
السلطة في أزمنة الحرب والسلم
قبل ساعات، خرج وزير الإعلام بول مرقص على شاشة «الجديد»، في صباحٍ يومٍ مُثقلٍ بدماءٍ لم تجف بعد، جنديان من الجيش اللبناني، سبعة من رجال الإسعاف، الصحافية فاطمة فتوني وشقيقها المصوّر محمد، والصحافي علي شعيب وعشرات...
خطابٍ باهتٍ، مُفرغٍ من أي إحساسٍ بالكارثة، خطابٍ لا يليق لا بموقعه ولا بلحظةٍ وطنية يُفترض أن تكون فيها الكلمات بقدر الدم المسفوك،حتى بدا وكأنه وزيرٌ في جمهوريةٍ متخيّلة، لا في وطنٍ يُذبح على الهواء مباشرة.
ما يجري لم يعد تقصيراً يُلتمس له عذر، بل سقوطٌ مكتمل الأركان،
سلطةٌ تخلّت عن جوهر وظيفتها، عن معنى أن تكون دولة، واكتفت بإدارة الفراغ عبر المحاصصة وازدواجية المواقف والنفاق السياسي.
سلطةٌ بأقنعةٍ متعددة، لم ولن تجرؤ على مصارحة شعبها، ولا تملك شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها، فتُدير الكارثة ببياناتٍ خشبية، فيما الواقع ينهار.
سلطةٌ أرسلت الجيش إلى جنوب الليطاني لتعلن الأرض “نظيفة”، ثم طلبت منه الانسحاب عند أول اختبارٍ حقيقي، تاركةً خلفها فراغاً يملؤه القتل والدمار.
سلطةٌ تتخبّط حتى في قراراتها السيادية،تُنسّق طرد سفير، ثم تتراجع همساً، وتطلب منه البقاء، في مشهدٍ يلخّص دولةً فقدت قدرتها على اتخاذ قرارٍ واحدٍ واضح.
أما في إدارة الكارثة، فالمشهد أكثر فداحة ،
لجانٌ بأسماءٍ كبيرة وأداءٍ هزيل، ووزارةٌ تُدعى “شؤوناً اجتماعية” وقد تخلّت عن أبسط واجباتها،
نازحون تُركوا لمصيرهم، بلا تنظيم، بلا حماية، بلا مأوى، فيما المجتمع وحده يرمّم ما تهدّم بما تيسّر من كرامةٍ وتكافل.
في لحظةٍ كان يُفترض أن تكون فيها الدولة مظلّة، تحوّلت إلى عبءٍ إضافي، إلى ثقلٍ يضغط على الجرح بدل أن يداويه،
هذا ليس مشهداً عابراً، ولن يُطوى في زوايا النسيان،فالتاريخ لا ينسى لحظات التخلّي، كما لا يغفر لمن اختار الوقوف على التلّ فيما الناس تُذبح.
سيأتي وقتٌ تُفتح فيه هذه الصفحات بلا مواربة، ويُسأل فيه كل من جلس في موقع المسؤولية، أين كنت حين كان الوطن يُستباح؟ وماذا فعلت حين كان الدم يُراق؟
والأهم هو ماذا فعلت هذه السلطة من خطوات إستباقية لتجنيب البلد ما كان متوقعاً؟!
هناك، لن تنفع البلاغة، ولا البيانات، ولا الأعذار،
هناك فقط، يُوزن الرجال بمواقفهم…
ويُعرف من كان على قدر المسؤولية، ومن كان شريكاً في الجريمة.
العربية