عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi

589 posts

عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi banner
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi

عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi

@profAlgazzi

أستاذ الآثار القديمة بجامعة الملك سعود، (السعودية قارة الآثار الكبرى) .

Katılım Mayıs 2025
6 Takip Edilen182 Takipçiler
د.بدر بن عادل الفقير
هلا بروف عبدالعزيز.إسمح لي بالمداخلة في ما طرحته عن البندقية في المشهد، فقد طرحت تصوراً في كتابي "الفنون الصخرية في شمال غربي المملكة" أن العرب نجحوا في أختراع أداة قذف تشبه البندقية ،حيث عرضت رسوم عديدة وبها تفاصيل دقيقة عن ماسورة المرور ، والزناذ،والنيشان، وأداة الأمان ، مع وضوح حركة المسلح وهو في وضع الرماية، وقد اكتمل هذا الافتراض بأن بعض الصخور تحت الرسوم، تشطت وتطايرت بعد اشعال النار بها، وقد جمعت عينات من تلك الصخور وحللتها في مدينة الملك عبدالعزيز، وثبت إنها تحوي على مواد قابلة للانفجار(التقرير مرفق في هوامش الكتاب)، مما شجعني على الافتراض بأن العرب نجحوا في ابتكار تقنية أولية لتوظيف الطاقة الحرارية في عملية قذف الصخور الساخنة نحو الهدف،وسبقوا بذلك اختراع البارود في الصين في القرن التاسع الميلادي.وقد أوردت رسوم تبدو فيها طلقات البندقية من يد المسلح متجهة صوب الأهداف وكانت طرائد للصيد.كما بينت رسوم أخرى استخدامها في القتال الفردي والجماعي.
العربية
1
0
0
114
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
الصيد بالكلاب والراجمة: لك الحق أن تتساءل عندما تنظر في الصورتين المرفقتين هنا. دون أدنى شك الصورة الأولى تعبر عن مشهد كان يقع لإنسان العصور القديمة. لن أقول لك، أنت سوف تقول لي بعد أن تنظر في الصورة الأولى والثانية أنهما يعبران عن مشهدي صيد. أظن لن نختلف على هذا ولن نحتار. المحير هو محتو الصورتين. الصورة الأولى يقف في اليسار وعل لع قرون مشوكة وخطيرة جداً. يحاص الوعل من الأمام ومن الخلف كلبان ربما أنهما من كلاب الصيد. وإلى اليمين يقف رجل كأنه في لباس عسكري ومتنطق بسيف وخنجر ورافع بين يدية آلة قاذفة تظهر بشكل بندق مقمع. السؤال: هل إنسان عصور ما قبل الإسلام يصنع سلاحاً كهذا؟ الصورة تقول نعم. وعليه نكون سبقنا الغرب باكتشاف فاعلية القوة المندفعة باستخدام القاذفة وقوتها المرتدة.
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi tweet media
العربية
1
0
3
360
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
الآثار المكتشفة في المملكة العربية السعودية تدل على تعاقب حضارات عديدة، وإليك القصة: بقلم: أ.د. عبدالعزيز بن سعود بن جارالله الغزي اثبتت الأبحاث الحديثة أن النظرة إلى أرض المملكة العربية السعودية على أنها أرض لم تُعمر بالحضارات خاطئة بالكامل. فالآثار المكتشفة في مختلف المواقع المنتشرة في مختلف أقاليمها، اثبتت ممارسة الإنسان للصناعات ذات الصلة بالاستقرار المتصل منذ الألف السابع قبل الميلاد حتى يومنا الحاضر، أي لامتداد زمني يقارب عشرة آلاف عام، أما صناعة الأدوات الحجرية واستخدام الحجارة كسلاح وأداة تقطيع وسلخ وإزالة شعر المواشي وأوبارها وتكسير العظام وسحن الحبوب البرية وصناعة الأدوات، فبدأت بالظهور منذ مليون ونصف المليون عام، واستمرت خلال فترات العصور الحجرية المختلفة حتى ظهر الاستقرار الدائم في العصر الحجري الحديث قبل سبعة آلاف عام من الوقت الحاضر. صنع الإنسان الأدوات الحجرية من أنواع مختلفة من الحجارة تختلف في مميزاتها وخصائصها من نوع إلى آخر، وكل اختلاف يتطلب مهارات معينة وأدوات خاصة به. استمر الإنسان في تنويع منتجاته من الأدوات الحجرية وفقاً لمتطلبات الوقت، وظروف الحاجة، ومتطلبات البيئة التي يعيش فيها. عندما بدأ الإنسان بالإقامة الدائمة، شرع بالصناعات المختلفة التي لها علاقة بمتطلبات حاجاته اليومية، فأوجد الأماكن التي يتذرى بها عن العواصف على شكل سواتر جدارية حجرية وبأشكال عديدة تشمل المنحنية أو المستقيمة أو الدائرية، يأوي إليها ويحتمي بها خلال الظروف المناخية الصعبة. وفي بعض الأوقات، لجأ إلى الكهوف الطبيعية، واتخذ منها أماكن لإقامة طويلة المدة استدلالا بتراكم مخلفاته من الرماد والعظام كتلك التي عثر عليها في وحول أماكن ايقاد النار داخل الكهوف ذوات العلاقة أو بالقرب من جهاتها المفتوحة. وفي هذه الكهوف بدأت الإنسان تقسيم الكل إلى أجزاء، فأقام أنواع من الأماكن مستخدما الكتل الحجرية التي عادة توجد في مواضع دون الحاجة إلى تصنيعها، فبمجرد إضافة جدران وتقسيمات يحصل الإنسان على المزيد من أماكن الإقامة. أغلب مواقع إقامته يومذاك، وجدت في أماكن مرتفعة عمّا يوجد حولها من أودية وسهول وفياض. عمد الإنسان بعد مدة من الزمن إلى إقامة التجمعات السكنية التي تربطها أسوار عامة للحماية، وهذه توجد غالباً على الهضاب قليلة الارتفاع أو الثنايا الجبلية الواقعة بين الجبال الأكثر ارتفاعاً. يتميز هذا النوع من المنشآت بمتانة العمارة، وضخامة الكتل الحجرية المستخدمة، واستخدام الأعمدة الحجرية المقصوصة والتي عادة ما توجد في الطبيعة عمودية أو مستطيلة تحتاج إلى عزلها بقطع خشبية مشبعة بالماء، وأحياناً دون ذلك. ومع مرور الوقت، بدأ الإنسان في تكوين المستوطنات الكبيرة التي نمت مما سبقها؛ ولم يلبث طويلاً حتى بدأ بتحصينها بالأسوار، والأبراج، والقلاع. ومع مرور الوقت زودها بأماكن التعبد، والأماكن العامة كالأسواق الموسمية والدائمة. كما وفر فيها الآبار وقنوات توزيع المياه. أما من حيث الصناعات ذات الصلة بالحياة اليومية والروحية، فقد وجد ما يدل على أن الإنسان قد استقر في مستوطنات يرقى تاريخها إلى الألف الخامس قبل ميلاد المسيح عليه السلام مثل مستوطنات فترة العُبيد في شرقي المملكة العربية السعودية التي بلغ ما عُثر عليه منها أربعين مستوطنة دائمة ومؤقتة، وموقع الفا "3"، وموقع الريانية في وادي الدواسر، وموقع المقر في منطقة عسير، وموقع