Sabitlenmiş Tweet

عيد فوق الركام: حين تغتال الحربُ الذاكرة والمنزل والولد
مصطفى إبراهيم
يحلّ علينا عيد الفطر الثالث ونحن مثقلون بفقدانٍ لا تسعه الكلمات. هذا العيد ليس مجرد غيابٍ للمظاهر الاحتفالية، بل هو إعلانٌ عن انكسارٍ في الروح وتشتتٍ في الشمل لم نعرف له مثيلاً قبل حرب الإبادة هذه. لقد انفرط عقد العائلة الذي كان مخيم الشابورة يجمعه بحميميةٍ فائقة، وتناثرنا في أصقاع النزوح بعد أن استهدفت آلة الدمار كل ما يمت بصلةٍ لتاريخنا الشخصي والجمعي. كل زاوية من زوايا المكان، كل ركن من أركان البيوت التي فقدناها، تحمل ذكريات صدى ضحكات الأطفال، وروائح الطعام في صباحات العيد، ودفء الأيادي التي كانت تتبادل التهاني والابتسامات.
لم يكن تدمير منزل العائلة الكبير في الشابورة مجرد انهيارٍ للحجارة، بل كان محواً للمركز الذي تدور حوله حياتنا. واليوم، تكتمل فصول الفجيعة بتدمير بيتي الشخصي وبيت ابني البكر باسل، في مدينة غزة، تلك الجدران التي شيدناها بجهد العمر، وصهرنا فيها أحلامنا، صارت الآن أكواماً من التراب. نحن اليوم جميعاً بلا مأوى، نازحون في وطننا، نبحث عن زوايا غرفنا في الذاكرة بعد أن سويت بالأرض، ونفتقد خصوصية البيت التي كانت تمنحنا الدفء في صباحات العيد. كل حركة صغيرة، كل صوت في المكان، يذكرنا بما فقدنا: صوت السلم، ضحكات الأطفال، حتى الصمت نفسه صار يصرخ بغيابنا.
المأساة لم تكتفِ بالبيوت، بل امتدت لتمحو المدن التي رسمت ملامحنا. رفح التي كانت ملاذنا، وجباليا التي كانت تنبض بالحياة؛ لقد تدمرتا بالكامل. غابت المعالم التي كنا نعرفها شبراً بشبر، ولم يعد هناك مكان نذهب إليه للعيدية على الخالات وبنات العم. لقد اغتالت الحرب تلك الطرقات التي كانت تربطنا بأحبائنا، ولم يتبقَ من جباليا ورفح وخان يونس سوى صورٍ مشوشة في الذاكرة، ووجعٍ مقيم على أطلال مدنٍ كانت تضجّ بالضحكات. كل زاوية من هذه المدن، كل شارع، كل بيت، يذكرنا بأصوات أطفالنا وأقاربنا، ويجعل الحنين يتأجج في قلوبنا أكثر.
يأتي العيد وكرسي باسل فارغ، يترك خلفه فراغاً لا يملؤه صبر. باسل، الفارس الشهم، رحل وترك في قلوبنا جرحاً مفتوحاً، وترك خلفه زوجته الصابرة التي تجرعت مرارة الفقد مضاعفة؛ فقدت والديها واثنين من إخوتها، ثم فقدت سندها. واليوم، هي وطفلتاها الجميلتان، إيلياء وسحر، يحاولن العيش في عتمة هذا الغياب، كل ضحكة أو حركة صغيرة منهن، كل لعبة، كل كلمة، تحمل شيئاً من الماضي، وتعيد إلى الذاكرة الدفء والأمان الذي كان يملأ البيت قبل الحرب.
ولا يتوقف نزيف العائلة هنا، فقد ودعنا أكثر من 109 شهيداً من الأقارب والأحبة؛ من ابني أختي، إلى خالتي فاطمة وعائلتها، وخالي وابنه وزوجته.. قائمةٌ تطول لتشمل أجيالاً مُسحت من السجل المدني وبقيت محفورة في وجداننا.
حاولنا في رمضان، ونحاول الآن في العيد، أن نستعيد شيئاً من طقوسنا القديمة. نحاول اختراع الفرح لأجل الصغار ولأجل من تبقى، لكن كل المحاولات تبوء بالفشل. نتبادل التهاني عبر الهاتف، لكنها كلماتٌ باردة تفتقد لـ حرارة اللقاء وحميمية الأحضان. كل صورة على الهاتف، كل صوت مسموع، يعيد إلى الذاكرة ما فقدناه، ويثبت لنا حجم الفراغ الذي خلفته الحرب.
إنه عيدٌ بلا روح، واحتفاءٌ منقوص، وفرحٌ مغيب قسراً. نقف اليوم وسط الشتات، بلا بيوت، وبلا مدن، وبلا أحبة، نقتات على ذكريات أعيادنا السابقة، ونتمسك بصبرٍ مرّ، منتظرين يوماً تجمعنا فيه الروح قبل الجسد، في وطنٍ لم يبقَ لنا فيه سوى الحنين. كل ذكرى ضحك، كل لحظة فرح كانت تجمعنا حول المائدة، كل نظرة حانية بين الأحبة، أصبحت اليوم جزءاً من الألم الذي نحمله في قلوبنا مع الركام والدمار.
العربية

