3S
17.1K posts


تحليل استراتيجي ضياع البوصلة: لماذا تنازلت جامعة الملك سعود عن استقلالها الفكري لصالح المستشار الأجنبي؟ ما نراه اليوم يعبر عن أكثر القضايا جدلية في فلسفة الإدارة الحكومية الحديثة، الصدام بين النموذج التكنوقراطي وبين الإرث المعرفي. ما يحدث في جامعة الملك سعود حاليا برهان ساطع لفشل نموذج الإبلاغ الإداري (Top-down) في تنفيذ الخطط الاستراتيجية. التحليل الاستراتيجي لهذا المشهد: أولاً: نموذج (Top-down) في إدارة المعرفة يعتمد على فرضية أن القمة تملك الحقيقة، والقاعدة عليها التنفيذ، ربما ينجح في المشاريع الإنشائية أو التقنية، لكن في البيئة الجامعية، هذا النموذج فاشل بامتياز للأسباب التالية: 1.تهميش القاعدة: الجامعة ليست "شركة" يُلغى فيها خط إنتاج بقرار إداري، الجامعة مجتمع معرفي. غياب الحوار مع الأكاديميين والطلاب (Bottom-up) قبل صدور القرار جعلهم يشعرون بأنهم أدوات تنفيذية لا شركاء في المصير، مما خلق حالة من المقاومة السلبية أو الاحتقان الصامت. 2. أزمة المعنى مقابل الأرقام: الإدارة العليا تنظر للتخصصات الملغاة بإعتبارها تكلفة مالية، بينما يراها الأكاديمي والمجتمع كحارس للهوية. نموذج (Top-down) لا يملك مفردات لشرح المعنى، لذا سقط في فخ البيان الجاف الذي لم يقنع أحداً. ثانياً: معضلة الاستعانة بـ (BCG) هنا نصل إلى النقطة الأكثر إثارة للجدل. الاستعانة بشركات استشارية عالمية مثل Boston Consulting Group في قرار يتعلق بالهوية الوطنية يطرح تساؤلات عميقة: 1. الاستلاب المعرفي (Epistemic Outsourcing): عندما تُحيل جامعة عريقة قراراً مصيرياً لجهة خارجية، فهي تعترف ضمنياً بفشل أجهزتها الداخلية في التفكير الاستراتيجي. كيف لجامعة تضم آلاف الأكاديميين في الإدارة والاقتصاد أن تعجز عن صياغة خطة تطوير تخصصاتها وتلجأ لشركة استشارية أجنبية ؟ 2. المنطق المعلب (One Size Fits All): شركات مثل (BCG) تستخدم نماذج رياضية لتحسين الكفاءة (Efficiency Optimization). الشركة بارعة في قص الزوائد، لكنها عمياء عن الخصوصية الثقافية. بالنسبة للمستشار الأجنبي، التاريخ هو مجرد سطر في ميزانية، بينما بالنسبة للمجتمع هو جذور راسخة في الأعماق. 3. الهروب من المسؤولية: أحياناً يكون اللجوء لشركة استشارية درعا واقيا للإدارة من السخط واللوم عند الفشل في المستقبل، وهذا يضعف القيادة الأخلاقية للجامعة أمام منسوبيها. ثالثاً: لماذا لم تنجح الخطة في الاختبار الشعبي؟ الشركات الاستشارية تبيع حلولاً اقتصادية، لكنها لا تبيع قبولاً إجتماعياً، الجامعة استعانت بالشركة لاتخاذ هذا القرار، وأهملت الاعتبارات الإنسانية، نتيجة لذلك وقعت هذه الأزمة الإتصالية. رابعاً: المعالجة الاستراتيجية كان ينبغي على جامعة الملك سعود، بكونها بيت الخبرة الأول في المملكة، أن تقود التحول بنفسها لا أن تُقاد من مستشار أجنبي، وذلك عن طريق تنظيم تشكيل لجنة داخلية من حكماء الجامعة في تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية لصياغة نموذج وطني للتطوير، يجمع بين متطلبات السوق وتقدير المعارف الوطنية، بعد ذلك إقامة ندوات علنية داخل الجامعة لمناقشة التحديات. عندما يشعر الأكاديمي أن صوته مسموع، سيقبل القرار التنظيمي بصدر رحب. المستشار (BCG) اقترح الإلغاء لأنه الأسهل محاسبياً، أما المستشار الوطني سوف يقترح الدمج، وبذلك نحافظ على التخصص مع تلبية حاجة السوق. كلمة أخيرة: الجامعة التي كانت تدرّس لعقود كيفية بناء الخطط، تجد نفسها اليوم عاجزة عن تخطيط مستقبلها. ما جرى خلال الأيام الماضية هزيمة للبيروقراطية الجامعية أمام المنطق التجاري البليد، الجامعة التي عمرها 70 عاماً كان ينبغي أن تكون هي من يقدم الاستشارات لشركات مثل (BCG) في كيفية التعامل مع الأبعاد الثقافية للمجتمع السعودي، لا أن تتحول إلى عميل ينفذ توصيات صادمة لمنسوبيها وعراقتها التاريخية. الخطورة ليست في الاستشارة، إنما في تعامل المستشار الأجنبي مع الجامعة كمصنع متعثر يحتاج لتقليص النفقات (Cost Cutting)، بينما الجامعة كيان تعليمي حضاري. هذا القرار تحول إلى غطرسة إدارية غير مقصودة. عندما يُتخذ قرار إلغاء تخصصات في الغرف المغلقة ثم يتسرب للجمهور، أنت لم تستهدف التخصصات فقط، بل جرحت كرامة الأكاديمي. لو كانت الجامعة تثق في دراسة (BCG)، لنشرت ملخصاً تنفيذياً، ونظمت نقاشاً مفتوحا، لكنها اختارت المضي قدما، وانفجرت الأزمة الاتصالية التي تعكس ردود الأفعال من مجتمع أكاديمي يشعر بأنه جرى تهميش خبراته لصالح العيون الزرقاء للمستشار الأجنبي. الجامعة بدت وكأنها تعمل ضد مشاريع الرؤية التي تركز على الاستثمار في كنوز التاريخ في الدرعية والعلا، وهذا هو الخطأ القاتل الذي جعل هجوم المعارضين يجد صدىً واسعاً، لأنه كشف هذا التناقض. #media_compliance