العيينة في منطقة تبوك. ففي تلك المواقع وجدت أواني فخارية متنوعة، وأدوات حجرية، وأنواع مختلفة من الخرز الفخاري، والحجري، واللؤلؤي، والصدفي. كما عُثر على أنواع متقدمة في تقنيتها من الأدوات الحجرية المشكلة من حجر الصوان الصلب والقليل منها مصنوع من حجر الأوبسيدين "الزجاج البركاني ذو الصلابة العالية". ومع تقدم الوقت، بدأت تظهر مستوطنات كبيرة الحجم، ولبعضها أسوار. تؤرخ تلك المستوطنات بفترة زمنية تمتد من نهاية الألف الثالث وبداية الألف الثاني قبل الميلاد. ثم ظهرت مستوطنات الألف الثاني قبل الميلاد بحجم أكبر من سابقتها، وتنوع معمارية أوفر. وفي الألف الأول وجدت المستوطنات الأكبر حجماً والمشتملة على مختلف الإنشاءات المعمارية التي احتاجها الإنسان آنذاك. في كل نوع من تلك المستوطنات وجدت معابد كبيرة وصغيرة. كما وجدت آلاف المدافن الركامية في حقول عديد بعضها بالقرب من المستوطنات وبعضها لم يُعثر على مستوطناته ذوات الصلة. من المظاهر الحضارية المادية ذات الاستمرارية الطويلة التي عُثر عليها في أماكن مختلفة من شبه الجزيرة العربية نماذج من التماثيل الحجرية الرملية، والحجرية والجصية والمصنوعة من حجر الأوبسيدين "الزجاج البركاني"، والفخارية والمعدنية، والمشكلة من الصلصال المشوي. وجدت هذه التماثيل في مواقع استيطان كبيرة وذات مواقع مكانية مهمة، مثل: جزيرة تاروت، ومقابر الظهران، ومقابر عين جاوان في شرقي المملكة العربية السعودية، وموقع الفاو في وادي الدواسر في منطقة الرياض، وموقع المقر في محافظة تثليث في منطقة عسير، ومواقع مختلفة في شمال وشمال غربي المملكة العربية السعودية، ومنها: كلوة، وتيماء، ودادان، وأم درج، ومدائن صالح. عُثر على عدد كبير من الدمى الطينية في مواقع عديدة في المملكة العربية السعودية، مثل: الأخدود في نجران، والفاو في وادي الدواسر، والدفيء وثاج، ومدافن الظهران، وعين جاوان في المنطقة الشرقية، وفي دادان وتيماء ومدائن صالح والبدع والصنيميات ودومة الجندل في شمال غرب المملكة العربية السعودية. أغلب تلك الدمى مصنوع من الصلصال المشوي، وفيها المنحوت من الحجر الرملي، والمصنوع من المعدن. تمثل تلك الدمى أشكال بشرية يسود فيها تمثال الأمومة، وأشكال آدمية، وأشكال حيوانية كالجمال والخيل؛ وأشكال للزواحف، مثل: الثعابين، وأشكال آدمية صغيرة مصنوعة من الفخار المزجج. استطاع الإنسان أن يبدع في نحت المذابح وموائد القرابين ليستخدمها في طقوسه الدينية داخل معابده المشيدة، أو تلك التي توجد على قمم الجبال المستوية. استطاع الإنسان أن ينحت تلك المذابح وموائد القرابين من أنواع مختلفة من الأحجار أكثرها شيوعا الحجر الرملي ذي اللون الأحمر الفاتح، وحجري المرمر والرخام؛ وبأحجام مختلفة، وأشكال متنوعة، وزخارف منحوتة بأحد الأسلوبين: إما النافر أو الغائر. تدل الآثار التي تم اكتشافها في المملكة العربية السعودية على أن الإنسان في شبه الجزيرة العربية قد مارس النحت في صناعة أوانيه الحجرية والخشبية، كما استخدمه في صناعة المجامر باختلاف أنواعها وأحجامها وتعدد أحواضها. مارس الإنسان آنذاك النحت في تشكيل تماثيله بأنواعها وأحجامها المختلفة. بل أبدع الإنسان في توظيف النحت في الحفر على المسلات نقوش وأشكال حيوانية وأدمية دقيقة كما هي الحال في مسلة تيماء الشهيرة، والحجر المكعب الذي تم العثور عليه في قصر الحمراء في موقع تيماء القديمة. استخدم الإنسان إبان ذلك الزمن النحت في حفر الآبار في المناطق الصخرية، سواء أكانت الآبار الضيقة، مثل: آبار مدائن صالح؛ أو الآبار الواسعة، مثل: بئر سيسره في سكاكا. كما نحت الإنسان الدرج الذي يقود من سطح البئر إلى قاعها. قد يكون الدرج المنحوت ملتفاً على محيط البئر كما هي الحال في بئر سيسره؛ وقد يكون الدرج عبارة عن نقيرات متوازية يُثبت فيها الإنسان أقدامه مع الامساك بالحبال المثبتة على حافة البئر والساقطة حتى قاعها. نحت الإنسان آنذاك الدرج في الجبال للوصول إلى الغيران التي عادة ما توجد في أعالي الجبال، مثل: موقع أم درج في العلا. كما نحت النقيرات لتمكنه من الصعود إلى الكهوف عن طريق الحبال المتدلية. الأواني الفخارية عُثر على كميات كبيرة من الأواني الفخارية بتنوع كبير في المادة والشكل والحجم، عثر عليها في مواقع عديدة في المملكة العربية السعودية؛ تشمل: الأخدود في نجران، وجرش في عسير، والفاو والملقطة وعدد من المواقع السطحية في وادي الدواسر، والسيح وعدد من المواقع في الأفلاج، والخضرمة وحزم عقيلة وعين الضلع وعين فرزان في الخرج، والدوسرية وعين قناص وأبو خميس ورأس القرية ويبرين وأم النصي وسبخة ثاج والضبطية والحناة ودارين وفاروق الأخرش والربيعية وتاروت وعدد من المواقع السطحية في جزيرة تاروت، ومواقع في دارين، ومواقع أخرى كثاج والدفي ومدافن جنوب الظهران ومدافن بقيق وسبخة أم الحمام، ومواقع سطحية عديدة في المنطقة الشرقية. وفي مدافن الصناعية، ومدافن رجوم صعصع، والقرية، وقصر الحمراء، ومواقع سطحية عديدة في تيماء. وفي دادان، وتل الكثيب، وأم درج، وجبل الخريبة، ووادي معتدل ومدائن صالح في العلا. وفي قُريِّة والبدع وإكرا كومي في منطقة تبوك. ودومة الجندل والرسلانية والطوير والصنيميات وسكاكا في منطقة الجوف، وسهي والمجمع وعدد من المواقع الساحلية وجزر فرسان في منطقة جازان، والعيارية وضرية في منطقة القصيم. كما عُثر على كميات كبيرة في سفن غارقة في البحر الأحمر. بالنسبة للزمن تغطي المكتشفات الفخارية امتداداً زمنياً يبدأ بالألف السادس قبل الميلاد، ويستمر حتى ظهور الإسلام ليستمر فيما بعده. ومن حيث الأنواع والأحجام والزخارف فهي عديدة لا يمكن حصرها. استطاع الإنسان أيضاً أن يستخدم بيض النعام، بعد أن يستفيد من السائل الذي يوجد في داخله، كأوعية يخزن فيها سوائل مهمة، أو لها أهمية دينية أو استخدامية. كما استفاد من الأصداف البحرية كأدوات تُستخدم في إطعام الأطفال الرضع بعض السوائل والأدوية. الأواني الحجرية عُثر على كميات كبيرة من الأواني الحجرية متنوعة في: