المنعطفات هي من تجعل للمسير معنى،لو كان كل شيء مستقيماً لما تجرّأنا على الحلم، ولما عرفنا كيف نستعيد توازننا بعد الانحناء. المنعطف يمنحنا فرصة أن نرى العالم من زاوية أخرى، أن نكتشف أن النهاية قد تكون بداية أخرى، وما الحياة سوى سلسلة من المنعطفات كل واحد منها يسألنا : "هل ستكمل"؟.
مكاتيب :
- الغرباء أمثالنا، لا يحتاجون لخرائط، خطواتهم تكتبهم، وتمحوهم في اللحظة ذاتها.
- أجابه الآخر، وهو ينظر إلى كفّيه كـ من يقرأ كتاباً:
نحن نعيش حتى نعبر، لا لـ نتذكّر ..
العبور حرية، والتذكّر سجن .
الأرواح العظيمة لا تُمحى، بل تتناسخ في وجوه الأبرياء وتستمر. الموت لا يملك السيادة الكاملة على الراحلين، فالمحبة أوسع من التراب، والروح حين تفيض بالخير والمعرفة تبقى فينا وتتجاوزنا، شاهدة أنّ الخلود أثر لا جسد.
مكاتيب :
- عدتَ!؟
- "توفّيت أمّي".
- "كنتَ تستطيع أن تخبرني، لم أكن سأهرب من الحزن"..
- "لم أرد أن أربطك بمرض، ولا أن تصبح رسائلك تعزية متكررة".
- "كان يمكن للحب أن ينجو لو عرفتَ كيف تمرض معي، لكنّك فضّلت أن تموت وحدك، فـ تعافيتُ وحدي".
يُعذَر الإنسان على مغامراته في عمر مبكّر من حياته، ويعفى من صرامة الحساب على سوء اختياراته، ذلك لأنّ الدخول في بعض التجارب يشترط انعدام الخبرة ، وبذات الوقت، الخبرة مستحيلة دون التجربة.
الحكاية تُكتب من نبض الشارع، فالمثقفون الذين خلّدهم فنّهم دخلوا أعماق حرّاس المقابر وعمّال النظافة وحياة البدو وعمق القرى وصخب المدن الكبرى وقرأوا حتى القصاصات التي تأتي بها الرياح .
وكما قال عبدالوهاب المسيري رحمه الله:
"المثقف مكانه في الشارع يعيش بين الناس ويموت بينهم".
العلاقات جغرافيا، والصداقة تاريخ
من أجمل ماقال ياسر الحزيمي
القصد من مقولته أن العلاقات شاملة وواسعة وممتدة مثل الجغرافيا، ولكل علاقة درجة قُرب وبُعد، أما الصداقة فتقاس بالمواقف التي تؤسس لتاريخ .
سألبس معطف الشتاء كأني ألبس ذكرى مقدسة، لا أشعر بالدفء، كل مافي الأمر أن الحنين يتهاطل داخلي بشدة، تغريني بصماتي التي أدسّها عمداً في صوري، حتى نجمع مزيداً من الحطب ندّخره لشتاء يستيقظ فينا متأخراً، ليست قصة ذكرى، بل انصهاري فيك الذي لا تفهمه العلوم والمسافات.
أقرأ عن أي شيء ولأي أحد، القصاصات الصغيرة، الجرائد القديمة، الكتب العالمية، وتلك التي على البسطات في الشوارع، وتلك المغبرّة في المكتبات، وحتى تلك المملوءة بالأخطاء اللغوية، الشاهد أنني أبحث عن تلك التي تطرح السؤال لا تلك التي تقدّم الإجابة، فمن يُلبسك ثيابه ربما يُعرّي نصف جسدك .
تنضم كل الطرق المتشعبة في طريق واحد باتجاه واحد، تنتهي زوبعة العواطف، ويغوص التوهج للعمق كالبركان الخامد .
هناك من يستمد قوته من العزلة، عندما يلجأ إلى كهف الصمت تنفتح أمامه نوافذ النور فيرى العالم أكثر وضوحا، هو لم ينسحب بل سحب العالم إلى ذاته.
المسافة من العالم ضرورية فعلاً .
في مرحلة عمرية تمتد من المراهقة لمنتصف العشرينات يكون الإنسان أكثر تأثراً لما يدور حوله، يكون تأثير الأشياء عليه قويا ثم يبهت تدريجيا إلا بشكل عابر. الإنسان يكبر ويختلف إحساسه، يتغير، لكن أبداً لا ينسى نكهة الشعور الأول،قد لا ينبهر بالشيء مرة ثانية، لكن لن ينسى انبهاره الأول فيه.
حين تهمّ بوضع حدّ بينك وبين شيء ما، يجدر بك أن تتمهّل قليلا، فالحدود ليست جدراناً تُرفع فور ذهاب الغضب؛ بل تعلّمك كيف تبقى دون أن تُستنزف مرة أخرى . وضع الحدود فعل وعي لا فعل هرب، وقرار بصيرة أكثر منه شجاعة، ففي كل حدّ ترسمه انعكاس لما تريد أن تظلّ عليه، لا لما تودّ التخلّص منه .
الذاكرة البشرية لو كانت تسجّل بطريقة ذاكرة الكاميرا لاحتاجت لمساحات تخزين هائلة، ولذلك الإنسان ينسى وهنا تأتي حكمة الله في الخلق.
الإنسان لا يستطيع تحمّل إعادة تدوير اسطوانة ماضيه وخاصة الاحداث المؤلمة جدّاً لأنه لا يتحمّلها بوعيه المتعافي، وعليه، تصبح عملية النسيان نعمة حقيقية .