في شبه الجزيرة وتطوّرها. إن الجوهر وإن كان واحد فإن التعاطي معه وإعادة إنتاجه كثقافة يومية من الطبيعيّ أن يختلف. ومع قول هذا، فإنه لا يمكن إغفال ما أثار هذا الحوار من خطبة الخطيب المصريّ بحضور رئيس الجمهورية وتوسّله الله بالنبي وآل بيته، والبعد السياسي الذي أخذ على محمله هذا الموقف. حسنٌ، إن كان لهذا الموقف دلالة، فإنه يدلّ على أن مصر، الدولة العربية السُنيّة، لديها ما يؤهلها للعب دور في التفاهم العربي مع إيران، وبذل جهد يمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة تضع إرث أمن واستقرار ورفاه دول الخليج وشبه الجزيرة العربية في مهب الريح لصالح نتنياهو وزمرة المجانين المتحلّقين حوله. دول الخليج العربي تظهر ثباتا وتماسك مجتمعي وقدرة على الاستيعاب والصمود في وجه الاعتداءات، إضافة إلى حكمة سياسية تثير الإعجاب. ولا أظن أنه يصحّ أن يشوب هذه الحكمة، شائبة من خفة واندفاع في مثل هذا الوقت.
