
عبد الله. م. السمطي
24.4K posts

عبد الله. م. السمطي
@abdullahsamati
شاعر وناقد من مصر صدر لي (40) كتابا بين 1997-2026 ( شعر ورواية ونقد أدبي) 10 آلاف مادة منشورة/ رائد القصيدة العمودية حسب النمط السمطي المتطور الجديد



















علي الحازمي ….. أسئلة تُيبس الدم لم ننتبه لذبول خطوتنا على الصلصال أغوتنا الغزالة حينَ فَرَّتْ من قوائمها لِتَبْلُغَ فِضَّةَ الأوقات في غدِنَا الشريد لم نختلف عن أَمسِ غُربتنا كثيراً بل تغيَّر صوتُنا في الظلِّ مُذْ نَبتَ الكلام على حواف الصمت في دمنا المجفف بالسؤال ….. يشتغل هذا المقطع الشعري على فكرة الغفلة بوصفها أصل التيه. أي كحالة وجودية رافقت الحركة منذ بدايتها، لا كلحظة جهل طارئة. فعبارة "لم ننتبه" تأتي كإعلان عن زمنٍ كاملٍ أُنجز دون وعي، لا تمهيدًا للندم. وكأن الذات كانت تمشي بينما الوعي يتأخر عنها خطوة. أما البنية النحوية فتنهض على تكرار الضمير الجمعي (لم ننتبه – أغوتنا – لم نختلف – تغيّر صوتنا – دمنا) ليؤسس ذاتًا جمعية لا فردًا متكلمًا. وهذا الاختيار الأسلوبي يوسّع التجربة من الخاص إلى الوجودي، ويمنح النص طابع الاعتراف المشترك، لا الشكوى الفردية. كما أن افتتاح الجملة بالفعل المنفي "لم" يخلق إيقاع فقدٍ مبكّر يظل مسيطرًا حتى نهاية المقطع. كذلك يتكئ النص على انزياحات دلالية في الصور. فصورة "ذبول خطوتنا على الصلصال" تنقل الفعل الإنساني من فضاء الصلابة إلى الهشاشة. فالصلصال مادّة أولى، قابلة للتشكيل، لكن الخطوة ذبلت وهي في طور التكوّن، ولم تترك أثرًا حيًّا. وهنا يتحوّل المشي من فعل تقدّم إلى علامة استنزاف، ويصبح الذبول صفة للحركة نفسها لا لنتيجتها. حيث الخطوة فعل حركي، لكن إسناد الذبول إليها يحمّلها معنى العجز قبل الوصول. ومن ذات المنطلق تدخل الغزالة بوصفها كائن الإغواء والرغبة في المطاردة. غير أنّ الشاعر علي الحازمي يقدّمها كحركة هاربة أغوتنا لأنها أفلتت، لا كغاية. حيث المفارقة اللافتة في قولِه "فرّت من قوائمها" فحذف الأداة الطبيعية للحركة (القوائم) يولّد صورة مستحيلة، تُحيل إلى فرارٍ يتجاوز الجسد، أي إلى وهمٍ أو حلم. كما ينكسر منطق الجسد، وبذلك يصبح الفرار قفزًا خارج الوسائل الطبيعية، وكأن الحلم تجاوز شروط الواقع. وغاية هذا الفرار زمنًا وليست مكانًا "فضة الأوقات". وهو زمن مصقول، نقي، متخيَّل، يقيم في "غدنا الشريد". غد لا وطن له، ولا وعد ثابت فيه. حيث الاستعارة اللونية التي تحوّل الزمن إلى معدن، فتمنحه بريقًا باردًا، خاليًا من الدفء الإنساني. وكل تلك الانزياحات لا تهدف إلى الزخرفة بقدر ما تتجه إلى تفكيك اليقين حول الزمن والحركة والمعنى، ورسم الخط البياني للتدرج من الصورة الحسية إلى الصورة التجريدية. إلى جانب الوقفات الدلالية المتأتية من التقطيع السطري القصير. وحين يعود الصوت إلى المراجعة، لا يعلن تحوّلًا جذريًا "لم نختلف عن أمس غربتنا كثيرًا". حيث الاختلاف طفيف، شكلي، يمسّ النبرة لا الجوهر. فالاغتراب مستمر، لكنه يغيّر أقنعته فقط. وهذا ما توضحه الجملة التالية "بل تغيّر صوتنا في الظل". أي أن التبدّل حدث في المناطق الخافتة من الذات، لا في مواجهتها الصريحة للعالم. حيث يتحرك النص على مستوى التشكيل الزمني بين ثلاثة أزمنة: الماضي (لم ننتبه)، الحاضر (يتغيّر صوتنا)، والمستقبل (غدنا الشريد). غير أن هذا التعدد لا يصنع تطورًا سرديًا، بقدر ما يكشف ثبات الحالة الوجودية. فالتغير زمنيّ شكلي، بينما الاغتراب ثابت. هنالك أيضًا مفارقة أسلوبية صوتية، قوامها الصمت. كما تتمثل في قوله "نبت الكلام ….. على حواف الصمت". فالإنبات فعل يوحي بالطبيعة واللاوعي، وكأن اللغة خرجت اضطرارًا من تربة الصمت، ولم تُصنع. وهنا تتحول اللغة من أداة تعبير إلى عرضٍ لأزمة التعبير نفسها. أما نموّ الكلام على حواف الصمت فيشي بولادة لغة مأزومة، لغة تنبثق من التردّد، ومن المسافة بين القول والكتمان، وليس من الامتلاء. وهذا الكلام يعيش على التخوم لأنه لا يملك مركزًا. أما ختام المقطع "دمنا المجفف بالسؤال" فيمثل الذروة الأسلوبية التي تجمع بين الجسد والفكر. فالسؤال، الذي يُفترض أن يكون فعل حياة، يتحول إلى سبب للجفاف. وبهذا يغلق النص دائرته من الذبول في الخطوة، إلى الجفاف في الدم. حيث يتحوّل السؤال من أداة كشف إلى سبب للجفاف. حيث تُيبس الأسئلة الدم، ولا تُحييه، لأنها بلا أفق إجابة، ولأنها تُطرح في فضاء غربة لا يمنح المعنى فرصة الاكتمال. إن هذا النص يقدّم تأمّلًا شعريًا في التيه المؤجَّل. تيه يتراكم بصمت، ولا ينفجر. حيث لا يتغيّر المصير، بل تتغيّر أصواتنا ونحن نواصل السير فوق صلصالٍ يزداد جفافًا كلما أكثرنا السؤال. وذلك من خلال بنية أسلوبية تقوم على اقتصاد لغوي كثيف، يُراكم الدلالة عبر الانزياح والتركيب أكثر مما يعتمد على السرد أو التصريح. فاللغة هنا تُنشئ التجربة إيقاعيًا وصوريًا، ولا تشرحها. كما يكتب النص اغترابه عبر لغة متقشفة، انزياحية، جمعية الصوت، تتحرّك على تخوم الصمت، وتستبدل البيان بالاقتراح، والتصريح بالإيحاء.