أشكالها، وأحجامها، وزخارفها، وأزمانها، ومادة صناعتها. فمن حيث الأشكال، يتوفر فيها الكروي، والكاسي، والدائري، والهرمي المقلوب، والقدور الصغيرة ضيقة الفوهات، والقدور الكبير مفتوحة الفوهات، والقوارير الصغيرة، وقدور الطبخ، والأباريق. من حيث الأحجام فيها الأواني الصغيرة جداً، وفيها المتوسطة، وفيها الكبيرة، وتتفاوت الأحجام في كل صنف من أصنافها. أما الزخارف فمتنوعة، فمن حيث طرق التنفيذ فيها الزخارف المنحوتة بالأسلوب النافر، ومنها الزخارف المنحوتة بالأسلوب الغائر، ومنها المحفورة عن طريق النقر، ومنها النافرة وفيها الغائر، وكلاهما ينتج عن طريق الصب في قوالب جاهزة. أما العناصر الزخرفية فمتنوعة، ومنها ما يظهر على الأواني المصنوعة من الحجر الصابوني بتنوع كبير، فيه: الأشكال الأسطورية، والثعابين المتصارعة، والمثلثات المتوالية والمتداخلة، والأشكال النسائية ذات الرؤوس الشبيهة برؤوس الطير، والمثلثات الصغيرة المحفورة، والدوائر المحفورة، والدوائر المتداخلة. أما الأواني المصنوع من الحجر الرملي فهي أقل من حيث العناصر الزخرفية، إذ تظهر عناصرها الزخرفية بأشكال للوعول المنتظمة في صفوف أفقية، وقد تتوالى عمودياً، كما توجد رؤوس الثيران ذات القرون القصيرة الغليظة؛ والثعابين المتوازية، أو المتقاطعة، أو الفردية؛ والدوائر المتداخلة، والنقيرات المتعددة. أما الأواني المصنوعة من حجر المرمر والرخام، فزخارفها قليلة نظراً لصعوبة النحت عليها. ومع ذلك، قد تظهر عليها دوائر متداخلة، أو حبال متدلية، أو تشكيل لملابس، مثل: التنورة أو السديرية. استطاع الإنسان أن يصنع الأفران الفخارية القابلة للنقل من مكان إلى آخر الثابتة وبأحجام مختلفة، ويضعها في أماكن الطبخ داخل منازله، كما صنع الأقراص الفخارية أو تلك المنحوتة من الحجر الصابوني والمثقبة لاستخدامها في توزيع الحرارة بشكل منتظم. أما المسارج التي استخدم الإنسان في الإضاءة عن طريق الشحوم، فقد تفنن في صناعتها من الصلصال المشوي بأشكال قاربيه، وأشكال أخرى. بالإضافة إلى نحتها من الحجر الصابوني. ومن الزجاج صنع أنواع عديدة من القوارير والقنينات بأشكال وألوان وأحجام مختلفة. ثبت من خلال المسح والتنقيب أن إنسان المملكة العربية السعودية القديم قد مارس صناعات عديدة تحتاج إلى تقنية وحرفية عالية، ومعرفة بطبيعة المواد وخصائصها. فمن العظام صنع الصناديق الصغيرة، والإبر الرفيعة، والإبر الكبير، ورؤوس السهام، والأنابيب. فعلى سبيل المثال عُثر في موقع الدوسرية في المنطقة الشرقية على ورشة عمل لتصنيع الأدوات من العظام وجد فيها مخلفات الصناعة، وعدد من القطع المصنوعة، وكم من المادة الخام، والأدوات المستخدمة في الصناعة. كما ثبت ممارسة الإنسان لصناعة الخرز من مواد مختلفة أكثرها شيوعاً الحجارة الكريمة، ونصف الكريمة، والعظام، والقواقع، والأصداف البحرية، والأخشاب الثمينة. في موقع الدوسرية في المنطقة الشرقية عُثر على ورشة عمل لصناعة الخرز من القواقع البحرية والأصداف، ووجد عدد من الأدوات الدقيقة المصنوعة من حجر الصوان لتشكيل الخرز وثقب القواقع والأصداف البحرية إلى جانب كمية كبيرة من الأصداف تنتظر التصنيع. كما عُثر في تيماء على بقايا مصنع للخرز فيه عُثر على كميات كبيرة من الخرز المصنوع، ونفايات الصناعة، والمادة الخام المكونة من أنواع مختلفة من الحجارة الكريمة. بالنسبة للتاريخ فيما يخص موقع الدوسرية، فيرجع إلى الأف الخامس قبل الميلاد، أما فيما يخص تيماء فيرجع إلى الألف الثاني قبل الميلاد أو قبيله. الصناعات المعدنية وجد أدلة عديدة على ممارسة الإنسان للصناعات المعدنية منذ أزمنة بعيدة تسبق ظهور الإسلام بآلاف السنين. ففي أماكن متعددة في المملكة العربية السعودية، عُثر على مناجم تعدين للذهب والفضة والنحاس والحديد، كما عُثر على مطاحن ومجارش لتهيأة المادة الخام. فمن حيث الأسلحة فقد عُثر على كمية من رؤوس الرماح البرونزية، وكمية من رؤوس السهام البرونزية في مواقع متعددة منها القبور ومنها المستوطنات. شملت المصنوعات المعدنية: الخرز المتنوع، والأساور، والخواتم، والأختام، والمخايط، والإبر، وأمواس الحلاقة، والمرايا البرونزية، والحجول، وحلق الأنف، وحلق الأذن، والتيجان، والسبائك الذهبية، والقمور، والسست الذهبية، وأغطية الوجه. الأخشاب من الأخشاب صنع الإنسان أسلحة متنوعة، وإبر، وصناديق صغيرة، وخرز، وتوابيت للموتى. ووجد ما يدل على ممارسته لصناعة النسيج، فقد وجد أقراص ربما أنها استخدمت في المغازل، كما وجد صوف ملفوفة جاهز للاستخدام في المغزل، كما عُثر في موقع المقر على بكرات تستخدم في النول الكبير، وبقايا مواد نسيج بعضها مصبوغ. الزخرفة برع إنسان المملكة العربية السعودية القديم في جوانب الزخرفة المخلفة، استطاع أن يستخدم الزخرفة المقطوعة سواء أكانت المحززة أو المحفورة أو المفرغة، وطبقها على صناعات المختلفة وبخاصة صناعاته من مادة الصلصال. كما استخدم الزخرفة الملونة منذ الألف الخامس قبل الميلاد، وسادت بشكل كبير في نهاية الألف الثالث وبداية الألف الثاني قبل الميلاد، أي خلال الفترة المعرفة بفترة مدين. استطاع الإنسان أن يستخدم الزخرفة النافرة والغائرة على أوانية من خلال تشكيلها في قوالب مجهزة مسبقاً. العملة بالنسبة للعملة كوسيلة للبيع والشراء، عُثر على كميات كبيرة منها في عدد من المواقع، مثل: الأخدود في نجران، والفاو في وادي الدواسر، وعين السيح في الأفلاج، وثاج في المنطقة الشرقية، وتيماء القديمة في تيماء في منطقة تبوك. أما الأختام فقد عُثر عليها في مواقع عديدة، مثل: موقع المقابر الركامية في الفاو حيث تؤرخ بأوائل الألف الثالث قبل الميلاد، وفي مدافن جنوب الظهران حيث تؤرخ بأواخر الألف الثالث وأوائل الألف الثاني قبل الميلاد، وفي مدافن سبخة أم الحمام في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية حيث تؤرخ بالألف الثالث قبل الميلاد. الأوزان عُثر على الأوزان في مواقع عديدة في المملكة العربية السعودية منها: تيماء، الفاو، العلا، الربذة، ثاج. بلد مثل المملكة العربية السعودية