احمد الغامدي
9.3K posts

احمد الغامدي
@ahmed1AMG
متعب ادوّرْ في المدن… يمكن الاقي لي بلاد















«إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يعتاش على بؤس الإنسان؟». هذا السؤال الذي استوقفني في رواية «ترف الانكفاء» ولم أفوّت فرصة طرحه في لقائنا مع الكاتب. كان أول ما تبادر إلى ذهني «الطب النفسي» بمدرستيه الدوائية والعلاجية، وقد وجّهتُ هذا السؤال إلى البُنية الأخلاقية الكامنة خلف المهنة وليس إلى المهنة بعينها، فالجرّاح أيضًا يمكن أن يعتاش على المرض، والمحامي على النزاعات. ما استدعى تركيزي على الطب النفسي هو أن علاقته بمعاناة الإنسان علاقة مباشرة ومعقّدة وحسّاسة، فهو مُصمَّم لتقليل هذه المعاناة، وبما أن وجود البؤس شرط لوجود الخدمة، والمعالج النفسي لا يجد مهنته خارج هشاشة البشر وكسورهم الداخلية، فأين يمكن أن يظهر شبه الاعتياش؟ تناولنا في حديثنا بعض الانزلاقات الاستغلالية في هذا المجال، كالتحفيز المالي عبر إطالة مدة العلاج دون ضرورة واضحة، والطَّبْعَنَة التي كثيرًا ما نراها بوضوح في تصنيف المشاعر الطبيعية والضغوط الحياتية العادية بوصفها اضطرابات. وكذلك التبعيّة العلاجية في العلاقات العلاجية التي تُبقي المراجع معتمدًا بدلًا من تعزيز استقلاله. ثم نقلنا وائل الحفظي @WaelAlhifthi في النقاش من مستوى المهنة إلى مستوى الإنسان، فقال: «يولد الإنسان بخيره وشرّه، يولد لطيفًا ويولد عنيفًا، يولد ممتنًا ويولد جاحدًا، والمسألة تعتمد على: إلى أي مدى يمكنه أن يقلّم هذه الغرائز، لئلًا ينساق وراءها بشكل عشوائي أو أعمى». وهذا قادنا إلى سؤال آخر: «هل تلك الإشكاليات حول منزلقات العلاج النفسي هي شرٌّ فرديٌّ محض؟». ورأينا أنها تأتي نتيجةً منطقية لبُنية اقتصادية وثقافية كاملة، ولا يكفي صلاح الفرد لمنع الاستغلال داخل نظام يكافئ الاستمرار؛ فشركات الدواء التي تستفيد من توسيع تعريف الاضطراب، والمنصات العلاجية التي تعتمد على الجلسات الطويلة، والمجتمع الرأسمالي الذي يكافئ الأفراد القادرين على الأداء المستمر ويعيد تعريف المعاناة بلغة الإنتاجية، كلها تدفع نحو تحويل المعاناة الإنسانية إلى حالة قابلة للإدارة المستمرة أكثر من كونها أزمة يرغب بتجاوزها نهائيًا. ويبقى السؤال مفتوحًا بين علاج البؤس وخطر تحويله إلى شرط لاستدامة أنظمة تعتاش عليه.












