Sabitlenmiş Tweet

مَرَّ عامٌ ونصف منذ فتحتُ هذه النافذة، كنتُ في السادسة عشرة حين أنشأتها، من حاسوبٍ ليس لي، بسرية واختطاف، كما اعتدت. ظلت مهملَة لأعوام، ولا أعرف كيف عرفتُ بأمر المساحات، لكنني دخلتها بقلبٍ فتيّ، مثل طفلٍ يحبو نحو تفاحة، بدهشة وانفعال.
كان جهلي واسعاً، وحذري أشد اتساعاً، وكان السراب البعيد في مساحاتي يبدو مثل حاجزٍ زجاجي، أرى وأسمع دون أن ألمس.
أما الآخرون فكنتُ أقف منهم في ظلام، أراهم، وبالكاد يراني أحد، تم رصدي رغم ذلك، وميضٌ خافت من عينيّ فضح عتمتي.
كان اندفاعي ذبذبات، خوفي إشارة، ونبضاتي تردد، أحببتُ بصمت، فُتنتُ بصمتٍ آخر أشد وطأة، وضعت حدوداً وحواجز، ثم قفزت من بعضها ولم يسعفني طول بعضها الآخر على أي تجاوز.
خاض قلبي معارك، واستُشهِد في نزالات، وما زال يُبعث كأنه جرجيس هذا الزمان.
لكن عقلي اتّقد.
كانت مشاعر الافتتان قيداً يسحبني، فأبدو بغير ما أنا عليه، بل أبدو كما أنا عليه في الواقع، لا كما أتظاهر به من هدوءٍ وتؤدة، أجنح وأنجرف، كانت رغبتي الأزلية بالحب والانتماء تُخرجني قسراً من لوحةٍ فنيةٍ معلقة، فيتمزق الإطار ولا أعود جمالاً بقدر ما أصبح أثر.
ثقتي المهزوزة بكل شيء، وبنفسي ابتداءً، لم تسمح لي بخوض أي تجارب حقيقية، لا صداقات لا أنس ولا رفقة، اقتطاف من هنا وهناك، زهرة، شوكة، عبقاً وأزيز، كان وجداني الوحيد يلبس حلّتين، يتناوب بين النحلة والرحيق، لكن لا لسع ولا ارتشاف.
لم يكن الصوت مرآة للروح، ولا الكلمات مرآة للعقل، خُدعتُ كثيراً، تفاجأ قلبي، تحولت تردداته الأثيرية إلى صدى.
اختلط الحابل بالنابل في رأسي، الأوغاد بالشرفاء، السادة بالعبيد، الصدق بالكذب، والشر المحض بالخير الخالص الشحيح.
أصبح العالم مثل مرآة مكسورة، تبدو لي انعكاسات حقيقية أراها وأعرفها، لكنها مشوهة المعالم، مبهمة وغير مألوفة.
لم أكن منصفة ولا محايدة، بل قمعتُ بالحظر ما عجزتُ عن قمعه بالمواجهة، كنتُ أهرب من الفوضى بالخمود.
استمعتُ كثيراً، أكثر مما ينبغي، كنت أجلس في زاوية قصية من المسرح، لا تصلني إضاءة، لا تطالني عين ولا يشعر بي أحد، مثل جاسوس يختبئ خلف قبعةٍ ومعطف.
أنصتُّ للغرباء أكثر مما فعلتُ مع الأصدقاء، كانوا جميعهم بنقاط ضعفٍ وقوة، لكن ما أربكني هو مقدار الزيف الذي يبدو حقيقة، حجم التلاعب والقدرة على تحويل الأذى إلى حق مكتسب للرد.
لا أعرف من أين تسرب إلينا هذا الخبث، وكيف يعيش بيننا مستمرئا؛ ينمو بثبات ويتفرع بنهم، شر قادم لا أدري كيف يمكن أن يُؤتمن أصحابه على سلطةٍ أو منصب.
أردتُ التقاط صورة لاندهاشي، كيف يمكن للدهاء أن يبدو بهذه الإنسانية المحضة، بهذا العقل اللامع، والوعي المضيء، وكيف تختبئ كل هذه النوازع خلف نبلٍ وابتسامة.
كانت لي تجاربي الخاصة القليلة، لكنني أيضاً اختبرت تجارب كثيرة لآخرين، تجارب بديعة ومريعة، أصابتني بالعجب، جهلاً ونهلاً، لطفاً وعنفا.
طيبون حقاً لكنّ لهم مآرب أخرى، وجميلون لكنهم معقدون، لطفاء لكنهم شديدو الحساسية، حدث سوء فهم مع صديق، لم يستفهمني، أو يعاتبني، أغلق الباب فوراً في وجهي وغادر.
لا أعرف على ماذا يمكن أن نعوّل على علاقاتنا هنا، بالصدق؟ باللطف؟ بالنفاق؟ لا شيء يمكنه أن يقينا من سوء الفهم ربما، ولا من خسارة صديق عابر لطيف.
أنا أيضاً مصدر للخيبة، سوء الفهم يُحسب بمغزاه لا بحجمه، وهنا إما أن تكون وفياً أو لا تكون، ولم أكن ولا أظنني سأكون.
أنا رجل الكهف الذي يقف خارج كهفه فاغراً فاه، ينظر دون أن يرى، ويرى دون أن يعي، لذلك خذلتُ الكثيرين، "وقد أفعل ذلك مجدداً دون قصد"، وتصرفتُ في كثير من المواقف بتسرعٍ وغباء، كان كل خطأ يعد تراجعاً، وكل خسارة تعد ألما ودرساً قاسياً وددتُ معه لو لم أغادر مخبئي.
زلّت قدمي ولم أقع، تشبثتُ بحواجز الريبة وأمسكَ بتلابيبي حذر.
وبالرغم مما أصابني من مراهقة مؤجلة، كان ما انتشلني من براثن هذه السذاجة أن ما حدث لي من اضطرابٍ عاطفي؛ سواء كان حباً أو غضب، لم يتجاوز حدود قلبي، لا بوح، لا رسائل، لا ثقة.
مهما كانت طمأنينتي مع الأشخاص، أفقدها فوراً مع المشاعر، "مشاعري أنا"، تقلباتي، إذ لا أعرف كيف تنطفئ وتشتعل فجأة، ولا لماذا، أو متى، إنها كائن حي بقرون استشعار، تدرك ما لا أدرك، وتكوّن مني نصاً بلغةٍ لا أفهمها، ولا أشعر بوخزات معناه إلا بعد الترجمة.
لم أخرج بعد من حدود التجربة، وبقدر السهام في صدري، هناك نياشين، ونماذج تعدّ بالنسبة لي جمالًا حقيقيًا دائما ما يحوّل عبوسي إلى تبسّم. أشخاص رائعون، إخوة، آباء وأمهات، والكثير الكثير من الأصدقاء اللطفاء العابرون بخفة وجمالِ ريشة.
أحببتهم وأعجبتُ بهم، صدقٌ أصيل ولا مبالاة شفافة. إنهم هم، وسط بحر من الأقنعة، تبدو وجوههم حقيقيةً ونبيلة، يمكنك مصافحتهم بثقة، وعقد صفقة بلا توثيق، قد لا تربح، لكنك على الأقل لن تخسر معهم بما يكفي لتبتئس.
العربية






