في النهاية
ما يبدو صلبًا هو في بعض الحالات أقصى درجات الهشاشة المغطاة بعناية. وما يبدو بُعدًا، هو أحيانًا شكل من أشكال الحماية الذاتية بعد أن ضاقت مساحات العودة
والذين تعلموا أن يتوقفوا عن الإحساس لم يتعلموا ذلك من فراغ بل من التجربة
تجربة علمتهم أن من لا يشعر . لا يُكسر بسهولة
فلا تحكم على من لا يتكلم لأنه لربما تكلم حتى تآكل صوته
ولا تلُم من لا يطلب، لأنه ربما طلب حتى فقد الإيمان بأن هناك من يُعطي . ولا تبتعد عن من يبدو لا يحتاجك لأنه ربما هو أكثر من يحتاج، لكنه لم يعد يملك طريقة للإفصاح عن ذلك
بعض من نراهم باردين، هم في الحقيقة أكثر من احترقوا. لكن نارهم أُطفئت بطريقة لم تترك إلا الرماد
وواجبنا، إن كنا صادقين ليس أن ننفخ الرماد ليعود لهبًا، بل أن نجلس إلى جانبه ونعترف بأن حتى الرماد يحمل في داخله تاريخًا من النار
وفي النهاية
إن الاستغناء ليس نكرانًا بل إعتراف. إعتراف بأن الكمال ليس من نصيب هذه الحياة وأن الإتكاء على الآخر دوماً يُرهق حتى لو بدا ضروريًا. هو اختيار لأن تحب وأنت ممتلئ لا ناقص
أن تعطي وأنت واقف لا منحنٍ فيا من علمتك الحياة أن لا أحد ينقذك سواك،
لا تخف من الإستغناء ..
دوستويفسكي كتب "أشد الناس قوة أولئك الذين يستطيعون المغادرة بصمت حين لا يعود في البقاء ما يستحق البقاء"
وهذا الصمت هو لغة المستغني. لا يشرح نفسه ولا يطلب فهمًا، لا يسأل لماذا. هو فقط ينزع عباءة التوسل القديمة، ويقف عاريًا أمام ذاته لا يخاف الوحدة بل يعرف أن التمسك لا يصنع الأمان
وهذه الحرية تأتي من الإستغناء عن التعلق العاطفي الذي يجعل من الآخر مرآة للوجود. التعلق هو القيد الذي يجعل الإنسان رهينة لتقلبات الآخرين
عبدًا لنظرات القبول أو عبارات التقدير. أما الإستغناء، فهو فكاك من هذا السجن
هو خروج متدرج من عبودية الإعتراف إلى سيادة الذات
إنه إعلان هادئ عن التحرر، لا يُطلقه المستغني بصوت مرتفع، بل يتم داخل النفس كوميض صامت
يعلن أن القلب تعلم كيف يحيا بلا قيد كيف يحب بلا تملك، وكيف يرحل دون ضجيج. يقول الفيلسوف الرواقي إبيكتيتوس: "من أراد الحرية فليتعلم كيف يستغني"
من يتأمل في جوهر الإستغناء لا يراه ضعفًا أو هروبًا، بل صورة من صور الحكمة المتأخرة تلك التي لا تُولد إلا من رحم الألم الطويل
الإستغناء في أعمق معانيه ليس سوى لحظة وعي حاد لحظة يُدرك فيها الإنسان أنه لم يعد بحاجة إلى ما لم يُشبع روحه يومًا، ولم يعطه إلا الفتات
بس طبعًا جمعاتنا لها ١١ شهر ناقصة وللأسف إن النقص هذا بيستمر معانا طول العمر وما هو نقص ممكن يمتلئ في يوم
الله يرحمك يا روح البيت ويغفر لك
ويجمعنا بنفس هذي الجمعات معاك في الجنة