حباب بن عماش
5.7K posts


حلوة اللبن! رأيت بعض الناس يقول هذه الكناية عن أمه، وهي كناية عامية ردئية.. ويكفيها قبحا اشتراكها في الكناية عن الناقة والعنز! وأنها قد تستدعي تلك الصفة الآن في ذهن السامع لهذه الكناية! والكناية الفاخرة للأم والأب هي ما يدل على تبجيل وتقدير، أو جمال ورحمة، ورفق ورقة، تناسب مقامهم، ومن جميل ذلك، ما ذكره الثعالبي: «وكثيرًا ما يكنى ابن العميد والصاحب والصابئ وعبد العزيز بن يوسف -وهم بلغاء العصر وأفراد الدهر- عن البنت بالكريمة، وعن الصغيرة بالريحانة، وعن الأم بالحُرة والبَرة، وعن الأخت بالشقيقة، وعن الزوجة بكبيرة البيت، وعن الحُرَم بمن وراء الستر، وعن الزفاف بتأليف الشمل واتصال الحبل.. -ثم ذكر تعزية كتبها أبو النصر العتبي- وقد قرع الاسماع نفوذ قضاء الله، فيمن كان البيت معمور ببقائها، مصعد الدعوات المقبولة، ومهبط البركات المأمولة». «الكناية والتعريض» ص١٩. ومن الكنايات عن الوالدين ما جاء في الحديث: «الوالد أوسط أبواب الجنة».. وقس على ذلك أمثاله؛ كقولهم: جمال البيت وبركته، بهجة الدار وسكينتها، فيض الحب والحنان، نسيم العافية والسكينة.. تذييل قال عبدالقاهر الجرجاني: «قد أجمع الجميع على أن الكناية أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من التصريح». «ليس المعنى إذا قلنا: إن الكناية أبلغ من التصريح، أنك لما كنيت عن المعنى زدت في ذاته، بل المعنى أنك زدت في إثباته، فجعلته أبلغ وآكد وأشد. فليست المزية في قولهم: «جم الرماد»، أنه دل على قرى أكثر، بل المعنى إنك أثبت له القرى الكثير من وجه هو أبلغ، وأوجبته إيجابا هو أشد، وادعيته دعوى أنت بها أنطق، وبصحتها أوثق». «أما الكناية، فإن السبب في أن كان للإثبات بها مزية لا تكون للتصريح، أن كل عاقل يعلم إذا رجع إلى نفسه، أن إثبات الصفة بإثبات دليلها، وإيجابها بما هو شاهد في وجودها؛ آكد وأبلغ في الدعوى من أن تجيء إليها فثبتها هكذا ساذجا غفلا. وذلك أنك لا تدعي شاهد الصفة ودليلها إلا والأمر ظاهر معروف، وبحيث لا يشك فيه، ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط». «دلائل الإعجاز» ص٧٠.





