التي تشمل عدداً من المواقع الرئيسة المشتملة على أسواق تجارية، وملتقى لتجارة عالمية في تلك العصور الموغلة في القدم. القواقع البحرية عرفت المملكة العربية السعودية الاستفادة من القواقع البحرية في صناعة الخرز، وأقراط الإذن، والأساور، منذ الألف الخامس قبل الميلاد. عُثر في موقع الدوسرية في المنطقة الشرقية، وفي عدد من المواقع على ساحل البحر الأحمر، وفي جزر فرسان في منطقة جازان على كمية من القواقع والأصداف التي تم تشكيلها في أشكل خرز وأقراط إذنيه وأساور. عرف الإنسان في المملكة العربية السعودية طريقة صيد الأسماك بالسنارات إذ عُثر على ثقالات متنوعة استخدمت لهذا الغرض. استفاد الإنسان من المساحن لتجهيز بعض الحبوب والمواد في شكل بودرة. واستخدم المطاحن والمجارش لتحويل الحبوب إلى طحين أو جريش. استخدم أيضاً أدوات الدق لِفلق الحبوب وجرشها أو تحويلها إلى مادة بودرة؛ والمحاريث الخشبية والمعدنية لقلب الأرض وحرثها، ولِتجديد تربتها، ومن ثم خصوبتها. الاستنتاج أرض توجد فيها شواهد استيطان إنسان موغل في القدم باستمرارية واضحة المعالم، ومادة أثرية ثابتة ومنقولة ومتوفرة بكميات وتنوع كبير، وأماكن الاستقرار والإقامة فيها عديدة، ومتنوعة الأحجام والمحتويات والأزمنة؛ لا بد أن يكون فيها وكان ما ينقص غيرها. إنسان استطاع إيجاد منتجاته بنفسه من: العظم، والخشب، والمعدن، والحجر، والصدف، والقواقع، والمعادن، والصلصال، والحجر؛ وبرع في زخارفها، وأشكالها، وأحجامها، وجودة صناعتها؛ واجاد في تصنيع الأدوات من مواد مختلفة. إنسان عرف الفنون الصخرية في جميع مناطق المملكة العربية السعودية، وأنتج عناصرها بطرق عديدة وعناصر فرعية متنوعة. إنسان مارس دفن موتاه منذ أزمنة بعيدة وفي مدافن ضخمة على سطح الأرض أو محفورة في جوفها. إنسان مارس الكتابة وخلف آلاف النقوش على واجهات الجبال محفورة أو محزوزه، إنسان مارس الفن بمختلف أنواعه واجاد في رسوم الكهوف ونوّع في ألوانها ومدلولاتها. إنسان بنى المدن ومرافقها. هذا الإنسان الذي خلف تلك الحضارات المتوالية بتطور صناعي وتشريعي وثقافي واقتصادي وحربي يطلق على مسيرته في كثير من الدراسات أنها مسيرة حضارة مؤقتة، وينظر إلى حضارته على أنها أقل من حضارات الأمم المجاورة. إنه تشخيص خاطئ؛ ومجحف، وفي غير محله، ولا يستند إلى خلفية علمية شاملة وكافية فيما يخص ما اكتشف في المملكة العربية السعودية من تراث إنساني كبير ومتنوع. لذا مثل تلك الاطروحات التي تُسطّح تاريخ الشعوب ومساهماتها وإبداعاتها، والقائمة على تصورات خاطئة جاءت بها ثقافات ضحلة. يجب أن يبين ضعف تلك الاطروحات وجهل مقدميها، ويجب أن تجتث بالتصحيح تلك السطحيات من المؤلفات لئلا تكون أساسا لمفاهيم خاطئة تستمر في النمو والرسوخ في أذهان الناس. يجب أن نأخذ العلم كعلم، ويجب ألا نتقبل استنتاجات دون أدلة تؤكدها. ويجب ألا نستفتي في الآثار من لا يقدر على الفتوى، كما يجب ألا ننفي حقيقية إلا بعد الاتيان بدليل واضح يبرر نفيها. البحث لا يستوعب المجاملات، ولا للمجاملات فيه مكان. وإن خالف تلك القاعدة، يكون قد جانب الصواب، وعليه تكون نتائجه غير مفيدة؛ بل مضرة قد يطول الوقت قبل تصويبها، وقد تبقى فتشوه حقائق تاريخية وحضارية ثابتة الوجود. لا بد أن يكون لبلادنا خلال مختلف العصور تجارب حضارية عديدة، ومتنوعة، وقوية، ومثمرة، والشواهد الميدانية تدل على ذلك بداً بالعصر الحجري القديم الأسفل وإلى اليوم. تشير التقارير العامة المنشورة في حولية "أطلال" "حولية الآثار في المملكة العربية السعودية" بما تحتويه من صور ورسوم لمواد أثرية متنوعة على ما اسلفت القول فيه. الآثار الموجودة تؤكد ذلك بوضوح، ولكنها لم تستثمر بحثياًَ، وتفعل حتى اليوم. لذا نتمنى أن نرى كل ما في مخازن هيئة التراث منشوراً وفق المنهج العلمي المعتمد في مجال الآثار ليطلع عليه الباحثون في الآثار وتاريخ الحضارات لكي يساهموا في الكتابة عن ذلك المخزون الحضاري الثري الذي تحتضنه بلادنا، كما نتمنى أن يُفعل العمل الميداني ويستمر لسنين كافية لتقديم ما يكفي من الآثار ودراساتها ليبني رصيد معلمات يستثمر في دراسات الآثار المختلفة.
العربية
0
3
4
369
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
تطور الحكم في دولة كندة أحد شواهد اثبات حقيقتها أ.د. عبدالعزيز بن سعود بن جارالله الغزي جاءت نهايتها على أثر تحولات عالمية، فهي لم تنته حالها ولم يدب الهرم فيها ولكن قدر لها أن تكون في خضم أحداث عالمية نشبت بين الشرق والغرب بحثاًُ عن الثروات والنفوذ، يريدون أن يعيدوا أيام الفرس الخمينيين عندما كانت القوة العظمى في العالم ووصولهم إلى قلب أوروبا واحتلاله لبلاد اليونان وتدميرهم لمعابده وأصنامه ومسارحه وأطرافها، وحكمهم لمصر وبلاد الرافدين وما بينهم من بلاد، إلا أن القوة الغربية ممثلة بالإمبراطورية البيزنطية ومن وراءها العالم المسيحي بأكمله وقارة أوروبا، وروما بجبروتها أبت أن يتحقق للفرس الساسانيين ما كانوا يرغبون. فنشبت حرب بين الجهتين، فأرادت كل جهة أن تؤمن حدودها وأن تتخلص من الجيوب الصغيرة التي قد تستفيد من الظروف وتشكل جبهة تشغلها عن هدفها الأساسي فأجهز الساسانيون بمساعدة المناذرة في بلاد الرافدين على الكنديين من خلال تشجيع القبائل العربية للثورة على المملكة الكندية ودعمهم بالمال والسلاح والمقاتلين، لأن الساسانيين كانوا بحاجة ماسة إلى توحيد الحدود تحت حكم واحد، ولهذه المهمة وقع اختيارهم على المناذرة واستوجب الموقف التخلص من الكنديين لأنهم لم يرضوا بوضع كهذا. وبتفهم تلك النهاية نجد أنها تدل دلالة قاطعة على وجود الكيان الكندي في الزمن الذي حدده أغلب المؤرخين، والبرهان هو بالإسقاط، فلو نظرنا إلى نهاية الدولة السعودية الأولى على سبيل المثال لوجدناها قصة مكررة من نهاية مملكة كندة، فكيف انتهت الدولة السعودية الأولى؟ الإجابة في أننا نجد أن نهايتها جاءت أثر تحولات دولية نشبت بين الدول العظمى فظهرت دول لها أطماع، ولكي تحقق غاياتها كان لابد لها أن تزيل من طريقها أي معوقات، ومن ضمن تلك الدولة الطموحة دولة محمد علي باشا الذي كان يصبو إلى تقويض الإمبراطورية العثمانية بأكملها وأخذ مكانها، ولكن هيهات! لم تكن الدولة العثمانية التي وقفت له في الطريق فقط، بل الإمبراطورية العظمى (المملكة المتحدة) هي التي توجست من أطماعه فبدأت حرب المؤامرات. ومع ذلك اندفع محمد علي باشا للتخلص من الدولة الصغيرة في ذلك الوقت لكي يصل إلى الخليج العربي وبذلك يعزز قوته البحرية فأجهز على الدولة السعودية الأولى وناصرته في ذلك بعض الإمارات المحلية وكيانات قبلية. وبإسقاط قصة نهاية مملكة كندة على قصة نهاية الدولة السعودية الأولى نجد التوافق التام، وفي ذات الوقت نحن متأكدون بأن ما روي عن كيفية نهاية الدولة السعودية الأولى صحيح، وبالمقارنة يكون ما روي عن مملكة كندة صحيح باستثناء ما شابه من زيادة أو نقصان. وبالنسبة إلى كيفية تطور الحكم في كنده فهو دليل واضح على وجودها إذا قارناه بكيفية تطور الحكم في ممالك مشابهة. فصورة تطور الحكم في كنده تجري كالآتي، بدأت بظهور اسم ملك يعرف بحجر بن عمر آكل المرار والذي شخص في الكتب التاريخية على أنه هو موجد الكيان الكندي بعد حروب داخلية، وإخضاع قبائل عدة، وإبرام اتفاقيات مع قبائل أخرى. توفي هذا المؤسس هرماً في عاصمة مملكته، ثم تقاسم السلطة ابنيه أحدهما اسمه عمرو بن حجر الملقب بالمقصور الذي حكم الجزء الغربي من المملكة الكندية وبقي هو رأس الدولة، والآخر اسمه معاوية الجون الذي حكم شرقي المملكة الكندية حكماً داخلياً. وبعد وفاة عمرو المقصور حكم ابنه الحارث الحراب الذي توسع في المملكة حتى كادت تشمل جميع أطراف الجزيرة العربية بل استولى على الحيرة نفسها، وبتأثير صراعات دولية وفتن داخلية أوقدت نارها أطراف خارجية قتل الحارث فخلفه، على عرش كنده ابنه حجر بن الحارث الذي حكم حكماً مترنحاً فحاول أن يذل القبائل بقسوة قادت إلى قتله. ثم خلفه إخوته الذين كانوا يحكمون مقاطعات الدولة إلا أنه سريعاً ما دب الخلاف بينهم والحروب نتيجة للتدخلات الخارجية والأطماع الفردية وبرزت في خضم هذه الأحداث شخصية ابنه امرئ القيس الشاعر المعروف للمطالبة بالحكم فاستطاع أن يستنجد بملوك اليمن، وأن يكون جيشاً من المرتزقة، وأن يستقطب قبيلة تغلب إلى جانبه إلا أنه لم يستطع الاستمرار نظراً لتخلي القبائل عنه وعدم قدرته على تكوين جيشاً من المرتزقة فبدأ متجلوياً وقيل إنه استطاع أن يصل إلى قيصر الروم ليستنجد به إلا أن نهايته سجلت خلال مسيرة عودته من اسطنبول إذ توفي بالقرب من أنقرة متأثراً بمرض روي أنه الجدري ولذا فهو يلقب بذي القروح وبوفاته انتهت المطالبة بعرش كنده وأصبحت كل قبيلة تريد السيادة في الجزيرة العربية. وعندما نريد أن نسقط كيفية تطور حكم دولة أخرى على تطوره في دولة كنده لربما وجدنا التطابق التام مع تطور الحكم في الدولة السعودية الثانية كعهد قريب منا. يعرف تاريخياً أن المؤسس لها هو الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود بن مقرن عن طريق إخضاع عدد من القبائل والتحالف مع عدد آخر وطرد بقايا جيوش العثمانيين. وبعد وفاته تولى الحكم ابنه الإمام فيصل بن تركي الذي وسع في مملكة أبيه وقسمها إلى ولايات وجعل عليها حكاماً من الأسرة المالكة. وبعد وفاته تولى الحكم ابنه الإمام عبدالله الذي استطاع في بداية الأمر من الإمساك بالحكم بقوة إلا أنه لم يلبث طويلاً حتى ضعف بسبب ثورة أخيه سعود عليه وتجييش بعض القبائل العربية وانقسمت المملكة إلى جزئين، جزء حكمه الإمام عبدالله بن فيصل وجزء حكمه الإمام سعود بن فيصل، ولكن لم تستقر الأمور فثارت الثائرة بن الأخوين ودارت الحرب وانتهت الأمور بوفاة سعود وتفرد عبدالله بالحكم، إلا أنه تفرد لم يطل انتهى بثورة أبناء سعود على عمهم عبدالله وبداية سلسلة من الخلافات والحروب نتج عنها طمع ابن رشيد حاكم حائل في الاستيلاء على ممتلكات الدولة السعودية الثانية، وتحقق له ذلك بالاستيلاء على الرياض، وترحيل أبناء الإمام فيصل بن تركي إلى حائل بإقامة جبرية، وقتل بعض أبناء الإمام سعود بن فيصل في الخرج في مذبحة فيها الغدر واضح قادها زامل بن سبهان حاكم الرياض من قبل ابن رشيد. وبعد أحداث داخلية أخرى ترك عدد من آل سعود الرياض متوجهين إلى الخليج العربي حيث انتهى بهم المقام في الكويت وبقوا فيها عشرة أعوام بعدها بدأت مرحلة تأسيس الدولة السعودية الثالثة على يدي الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود بن مقرن آل سعود. وعندما نقارن كيفية تطور الحكم في هاتين الدولتين نجد أنه قريب من بعضهم البعض بل نجد أن المدة الزمنية التي حكمتها كل دولة تكاد تكون قريبة من بعض فالدولة السعودية الثانية من الثابت أنها تأسست عام 1240هـ وانتهت عام 1309هـ، أي أن عمرها 69 عاماً ويقابل ذلك من الجانب الكندي تأسيس مملكتها بحدود 450م وانتهائها بعام 528م وهي سنة قتل الحارث وهذا يعني أن عمرها الزمني 78 عاماً، فنلاحظ التطابق القريب من التكامل ما بين عمري الدولتين. ومن حيث التطور المكاني نلاحظ أن المؤسس في كندة قضى حياته في توحيد المملكة وتقويتها وإبعاد خصومها عنها وتثبيت دعائم الحكم. وهذا الشيء ذاته نجده في فترة مؤسس الدولة السعودية الثانية الذي قضى فترته في حروب مع القبائل، وفي حروب مع الجيوب العثماني التي تركها الغزاة، وفي إبعاد الأخطار الخارجية عن الدولة وتثبيت دعائمها. وبالنسبة للانتشار فنجده في عهد الأبناء إذا انتشرت الدولة السعودية في عهد فيصل بن تركي إلى معظم أجزاء الجزيرة العربية وكذلك الحال في عهد خلفاء حجر آكل المرار الكندي إذ انتشرت في عهد حفيده الحارث الحراب إلى معظم أجزاء الجزيرة العربية. أما نهاية الدولتين فقد جاءت في عهد الأحفاد وجاءت نتيجة لتدخلات خارجية وخلافات محلية. وهكذا نجد أن كيفية تطور الحكم في مملكة كندة أحد شواهد إثبات حقيقة وجودها. وعليه نجد أن نهاية الحكم، وكيفية نهايته، وتطور التوزيع المكاني، والتطور الإداري، شبيه بين المملكتين وهذه عوامل تساعد على إثبات وجود كندة كمملكة، بل تثبته وتوكده.
