ali jaffar retweetledi

د. باقر العوامي : مسيرة علمية ووطنية رائدة في طب الأطفال وأمراض الدم الوراثية
المقدمة:
ودّعت الساحة الطبية في المملكة العربية السعودية علماً من أعلامها الكبار، وأحد أبرز الرواد في تخصص طب الأطفال وأمراض الدم الوراثية، الأستاذ الجامعي والباحث القدير الدكتور البروفيسور باقر بن السيد حمزة العوامي. رحيله يمثل خسارة كبيرة للمجتمع الطبي والأكاديمي، فقد كان رمزاً للعطاء، ومثالاً للعالم الملتزم بقضيته الإنسانية والعلمية، وصاحب بصمة خالدة في تأسيس كثير من المشاريع الطبية والبحثية ذات الأثر العميق على صحة المجتمع.
النشأة والبدايات:
ولد الدكتور العوامي عام 1368هـ في القلعة بالقطيف، وسط بيئة علمية وثقافية أصيلة. بدأ تعليمه الأولي على يد خاله الشيخ عبدالرسول بن حميد، حيث تعلم القرآن الكريم ومبادئ العلوم، قبل أن يلتحق بالتعليم النظامي، فيدرس الابتدائية بالقطيف، ثم المتوسطة والثانوية في الدمام. ومنذ طفولته كان شغوفاً بالعلم، باحثاً عن المعرفة، متطلعاً إلى خدمة وطنه.
رحلة الابتعاث إلى ألمانيا:
في عام 1965م، حصل على بعثة دراسية إلى ألمانيا لدراسة الطب. بدأ مشواره بالتخصص في الأمراض الباطنية، ثم اتجه إلى طب النساء والولادة، لكن سرعان ما استقر قلبه على ما أحبه حقاً: طب الأطفال، بتشجيع من زوجته السيدة كريمة الشاعر السعودي عبدالواحد الخنيزي. هذا الاختيار لم يكن مجرد قرار أكاديمي، بل تعبير عن شغف أصيل بخدمة الطفولة والمجتمع.
العودة إلى الوطن والعمل الجامعي:
بعد إنهاء دراسته في ألمانيا عاد إلى المملكة، فالتحق بكلية الطب بجامعة الملك فيصل (جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل حالياً)، وعمل في مستشفى الملك فهد الجامعي بالخبر. تدرج في مناصبه الأكاديمية حتى حصل على درجة الأستاذية (بروفيسور) بجدارة، ليصبح أحد أعمدة التعليم الطبي في الوطن.
لم يكن مجرد أستاذ جامعي، بل مربياً موجهاً، حمل همّ بناء جيل من الأطباء الأكفاء، وغرس فيهم قيمة الإنسانية إلى جانب المعرفة.
بصماته البحثية والعلمية:
• أنجز العديد من الأبحاث العلمية المحكمة في مجال طب الأطفال وأمراض الدم.
• خصّص جهده لدراسة فقر الدم المنجلي، أحد أكثر الأمراض الوراثية انتشاراً في المنطقة الشرقية.
• قدّم مقترح الفحص الطبي قبل الزواج إلى وزارتي الصحة والعدل، وهو المقترح الذي تحول لاحقاً إلى تشريع وطني أنقذ آلاف الأسر من المعاناة.
• حصل على دعم من مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية لتمويل مشروع بحثي كبير بقيمة 4 ملايين ريال حول أمراض الدم الوراثية.
• أجرى مقارنة تاريخية وعلمية بين مرض فقر الدم المنجلي في المملكة ونظيره في إفريقيا، مما وضع الطب السعودي على خارطة البحث العلمي العالمي.
دوره الإقليمي والعالمي:
• ترأس لجنة تقييم المستشفيات في الوطن العربي لثلاث سنوات متتالية.
• مثّل المملكة في مؤتمرات طبية دولية، ناقش خلالها قضايا صحية مؤثرة تخص الأطفال وأمراض الدم.
• حاز اعترافاً دولياً بفضل إسهاماته العلمية في فهم أمراض الدم السرطانية والوراثية.
بعد التقاعد والعيادة الخاصة:
لم يتوقف عطاؤه عند حد التقاعد، بل افتتح عيادة خاصة للأطفال في القطيف، واصل من خلالها رسالته الطبية. كانت عيادته إضافة نوعية، إذ جمعت بين خبرته الأكاديمية الطويلة وممارسته العملية اليومية، فكان ملاذاً للمرضى وأهاليهم.
شهادات في حقه:
• الدكتور حسن البريكي وصفه بأنه طبيب عالم جسور ورائد في البحث العلمي، وصديق وزميل ووطني مخلص.
• الدكتور محمد سعيد آل مدن رآه أستاذاً ملهماً لم يبخل يوماً على طلابه وزملائه بالنصح والإرشاد.
• الدكتور عبدالجبار آل محمد حسين أكد على طيب أخلاقه وروح القيادة والفكاهة التي ميّزته.
• الدكتور عبدالله العبيدان اعتبره من أقدم وأمهر أطباء الأطفال في المملكة، وصاحب إضافة كبرى للمجال الطبي والقطاع الخاص.
الإرث العلمي والإنساني:
ترك الدكتور العوامي وراءه:
1. أجيالاً من الأطباء الذين تتلمذوا على يديه.
2. أبحاثاً رائدة في مجال أمراض الدم الوراثية.
3. تشريعات وطنية غيّرت وجه الرعاية الصحية في المملكة.
4. سمعة طيبة كشخصية أبوية إنسانية جمعت بين التواضع والعلم.
الختام:
رحل البروفيسور باقر العوامي، لكن أثره باقٍ. سيظل اسمه محفوراً في ذاكرة الوطن كرمز للعطاء العلمي والإنساني، وكأحد مؤسسي مدرسة طبية رائدة في طب الأطفال وأمراض الدم الوراثية. فقد جمع بين العلم والإيمان بالإنسان، وكان منارةً مضيئةً في تاريخ الطب السعودي.
أيها الطبيب الإنسان، أيها العالم الجليل، أيها الأب الحاني…
رحلت اليوم يا بروفيسور باقر العوامي، لكنك تركت في قلوبنا سيرةً لا تُمحى. كنت للمرضى عوناً، ولطلابك معلماً وهادياً، ولزملائك أخاً وصديقاً.
سلام على روحه الطاهرة، ووفاء لذكراه، وتقدير لعطائه الذي لا يُنسى.

العربية























