د. آلاء بنت أحمد العراجة ❤️
540 posts

د. آلاء بنت أحمد العراجة ❤️
@dr_alllo1
دكتوراه الفلسفة في الدراسات الأدبية ❤️
Kingdom of Saudi Arabia Katılım Eylül 2017
25 Takip Edilen129 Takipçiler
د. آلاء بنت أحمد العراجة ❤️ retweetledi

لم يكن قرار #جامعة_الملك_سعود بإلغاء برامج #اللغة_العربية، والتاريخ، والجغرافيا، و #علم_الاجتماع مجرد تعديل أكاديمي عابر؛ بل هو قرار يكشف خللًا عميقًا في المعيار الذي تُقاس به قيمة التخصصات. فحين تُطالَب الجامعة بأن تبرر وجودها فقط بقدرتها على ضخّ يدٍ عاملة سريعة التوظيف، فإننا لا نكون أمام جامعة بالمعنى الحضاري، بل أمام خط إنتاج كبير.
إن المعيار الذي يُسوَّق اليوم تحت عنوان "المواءمة مع سوق العمل" ليس بريئًا؛ فهو في جوهره نتاج للرؤية الاقتصادية النيوليبرالية التي لا ترى للعلم قيمة إلا إذا تُرجم مباشرةً إلى وظيفة وراتب وعائد. وبهذا المنطق تُدفَع التخصصات التي تحفظ اللغة، وتصون الذاكرة، وتبني الوعي، وتفسر المجتمع، إلى الهامش، مع أنها من صميم ما تقوم عليه الأمة في وعيها بذاتها وتماسكها الثقافي وقدرتها على فهم مجتمعها وإدارته.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن يعبّر عدد من المثقفين والإعلاميين عن قلقهم من هذا المسار، ومن أبرزهم @alshiriandawood و@dr_fahad_harthi و@albazei؛ لأن القضية ليست إلغاء برامج هنا أو هناك، بل تتعلق بتصور معنى التعليم العالي نفسه: هل الجامعة مؤسسة لتشكيل الإنسان والمجتمع والدولة، أم مجرد آلة لتلبية الطلبات العاجلة لسوق الوظائف؟
وهنا تبرز الفكرة الحاسمة التي طرحها الأستاذ الدكتور عبدالله البريدي في مفهوم "سوق المجتمع" بصفته أوسع وأعمق من "سوق العمل". فالمؤشر الحقيقي لجدوى التخصص ليس عدد الوظائف السريعة التي يتيحها، بل مقدار ما يضيفه إلى المجتمع والدولة. فثمة تخصصات تحفظ اللغة، وأخرى تصون التاريخ، وأخرى تعمق فهم الجغرافيا، وأخرى تفسر البنية الاجتماعية، وكلها تؤدي وظائف لا تقل أهمية عن الوظيفة الاقتصادية.
إن "سوق المجتمع" هو المؤشر الحقيقي؛ لأنه لا يسأل فقط: أين سيعمل الخريج؟ بل يسأل أيضًا: ماذا سيبقى في المجتمع إذا غابت هذه المعرفة؟ من يحفظ اللغة؟ من يصون الذاكرة التاريخية؟ من يفسر التحولات الاجتماعية؟ فالمجتمع لا يعيش بالوظائف وحدها، بل يعيش كذلك بالهوية والوعي والذاكرة والقدرة على فهم نفسه.
ومن هنا فإن إلغاء العربية، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم الاجتماع ليس مجرد تقليص لتخصصات أكاديمية، بل مساس مباشر بالأدوات التي يقرأ بها المجتمع ذاته. وحين تُهمَّش هذه العلوم باسم السوق، فنحن لا نربح كفاءة تعليمية، بل نخسر البوصلة التي تعرّف الأمة بنفسها، ونخسر وظيفة الجامعة بصفتها عقلًا للمجتمع لا مجرد ذراع اقتصادي للتوظيف.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: أيُّ تخصص يفتح باب التوظيف أسرع؟ بل: أيُّ تخصص يبني مجتمعًا أقدر على البقاء، وأعمق وعيًا بذاته، وأرسخ اتصالًا بهويته؟ وعند هذا الميزان يتضح أن "سوق المجتمع" لا "سوق العمل" هو المعيار الأجدر بأن تُقاس به التخصصات؛ لأن الجامعة التي تتخفف من لغتها، وتاريخها، ومعرفتها بمجتمعها، قد تحرز موقعًا متقدمًا في مؤشرات التوظيف وتصنيفات الجامعات، لكنها في المقابل تخسر جوهرها وروحها.
العربية