العربية
0
0
1
121
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
دراسة مقارنة لموقع الرجاجيل في الجوف أ.د. عبدالعزيز بن سعود بن جارالله الغزي يقع موقع أعمدة الرجاجيل في منطقة الجوف بالقرب من سكاكا، ويأخذ الموقع رقم 201/5 في سجلات وكالة الآثار والمتاحف السعودية "هيئة الآثار حالياً". يقع على بعد عشرة كيلومترات جنوبي مدينة سكاكا، ويعود اكتشافه إلى عام 1968م حينما مر به فردريك وينيت ووليم ريد ونشرا تقريراً عنه في كتابهما المنشور عام 1970م. وصفه وينت وريد بأنه عبارة عن موقع دوائر حجرية عظيمة وغير عادية. وفسرا مكونات الموقع بأنها تكون ملاجئ من الرياح، أو أنها مدافن في الأرض، وأن تلك الأعمدة توجد في مجموعات منفصلة. قارن وينيت وريد الأعمدة بما يوجد في الأضرحة القديمة في الأردن وأكدا أنها مقامة عمداً لتحقيق هدف محدد يعرفه قوم ذلك الزمن، ولا نزال نحن نجهله. في عام 1972م قام فريق من وكالة الآثار والمتاحف السعودية "هيئة التراث حالياً" بمسح الإقليم الشمالي للمملكة العربية السعودية، وكان موقع الرجاجيل حينها من ضمن الأماكن التي طالها المسح. في التقرير المنشور، تحدث الفريق العلمي عن الموقع، وفي حديثه ذكر أن الموقع يتكون من خمسين مجموعة من الأعمدة القائمة منفصلة عن بعضها البعض تقريباً. وأضاف أن العديد منها كان محطماً، ولكنها كانت في الأصل ترتفع إلى ثلاثة أمتار. تقوم مجموعات هذه الأعمدة بشكل عشوائي على سلسلة من المصاطب المنخفضة تغطي مساحة قدرها 500X300متر، وتشرف على وادي فسيح شق طريقه إلى النفود. تضم كل مجموعة من هذه الأعمدة ما بين اثنين وعشرة أعمدة، تقف متعامدة على منصة هضبة بيضاوية الشكل. في عام 1977م قام فريق مسح المنطقة الشمالية للموسم الثاني من قبل وكالة الآثار والمتاحف السعودية بزيارة الموقع ومسحه. يذكر فريق المسح في تقريره المنشور أن نسبة الموقع إلى العصر النحاسي أصبحت أكثر تأكيداً. كما ذكر أنه يتكون من حوالي خمسين مجموعة من الأحجار القائمة رأسياً، ومعظمها الآن، أي عام 1977م، على الأرض. يذكر أعضاء فريق المسح أن ارتفاع البعض منها يبلغ ثلاثة أمتار في الأصل. وأضاف أن التنقيب في الموقع أسفر عن وجود كميات من الأدوات الحجرية التي تضم مكاشط من حجر الصوان المصقول، ومخارز، وشفرات. كما وجدت بعض الكسر الفخارية التي ذُكر أنها قابلة للتأريخ بالألف الرابع أو أوائل الألف الثالث قبل الميلاد. اختار أعضاء الفريق المجموعة رقم "8"، وهي من أصغر مجموعات الأعمدة كنموذج لبحث الموجودات السطحية. بعد ازالت الرمال عن الأعمدة، اكتشفوا منشآت لم يسبق أن امتدت إليها يد بشر. المنشآت تتكون من أربعة ألواح كبيرة من الحجر الرملي، وضع ثلاث منها على الحواف بشكل أفقي بينما ازيح الرابع قليلاً. عُثر في داخل الموقع المنقب على أدوات حجرية وكسر فخارية. فيما بعد، تعرض الموقع لدراسة من قبل يوريس زارينس نشرها عام 1979م ضمن نتائج أعمال موسم المسح الثاني للمنطقة الشمالية المنفذ عام 1978م. طبقاً لما جاء به يوريس زارينس، فإن الموقع عبارة عن مصطبة من الحجر الرملي قليلة الارتفاع تطل على منخفض واسع إلى الجنوب تماماً من "قارة". يفيد يوريس زارينس أن مسح عام 1978م قد أسفر عن الكشف عن عدد من مواقع العصر الموستيري، وسلسلة متتالية من مواد متأخرة، ومن أبرز ملامح الموقع الأعمدة الحجرية. وذكر أن الأعمدة ترتفع إلى ثلاثة أمتار ونصف، ويصل قطر الواحد منها إلى 75سم. يرى أن الأعمدة بالرغم من كونها تبدو غير منتظمة في الوقت الحالي إلا أنها كانت في الأصل مشيدة بطريقة منتظمة، وتتكون من مجموعات منعزلة. كما ذكر أنهم شاهدوا رسوماً محفورة على الصخور الملساء، وبعض الحروف الثمودية، ورسوم لوعول وغيرها. وافاد أن هناك مباني مستطيلة على شكل حرف "D"، ومباني مستطيلة ملحقة بالأعمدة. في عام 1977م حُفر واحد من هذه المباني، فتكشف الحفر عن خمس طبقات مختلفة، ولم يكتشف أي مواد متأخرة أو متقدمة على تاريخ الوحدة المعمارية. ذكر فريق المسح وجود ثلاث نقر في شمال وغرب وجنوب غرب المنشأ ظنوا أنها استخدمت كمواقد للتدفئة. تبلغ مساحة المبنى برمته 4X5، 20متر تقريباً، وظُن أنه لم يستخدم لأمور دينية معينة، ولم يُعثر على ما يدل على أنها مقابر أو مساكن. لذا اُعتقد أنه كان يستخدم لأداء شعائر دينية. ذكر فريق العمل أن هناك خلافاً كبيراً بين حجم كل من الأعمدة والمنشآت التي ذكرنا آنفاً، كما أعلن في تقريره المنشور عجزه عن تفسير تلك الظاهرة. ذكر يورس زارينس أنه عُثر على الهضبة، حيث توجد المنشآت الحجرية، على مخلفات حضارية مختلطة بالرمال، مثل: الأدوات الحجرية، والأواني الفخارية، والأصداف، والعظام. تظهر الأواني الفخارية بثلاثة ألوان: طفلي، وبني داكن، وأحمر. وبموجب مقارنة الأدوات الحجرية والأواني الفخارية مع مواد وجدت في مواقع عُثر عليها في سيناء والنقب والساحل الفلسطيني، رجح تاريخ مواد الموقع إلى العصر الحجري النحاسي في الشرق الأدنى القديم الذي يشير إلى الألف الرابع قبل الميلاد، بالإضافة إلى امكانية إعادة المنشآت المشيدة بأحجار ضخمة وغير مشغولة إلى الزمن ذاته. أسفر مسح عام 1978م الذي قامت به هيئة التراث "وكالة الآثار سابقاً" عن اكتشاف الكثير من مواقع المنشآت الحجرية في محيط موقع الرجاجيل التي عّدها الفريق الأثري مستوطنات صغيرة، بالإضافة إلى حقول مقابر منها المتقن في بنائه. في أغلب تلك المنشآت وجد كسر فخارية شبيه بما وجد في موقع الرجاجيل، إلى جانب الأدوات الحجرية المماثلة لما وجد في موقع الرجاجيل أيضاً. من الباحثين الذين تحدثوا عن موقع الرجاجيل الشيخ حمد الجاسر الذي ذكر عنه في حديثه بعض التفاصيل جاءت في ضوء مشاهداته عندما زار الموقع ونشر عنه في كتاب صدر له عام 1400هـ/1980م. في عام 1988م قام د. خليل بن إبراهيم المعيقل بمسح موقع الرجاجيل من ضمن المواقع التي قام بمسحها أثناء اعداده لدرجة الدكتوراه في جامعة ادنبره في المملكة المتحدة. كما تحدث تركي القهيدان عن موقع أعمدة الرجاجيل بعد قيامه بزيارة للموقع ومشاهدته لمركباته الإنشائية، ونشر عدداً من الصور لمواضع تقع في الموقع. قام الباحث الألماني جيبل لاحقاً بأجراء موسم مسح لموقع أعمدة الرجاجيل، تمكن من خلاله تأكيد ما ذهب إليه الباحثون السابقون من أنه موقع مقابر يؤرخ بالعصر البرونزي، إذ ظهر توافق بينه وبين مواقع سبق أن درسها الباحث في جنوب الأردن، ونشر جزءاً منها. زار الموقع أ.