Sabitlenmiş Tweet

يجب أن أُثني عليكِ يا جدتي بعد رحيلكِ عنا بكلامٍ كنتُ قد جهزته منذ الصغر خوفًا من هذا اليوم. يشهد الله أن رحيلكِ عنا كرحيل الرسول عن الصحابة. يشهد الله أنه منذ الصغر، إلى بعد أن أجريتُ عملية تصحيح النظر التي كنتِ مساهمةً فيها، وكانت إحدى أمنياتكِ أن يعود لي نظري، أني عندما أكون بجوار منزلكِ، ألتفت إليه، ذلك المنزل الذي كبرنا فيه، أنظر وأنا أبحث عن تلك الروح التي حملتني، وأطعمتني، وأكرمتني، والتي كلما رأتني تبتسم وتنادي عليّ: (تعال يا حبيبي)...
لم أعد أرى هذه التعابير، ولا المحبة، ولا الضيافة، ولا الشوق، حتى لو غبتُ عنكِ خمس دقائق ورجعتُ، تعاملينني نفس المعاملة الأولى. منذ الصغر، كنتُ إذا نزلتُ من داري جائعًا أو جيوبي خالية، كنتُ أعود شبعانًا وفي جيبي المال.
حتى قبل وفاتكِ يا حبيبتي، كنتِ السند الأول للعائلة، ولي شخصيًا. كنتِ تعرفين ما في بالي قبل أن أبوح لكِ به. كنتِ ملاذي بعد الله، ثم أمي. كنتِ تستمعين لكلامي كله حتى لو لم تفهميه، وكنتِ تُنصتين لي حتى أنتهي، وتعبّرين عن فرحكِ لفرحي.
والله ما شهدتُ عليكِ غضبًا، ولا بخلًا، ولا حقدًا. وكنتِ إذا ذكرتُ اسم شخصٍ قد فعل سوءًا، تردين عليّ: (ما بدنا نغتاب حدا، الله يهديه)، وتعلمتُ هذا الكلام منكِ وأستخدمه دائمًا.
كنتِ يا جدتي أمًا من بعد أمي. كنتِ تدعين لي دائمًا أن يُيسر الله لي العمل الذي أرتاح به، وتدعين لي بتيسير طريقي، ولكن أشعر أن الطريق قد انقطع أمس...
كنتُ في كل عيد، وكل رمضان، وكل مناسبة، وكل إصابة ما بعدها سلامة، أضمكِ، وأقبّل يدكِ ورأسكِ، ورائحتكِ لا تزول عن أنفي. وما شهدتُ على وجهكِ إلا الابتسامة الطيبة، وما شهدتُ على يدكِ إلا العطاء والشفاء (بإذن الله)، وما شهدتُ على لسانكِ إلا الكلام الحسن وذكر الله ورسوله، وما شهدتُ على أقدامكِ ويديكِ إلا للعبادة والدعاء.
كنتِ روحًا لم نشهد مثلها في زماننا هذا. شهدتُ عليكِ وأنتِ تعالجين الأطفال الغرباء (بإذن الله) لله ودفع البلاء، وشهدتُ ضيافتكِ للغريب قبل القريب، وما رأيتُ هذا عند أحد.
في مجتمع الرجال الذي عشتُ فيه، كانوا يتفاخرون بمراجلهم وعلمهم بعلوم الرجال، ولكن ما رأيتُ رجلًا لديه صفاتكِ، فهنا أعلم أنكِ غلبتِ النساء والرجال في أخلاقكِ وعطائكِ.
في آخر أيامكِ، وأنتِ في المشفى ومغمىً عليكِ، كانت رقبتكِ مكشوفة، وكنتُ أُغطيها لأنني أعرفكِ كم كنتِ تخجلين، وأنكِ تحبين التستر، حتى مني كنتِ تخجلين أن تكشفي عن رأسكِ، وهذا وحده شهادة على طاعتكِ لله ورسوله.
من كان يتصور أن تكون امرأة سندا ل9 عائلات و 3 أجيال
والله يا حبيبتي يا جدتي، لأُحدث أطفالي عنكِ إذا رزقني الله، والله لتكونين في القلب قبل أن تكوني في البال، والله لأحاول قدر الإمكان أن أتبع نهجكِ وطاعتكِ لله، وأن أُربي أولادي وأحفادي على نهجكِ.
كنتِ أنتِ مجلسنا وسعادتنا و قلبنا الذي ينبض حبًا لكِ. كم سأشتااااق، كم سأشتااااق، كم سأشتااااق يا فلذة كبدي...
والله لو كنتُ ملحدًا لآمنتُ بالجنة كي ألقاكِ. كنتُ دائمًا أزوركِ، وأنتظر ابتسامتكِ وضيافتكِ، وأسألكِ إن كنتِ تريدين أن أشتري لكِ الخبز...
من سأزور بعدكِ؟ من سأنتظر ابتسامته بعدكِ؟ من سوف يودعني كتوديعكِ؟ كيف سأشتري لكِ الخبز وأنتِ في القبر؟ والله عقلي لا يتحمل أنكِ قد فارقتِني...
كيف فارقتِني من غير أن تودعيني توديعكِ لي دائمًا...
وداعًا يا ماء الحياة، وداعًا يا أمًا لم تُنجبني، وداعًا يا أم الكرم والصيت.
.
.
.
اللهم احشرني مع جدتي في الجنة ولو كانت بأقل الدرجات، اللهم في ضيقتي اجمعني مع جدتي، وأن ألقاها لقاءً يليق بعظمتك يا الله.
من شرف الدين إلى بدرية عبدالله الطاهات.


العربية


















