بارود retweetledi

عندما وصلتُ إلى فاتحته لم أجد في الخيمة مُعزين، كان هناك رجلان طاعنان في السن يجلسان بعيداً، وإلى جوارهما بضعة صبية يضعون على وجوههم ملامح حزن مستعارة، وحده صوت نامق مصطفى كان يملأ الچادر، حتى بدا كأنه يزيده جمالاً ووحشة في آن واحد.
كان عباس وحيدَ أمه، يعيشان في بيت للإيجار، ليس سوى غرفة صغيرة ومرافقها، تعلوها بقايا سعف يابس أكلته شمس الصيف.
لم يكن عباس يعرف شيئاً عن الدين، ولا عن صفين والجمل والنهروان، لم تكن تلك المعارك تعنيه أصلاً، كان يعرف معركة واحدة فقط، الإيجار الذي يأتي مع مطلع كل شهر كضيف ثقيل لا يتأخر أبداً.
في مجلس العزاء بدت أمه ككتاب انتهت قراءته وأغلقت صفحاته الأخيرة، ولم تعد تجد سبباً لمواصلة الحكاية. كان الجيران يجمعون لها بعض النقود، ووعدها صاحب البيت ألايطالبها بالإيجار بعد اليوم، وربما لو قرر ذلك قبل أشهر، لما اضطر عباس إلى الذهاب طالباً إلى سبايكر.
أحياناً عندما أفكر في الموت، أتمنى أن ينتهي الأمر بجلطة أو سكتة قلبية هادئة، أما أن تضطر إلى المساومة على موتك، كما تساوم على قميص في سوق شعبي، راجياً البائع أن يخفض السعر، فذلك هو الحزن الحقيقي.
لم يكن عباس يعرف شيئاً عن الفلسفة ولا عن معنى الموت، كان يعرف فقط أن كل شيء في حياته قابل للتفاوض، أجرة البيت، ثمن الخبز، دين البقال، وحتى موعد دفع فاتورة الكهرباء.
لذلك عندما وقف أمام قاتليه وسألهم: أليس فيها تسهيل؟ لم يكن يقول شيئاً غريباً، كان يفعل ما فعله طوال عمره، يحاول أن يشتري لنفسه أياماً أخرى.
لكنه اكتشف متأخراً أن الموت ليس صاحب بيت يمكن استرضاؤه، ولا بقالاً يعرفه منذ سنوات، ولا دائرة حكومية تقبل الواسطة.
الموت وحده لا يعترف بالفقر، ولا يسمع التوسل، ولا يمنح أحداً شهراً إضافياً للبقاء.
ولهذا مات عباس كما عاش، واقفاً على باب مغلق، يطلب مهلة أخيرة.
-النص ليس لي.

العربية





