د. عبدالعزيز بن سعود الغزي عندما كان عضواً في لجنة محاكمة المعتدين على الآثار، ووقف عليه. تبين له من المشاهدة الميدانية أن الموقع عبارة عن هضبة ذات ميلان تقع على حافة واد أو شعيب، وتتناثر عليها المقابر الركامية التي ترتكز الأعمدة عليها. وللأسف، دمر جزء كبير من الموقع لمصلحة الأراضي الزراعية المحيطة به. اسفرت الأعمال الميدانية الحديثة عن تأكيد حقيقة تؤكد أن الأعمدة المنصوبة على المدافن لا تقتصر على موقع الرجاجيل، بل وجدت في مواقع عديدة في أنحاء المملكة العربية السعودية، منها موقع رجوم صعصع في جوار سور موقع تيماء القديمة في شمال المملكة العربية السعودية. كما وجد مواقع تنتشر فيها الأعمدة المنصوبة لتظهر وكأنها مكان لقص الأعمدة، تم نقلها لغرسها على المقابر الضخمة. في منطقة الرياض. وجدت مواقع عديدة تظهر فيها الأعمدة المنصوبة من أهمها موقع يقع بالقرب من حفيرة نساح بين الرياض والخرج، وموقع يقع في الدوادمي، وآخر في السليل. تتميز أعمدة موقع الرجاجيل بكونها ذات ارتفاع يفوق ارتفاع ما وجد منها في المواقع الأخرى، كما أن الأعمدة تأخذ سمك أكثر مما يتوافر في أعمدة المواقع الأخرى التي تتصف أعمدتها بأنها ألواح حجرية عريضة وذات سمك رفيع وغير مرتفعة. توجد أعمدة الرجاجيل بشكل مجموعات، هذه الخاصية وجدت في مجموعة بعض المواقع مثل موقع أبو برقاء في محافظة الشماسية في منطقة القصيم، وموقع الشوكي في شعيب الشوكي الواقع شمال شرق الرياض، وموقع حفيرة نساح في وادي نساح. يتضح أن الأعمدة توجد في الأماكن التي توجد فيها المنشآت الحجرية الأخرى مثل الرجوم كما هي الحال في موقع حفيرة نساح، والرجاجيل، وأبو برقاء، ومواقع أخرى في المملكة العربية السعودية. لذا يتبين أن لوظيفتها صلة بالمقابر والمعتقدات الدينية.
العربية
0
0
1
121
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
هذا كتاب بعنوان (القلم العربي الثمودي) نشره د. عيد اليحيى وزميله أ.د. قصي التركي عام 1447-2025م، مزودا بشروح وصور بعضها لأول مرة ينشر .
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi tweet media
العربية
0
0
1
75
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
سعدت في هذه الليلة بتلقي كتابين هدية من مؤلفهما ابن العم د. عيد بن حمد اليحي. احدهما أمامك وبعنوان "المدافن الحجرية في المملكة العربية السعودية". هذه النسخة نادرة باحتوائها على عشرات الصور لأنواع من المدافن الحجرية كما يسميها د. عيد و زميله.
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi tweet media
العربية
0
2
8
397
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
الصيد بالأسود والقوس والسهم هذه الصور تحمل مشهداً شُكل قبل الإسلام بفترة قد لا تكون قصيرة مشهد صيد شكل بالحت الكامل لمكونات المشهد، المتمثلة بصياد يحمل معه قوساً وسهما مصوباً باتجاه وعل له قرون مشوكة وخطيرة جداً. يظهر أمام الوعل أربعة أشكال المرجح أنها حروف مسند قديمة. يظهر خلف الوعل شكل لحيوان مفترس من هيئته أرجح أنه شكل لأسد.
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi tweet media
العربية
2
0
2
194
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
يتبع... تجدر الإشارة إلى أن هناك مواد أثرية لها مناهج دراسة تختلف عمّا ذكر آنفاً. من المواد المعنية الكتابات التي بدأت تصويرية، ثم مقطعية، ثم ابجدية. من خلال هذه المناهج أوجد مناهج فرعية عدة ولدت معلومات متنوعة عن حضارة الإنسان وجهوده ومساهمته في نمو وتطور الحضارة الإنسانية. المواد الأثرية من حيث تحديد الهوية المكانية، أي مكان العثور، تقع في فئتين: تشمل الفئة الأولى المادة الأثرية السطحية، أي تلك التي توجد على أسطح المواقع الأثرية ولهذا السبب لا يتوفر لها تسلسل طبقي يتقيد بالتتابع العمودي، أي تقيد الزمن بالعلو والارتفاع، فالأسفل يكون أقدم مما يعلوه وهكذا. أما الفئة الثانية فهي التي تأتي من سطوح المواقع الأثرية وتتقيد بالانتشار الأفقي. ولتحديد الزمن في هذا النوع لا بد من استخدام المادة الأثرية المنقولة كالأواني الفخارية، والحجرية والزجاجية، وقطع العملة، والأختام، وأنماط الزخرفة، وأنماط الكتابة، وأنماط الأواني الفخارية، وأنواع الكتابات لاستخلاص المعلومات الممكنة. بشكل عام بدأت الدراسات الأثرية كنشاط للهواة، تم تحولت إلى كونها مصدر مباشر وصادق في دراسات الحضارات القديمة من خلال أدلة مادية عينية تُرى وتُحس وتُلمس وتُشخص وتُحول إلى مادة بحث، بعد أن يُعثر عليها في أماكنها الأولى لم تحرك. أما بخصوص مدارس الآثار فهي متعددة، فهناك المدرسة الغربية التوراتية التي تعتمد على ما جاء في التوراة لتفسير الماضي من خلال استنطاق ما يُعثر عليه من مادة أثرية استخدمها الإنسان أو تعامل معها كملاجئ في أوقات التغيرات الجوية العنيفة، أو كمصدر ماء وبخاصة في أوقات الصيف الحارقة، أو كمأوى دائم يلجأ إليه الإنسان في الليل وخلال الأحوال المناخية القاسية في أيام القيض الحارقة، وخلال أيام الشتاء الباردة، وخلال الأحوال المناخية العنيفة. مهما كانت الحال، فالأرض هي المسرح الذي عليه مثّل الإنسان الحياة بخيرها وشرها، وقابل الظروف القاسية؛ فمرة تلافها، ومرة دمرته. كل الزمن الذي مر على وجود الإنسان على الكرة الأرضية تتحدث عنه آثاره الباقية جزئياً. أما ما اختفى أو تحلل فلا سبيل إلى معرفته، وعليه فما نعرف لا يمثل إلا القيل مما كان. ومع العمل في المواقع الأثرية سوف تزيد معرفتنا بكيفية عيش الإنسان القديم من: انتاج، واستهلاك، ومعالجة ظروف متنوعة ومتعددة. كيف نحقق أكبر قدر من التاريخ المنسي، لا سبيل إلى ذلك سوى المواقع الأثرية وما يوجد فيها من الآثار الثابتة؛ كالعمارة بأنواعها المختلفة، والكتابات المحفورة أو المحززة على واجهات الجبال والمباني