Sabitlenmiş Tweet

كان يعيش مع زوجته عيشة هادئة لا تطمح إلى أكثر من انتظام الأيام. يخرج إلى عمله كما يفعل الناس، ويعود مع المساء ليجلس إلى مائدة صغيرة لا يتغير فيها شيء. لم يكن كثير الكلام، لكنه كان مطمئنّ النفس، يكتفي بصمت يشعر زوجته بأن قلبه ساكن لا يعصف به شيء.
حتى جاء الليل الذي بدّل ملامح حياته.
استيقظ من نومه على كلمة قصيرة سمعها كأنها نطقت قرب أذنه، ثم فُصل عنها في لحظة. فتح عينيه، نظر حوله، فلم يجد أحدا. ظن أنه حلم عابر، فأعاد رأسه إلى الوسادة، لكنه ظل مستيقظا حتى الفجر.
تكرر الأمر في الليالي التالية.
مرة يسمع اسمه، ومرة يسمع جملة لا تكمل نفسها.
لا ضجيج في البيت، ولا حركة غير مألوفة؛ لكن الصوت يأتي، يقطع سكون رأسه، ويغيب.
في العمل بدأ يفقد تركيزه. يقرأ السطر ثم يعود إليه كأنه لم يمر عليه من قبل. يجلس إلى مكتبه، فيسمع كلمة لا يعرف مصدرها، فيتلفت بلا جدوى، ثم يطوي الورقة أمامه كأنها صارت أثقَل من قدرته على حملها. زملاؤه لم يلاحظوا شيئا، فقد كان يخفي اضطرابه في هدوء متعمّد.
لكن الليل كان يكشف كل شيء.
كانت زوجته تحدثه، فيتوقف فجأة، ويتجمد بصره عند نقطة في الجدار. تسأله: “ما بك؟”
فيجيب
“لا شيء.”
غير أن ملامحه كانت تقول إن شيئا يتسلل إلى أعماقه ويأخذه بعيدًا عنها للحظات لا يملك السيطرة عليها.
وذات مساء، بينما كان جالسا في غرفة المعيشة، سمع الصوت بوضوح حادّ لم يعرفه من قبل. لم تكن كلمة مبعثرة، بل أمرٌ قاطع لا يشبه أفكاره:
“انهض.”
تصلّبت يداه.
وتبدلت أنفاسه.
وزوجته رأت في عينيه نظرة رجل يسمع ما لا يسمعه البشر.
بعدها بدأت الأفكار الغريبة تسبح في رأسه:
صور قصيرة تظهر وتنطفئ، جمل تتكون دون إرادته، إحساس بأن جزءا من ذهنه يتحرّك في اتجاه لا يستطيع أن يدركه. كان يستيقظ كل صباح وهو يشعر أن عقله لم يعد يتّسق معه، وأن شيئًا داخله يسير وحده.
وذات ليلة، جلس على الأرض وأسند رأسه إلى الجدار، ثم قال لزوجته بصوت لم يعتد أن يسمع نفسه به:
“أفكاري لم تعد لي.”
لم يكن يشتكي… بل كان يعترف.
وحين سقط فجأة في منتصف الصالة، واضعا يده على رأسه كأن جدارا ينهار فوقه من الداخل، حملته زوجته إلى الطوارئ. لم يستطع أن يشرح شيئًا، ولم يطلب شيئا. كان صامتا، وعيناه معلقتان في فراغ لا يراه أحد سواه.
بعد أسئلة قليلة، قال الطبيب النفسي لزوجته بلهجة لا تحتمل التأويل:
“هذه بداية ذهان اكتئابي… يجب إدخاله إلى القسم فورا.”
ومنذ تلك الليلة صار يمشي في الممرات البيضاء، يسمع خطوات الممرضين، ويحاول أن يميز بين الصوت الذي ينبع من داخله والصوت الذي يجيء من العالم. لم يفقد عقله، لكنه فقد تماسكه القديم، وصار يتعلم كل يوم كيف يصنع مسافة بينه وبين الأصوات التي تحاول أن تستولي عليه.
كان رجلا ينهار من الداخل، لا من ضعف، بل من شقٍّ خفيّ في أعماقه اتّسع حتى صار لا يطاق، فحملته زوجته إلى المكان الوحيد الذي يستطيع أن يسترد فيه ما بقي من نفسه… قبل أن يضيع كلّه.
القصة مكتوبة بأسلوب نفسي درامي
Sabah Al Salem, Kuwait 🇰🇼 العربية




























