abdullah abo halima retweetledi

قراءة نسوية تاريخية في كلمات أغنية (من بعد مزح ولعب)
حين نقرأ كلمات أغنية (من بعد مزح ولعب) للشاعرة ثريا قابل، التي لحنها وغناها الكبير فوزي محسون، نتوقف بانتباه لنمحص نصًا كتبته امرأة/شاعرة سعودية في ستينيات القرن الماضي داخل المجتمع الحجازي، على اعتبار أن السياق يغير قراءتنا للنص. فنحن أمام نسوية مبكرة غير معلنة. نسوية ناعمة لا ترفع شعارات، ولا تصطدم بالبنية الاجتماعية، لكنها تعيد توزيع السلطة داخل اللغة والعاطفة. بمعنى أن النص يضعنا أمام نسوية صامتة، لا نسوية صدامية. من خلال صوت أنثوي يكتب عن الحب بهذه الجرأة. وهذا هو معطى تجربة الشاعرة ثريا قابل بشكل عام.
النص لا يطالب بحق، ولا يعترض على قيد، ولا يهاجم سلطة مباشرة. ومع ذلك، تقوم الشاعرة بفعل جوهري. حيث تجعل التجربة العاطفية الأنثوية مركز المعنى. فهي لا تكتب عن الحب من موقع التابع، ولا من موقع الانتظار، بقدر ما تكتب الإحساس والتجربة من موقع الوعي الداخلي الكامل: وعي بالتغيّر النفسي، ووعي بالخجل، ووعي بالرقابة، ووعي بالخوف والغيرة. وهذا الوعي في ذاته ممارسة نسوية في سياق تاريخي لم يكن يمنح المرأة حق تسمية تجربتها العاطفية بهذه الدقة. وهذا هو ما جعل كلمات الأغنية سابقة لزمنها لأنها كُتبت في لحظة انتقال بين الشفاهية والحداثة، وبين الحب كسرّ والحب كموضوع فني، وبين المرأة الصامتة والمرأة التي تكتب. فهي هي أغنية ناضجة شعوريًا، لكنها ذكية اجتماعيًا. تقول الكثير دون أن تصطدم.
في القراءة الذكورية التقليدية، يُفهم الخجل الأنثوي على أنه ضعف أو حياء اجتماعي. أما في هذا النص، فيتحول الخجل إلى أثر معرفي. نتيجة إدراك الشاعرة لعمق العلاقة وقيمتها. حيث يدل الخجل في سياق كلمات الأغنية على، امتلاك الشعور، والإحساس بثقله، وإدراك عواقبه الاجتماعية. وهذا نقل للخجل من خانة النقص إلى خانة الوعي. ولذلك يتحول الحب في الذات الأنثوية الكاتبة إلى كقوة تغيّر، على مستوى الصوت، والسلوك، والعلاقة بالجماعة. بمعنى أن الشاعرة لا تقدّم الحب كحلم رومانسي أو خلاص.
من ذلك المنطلق الواعي بالذات، لا تُعرَّف الشاعرة ذاتها عبر الرجل، وإنما من خلال ما يحدث لها داخليًا بسببه. وهذا فارق دقيق لكنه حاسم. حيث تصبح التجربة الأنثوية موضوعًا قائمًا بذاته. كما تتعامل الشاعرة بذكاء مع الرقابة الاجتماعية في حجاز الستينيات من القرن الماضي، بما يحمله من انفتاح ثقافي مع انضباط اجتماعي، كما يتضح ذلك من خلال عبارة حجازية بامتياز "أحسب حساب كل صوت". حيث تستخدم الشروط الاجتماعية المحصنة بالفن، فتختار الكلمات الغنائية، كما تستخدم اللهجة، لتكتب اعترافًا مشفّرًا شعوريًا. وهكذا يصبح الفن مساحة تفاوض بين المرأة والمجتمع، لا ساحة معركة. حيث تعكس الكلمات ذلك التوازن بدقة. عاطفة جريئة في الداخل، وحذر شديد في الخارج.
حتى الغيرة ليست تبعية، بقدر ما هي إعلان قيمة. بمعنى استعادة للذات "أحسد عليك حتى نفسي". وهذه الجملة تنزع الغيرة من بعدها الأخلاقي، وتمنحها بعدًا وجوديًا. حيث تعترف المرأة/الشاعرة بأنها دخلت منطقة فقدان السيطرة، وتسمي ذلك بجرأة نادرة في زمنها. وكل ذلك يصب في سياق نسوية وجدانية، لغوية، متخفية داخل المسموح ثقافيًا. وهي بالتالي كتابة امرأة تعي حدودها وتوسّعها من الداخل. فلا تكسر الإطار، لكنها تعيد تشكيله. ولا تطلب الاعتراف، لكنها تفرضه عبر عمق التجربة.


العربية




















