علي
15 posts


#بوابة_نجران_الرقمية
فُكرٌّ يتلاقي .. وأثُرٌ يُروى
*آه يا أبي... لماذا لم تخبرني؟*
بقلم
*✍️ #أ_ناصر_مسعود_آل_مستنير *
آه يا أبي...
لماذا لم تخبرني أن الأخوة ليست دائمًا كما كنا نرددها صغارًا؟
لماذا كنت ترسمها لنا جنةً لا يدخلها الخلاف، وملاذًا لا يعرف الخذلان، وسندًا لا يميل؟
كبرنا ونحن نظن أن الأخ هو الوطن إذا ضاقت بنا الدنيا، وأن الأخت هي الحضن الذي لا يبرد، وأن الدم إذا اجتمع استحال أن يتفرق.
لكن الحياة كانت تكتب درسًا آخر...
درسًا لم يكن في وصاياك.
ولم يكن في حكايات أمنا وهي تجمعنا حول مائدة واحدة، وتدعو الله أن نبقى كما نحن إلى آخر العمر.
يا أبي...
لقد كنت تزرع، ولم تكن تعلم أن بعض الزرع سيأتي من يقتلعه بيديه.
كنت تبني القلوب، بينما كان في بعضها حجرٌ لا تنبت فيه الرحمة.
كنت تعلمنا أن الأخ إذا سقط حمله أخوه، فإذا بنا نرى من يدفع أخاه ليسقط أكثر.
كم هو مؤلم...
أن تمضي عمرك كله وأنت تحمل هم إخوتك، ثم تكتشف أنك كنت تحملهم وحدك.
تسهر إذا مرضوا.
وتجوع إذا احتاجوا.
وتستر إذا أخطأوا.
وتحارب الدنيا من أجل أن تبقى صورتهم بيضاء.
ثم يأتي اليوم الذي يقفون فيه أمامك، وكأن كل ذلك لم يكن.
كأن المعروف يُنسى.
وكأن التضحية لا وزن لها.
وكأن الذاكرة لا تحفظ إلا ما يريدونه هم.
يا أبي...
هناك إخوة لا يبحثون عن إصلاح البيوت، بل عن إدارة الخراب.
إذا رأوا ابتسامةً أطفأوها.
وإذا رأوا مودةً أفسدوها.
وإذا رأوا قلبًا مطمئنًا، بحثوا عن كلمة تهدم طمأنينته.
لا يعيشون إلا على تتبع الزلات.
ولا يهنأ لهم مجلس حتى يفتحوا دفاتر العيوب.
ولا ينام لهم ضمير حتى يوقظوا خصومةً كانت قد ماتت.
تمنحهم مفاتيح بيتك...
فتظن أنهم سيحفظون حرمة البيت.
لكنهم يدخلون ليفتشوا في تفاصيله، لا ليستروا، بل ليحصوا.
يراقبون أبناءك بدل أن يحتووهم.
ويحاكمون زوجتك بدل أن ينصحوها.
ويفسرون كل موقفٍ بأسوأ الظنون.
وكأنهم وكلاء على حياتك.
فإذا دعوتهم إلى جلسة صادقة، يهربون.
لأن الحقيقة لا تخدم من اعتاد أن يصنع الأحكام في غياب أصحابها.
كم مرة قلت:
اصبر... إنه أخي.
وتغاضيت...
لأجل أبي.
ولأجل أمي.
ولأجل تلك الأيام التي كنا ننام فيها على فراشٍ واحد.
لكن للصبر عمرًا...
وللجراح ذاكرةً لا تموت.
وما أقسى أن يذبحك من تحفظ له مكانًا لا يستحقه.
وما أشد الوجع حين ترى نفسك تبني سنوات، بينما يهدم غيرك كل شيء في دقائق.
يا أبي...
هل تعلم ما الذي يؤلم؟
ليس الظلم.
فالظلم من الغريب يُحتمل.
ولكن أن يأتيك من اليد التي صافحتها ألف مرة...
ومن الوجه الذي قبّلته صغيرًا...
ومن الاسم الذي كنت تفتخر بالانتساب إليه...
فهنا يصبح الألم بلا لغة.
كنت أظن أن الأخوة تعني أن نجد من يمسك بأيدينا إذا تعثرنا.
لكنني رأيت من ينتظر تعثرنا ليبتسم.
كنت أظن أن الأخ يخفي دمعتك عن الناس.
لكنني رأيت من يصنعها ثم يسأل الآخرين لماذا تبكي.
كنت أظن أن البيت يحمي أبناءه.
لكنني رأيت بعض البيوت تتحول إلى ساحات محاكم، وكل واحدٍ فيها يجمع الأدلة على الآخر، لا ليصلحه، بل ليهزمه.
يا أبي...
لقد أخبرتنا أن الأخ سند.
لكنك لم تخبرنا أن بعض الأكتاف لا تحمل إلا نفسها.
ولم تخبرنا أن بعض القلوب إذا سكنتها الأنانية أصبحت ترى كل تضحية حقًا مكتسبًا، وكل معروف واجبًا لا يستحق الشكر.
ولم تخبرنا أن بعض الناس إذا وقفت معهم في عشر محن، نسوا ذلك كله عند أول خلاف.
كأن التاريخ يبدأ من غضبهم، وينتهي عند مصالحهم.
واليوم...
لم أعد أبكي لأنهم لم يعرفوا قدري.
بل أبكي لأنهم لم يعرفوا معنى الأخوة التي أفنيت عمرك وأنت تعلمنا إياها.
أبكي على أمٍ كانت تظن أن أبناءها سيجتمعون بعد رحيلها، فإذا بهم يتفرقون على كلمة.
وأبكي على أبٍ كان يحلم أن يرى أحفاده بيتًا واحدًا، فإذا بهم يرثون الخصومات قبل أن يرثوا الأرض.
وأبكي على تلك البيوت التي لم يهدمها الفقر، ولا المرض، ولا قسوة الحياة...
بل هدمتها الأنانية.
هدمها حب السيطرة.
هدمها الكبر.
وهدمها أولئك الذين كانوا يرددون كلمة "نحن إخوة" بألسنتهم، بينما كانت أفعالهم تقول: "أنا أولًا... وبعدي لا يهم أحد."
رحم الله الآباء...
فقد عاش كثيرٌ منهم وهم يظنون أنهم ربّوا إخوة.
لكن الحقيقة التي لم يدركها إلا بعد فوات الأوان...
أن الأخوة لا يلدها الرحم وحده...
بل تلدها الأخلاق.
ومن ماتت أخلاقه...
ماتت أخوته، وإن بقي يحمل الاسم نفسه.

العربية

