الرئيسة، والرسوم الصخرية التي وثق الإنسان القديم أعماله ونشاطاته اليومية من خلالها بالرسم المحزوز أو المحفور على وجهات الصخور، ورسومه في الكهوف الكبيرة والصغير، وعلى الكتل الحجرية القابلة لتحريك. تعرض جميع ما ترك الإنسان للضرر، ومع ذلك يختلف تأثير الضرر من مكان إلى مكان تبعاَ لنشاطات الإنسان اللاحق مع تأثير ظروف مناخية مختلفة: من حرارة، ورطوبة، وأمطار، ورياح عاتية. مهما كانت الحال، يمكن للباحث أن يلملم معلومات مما ترك الإنسان القديم، ومما يلملم يمكنه أن يبني حقائق ووقائع ومناهج وسلوكيات لا ترى بالعين، ولكنها تبنى بالمقارنة والاستنتاج؛ وبالتالي تفرض نفسها على الباحث، ومنها يستخلص حقائق لم تكن حاضرة من الوهلة الأولى. المنهج الأثري المتبع في المواقع الأثرية في المملكة العربية هو المنهج البريطاني الذي اعتمده مايكل آدم، وفلندر زبتري، وبيتر بار وغيرهم. هذا المنهج يقوم على مفهوم تعاقب الطبقات عمودياً بحيث تكون الطبقة العليا أقدم، لذا يعتمد هذا المنهج على التتابع الطبيعي العمودي مع مراعات وجود طبقات انقطاع استيطان. تتميز هذا الطبقات بعدم وجود معثورات أثرية سواء الثابتة مثل الجدران أو المنشآت البشرية بمختلف أغراضها السكنية، والحربية الخاصة والعامة؛ وتلك التي خصصت للمراقبة ومن ثم الإنذار المبكر؛ أو المنقولة مثل الأواني الفخارية ومستلزمات الزينة المصنوعة من مختلف المعادن الرئيسة، ومن الزجاج كالأساور والقلائد وما شابه ذلك. هناك منهج آخر يُتبع عند ما يكون انتشار الظواهر الأثرية وبخاصة الانشائية أفقياً بحيث يأتي قوم ويقيمون منشآت ولأي سبب يتركها أحفادهم؛ فيأتي قوم آخرون ويضيفوا إليها أو عليها منشآت جديدة يمكن تمييزها بمادة بناءها أو بمكونات تلك المادة أو بطريقة تنفيذها. في مثل هذه الحال، يحسب الزمن وفق التعاقب الأفقي لمكونات الموقع وملاحظة التغيرات التي طرأت على كل مكون، فيتكون تعاقب استيطاني أفقي أولي يستوجب التعضيد بأدلة تستنبط من المواد الأثرية التي توجد في الموقع. في بعض المواقع الأثرية تكون الطبقات الفاصلة بين التعاقب واضحة وبخاصة الرملية منها، وهنا عادة ما يخلو هذا النوع من المعثورات الأثرية القابلة للحمل والنقل من مكان إلى آخر. هنا يُعتمد على القرائن لفصل الطبقات الأثرية عن بعضها البعض، ومن القرائن الواضحة وجود مواد دخيلة، مثل: الرماد؛ وبقايا المواقد ككسر الفحم، والمصنوعات القابلة للكسر كالأواني الفخارية والزجاجية. الخ. أما المقابر فيمكن الاستفادة منها في تكوين تصور عن استيطان الموقع، وفترته الزمنية، ومقدار امتداده الزمني من خلال تدوين معلومات عن طريقة الدفن، فهناك من يدفن كامل الجسد، وهناك من يفصل الرأس عن الجسد، وهناك من يدفن الجسد دون رأس. وهناك من يحرق الجسد ويدفن رماده، وهناك من يحنط الميت ويدفنه. وتتوفر في المقابر مواد أخرى متنوعة تساعد في تأسيس تأريخ المدفن؛ ومن تلك المواد الأسنان التي تساعد في معرفة عمر الدفنة بواسطة تحليل كربون14 المشع، وعمر الميت ساعة موته، وجنسه. كما أن توجيه الرأس له دلالات على زمن الدفن ومعرفة المعتقد الديني لمجتمع الميت. أما نوع أو أنواع القبور فيساعد في تحديد زمنها بمقارنة موجوداتها بغيرها من موجودات المقابر المشابهة التي سبق أن بُحث فيها. كما تساعد الموجودات الأثرية وبخاصة العملات والأختام والأنماط المميزة من الأواني الفخارية والمعدنية مجتمعة أو متفرقة على تأسيس تاريخ أولي للموقع وما وجد فيه من مواد أثرية. أنماط المقابر ذاتها لها دلالات قوية فيما يخص تأريخها. فعلى سبيل المثال توجد في البدع في شمال غرب المملكة العربية السعودية مقابر نحتت في جذوع جبال هشة، في الأول تنحت غرفة تتراوح أطوالها بين 3×4م ولها بوابة. في كل جانب نحت عدد من المقابر. في الوسط يوجد عدد من المدافن المنحوتة في الأرضية مع ترك ممرات بينها. خصص لكل مدفن ميت واحد، وعند فنائه يوضع بدلا منه ميت آخر. هنا تأتي فائدة العظام وبخاصة تلك التي يتم رفعها من مكانها وفقاً للطرق العلمية المعتمدة. أما في جبال الخريبة في العلا فهناك مجموعة مقابر منحوتته في جذوع جبال حجرها صلب، ويميل للون البني المحمر. هنا تكون القبور في الغالب منحوتة في أرضية الغرفة، وعلى جوانب الغرفة تنحت كوات ربما استخدمت لوضع مرفقات الموتى. يوجد على مداخل بعض تلك المدافن منحوتات، أهمها الأسود والنسور. العمل متقن بدرجة عالية جداً، ويدل على تطور مهني وعلمي واضح. يتجلى كل منهما في معرفة خصائص تلك الصخور، مما سهل عملية التعامل معها، والمحافظة على الشكل المطلوب، نتيجة للسيطرة التامة على مادة العمل المنجز بالرغم من الصلابة المتناهية لتلك الصخور. وجد في موقع قُرية، في منطقة تبوك، داخل سور البلدة الأثرية مغارتان كبيرتان وعميقتا منحوتتان داخل الجبل. في كلا المغارتين وجد بقايا جثث بشرية مما يؤكد استخدامها كمقابر، والبعض يرى أن تلك البقايا ليست إلا لبشر قتلتهم حيوانات آكلة للحوم وجرت جثثهم إلى المغارتين لتخفيها عن الحيوانات الأخرى ولتقتات عليها. بصرف النظر عن الرأي سالف الذكر، المؤكد أن المغارتين من عمل الإنسان، والإنسان لا يكلف نفسه في عمل شيء إلا أن كان له مصلحة من عمله؛ والمصلحة هنا هي حماية من أوجدهما لنفسه وذويه وممتلكاتهم من تعديات الإنسان والحيوان، فلكل مغارة مدخل يمكن قفله في ساعات الخطر أو في الليل. في مدين إلى الشمال الغربي من مدينة تبوك، عُثر على مجموعات من المدافن المنحوتة، وفي كل مدفن نحتت عدة أماكن دفن. ولكون تلك المدافن في جبال رملية أصبحت سهلة التأثر بعوامل الطبيعة، مثل: الرياح، الأمطار، الحرارة، والبرودة. الخلاصة: جميع ما مرّ يفرض علينا أن نهتم بكل ما نراه على أسطح الموقع الأثري، وما نعثر عليه في الطبقات الأثرية في المواقع الاستيطانية إن أجرينا فيه مجسات اختبارية أو حفريات ممتدة، وأن نوثق ما نعثر عليه بالوصف الدقيق ساعة العثور عليه سواء أكان معلماً ثابتاً أو مادة منقولة كبيرة أو صغيرة. فإن تساهلنا بتلك الأشياء وأغفلناها، فقدنا الكثير من المعلومات التي كان بالإمكان الحصول عليها. لذا على الباحث في الآثار أن يكون دقيقاً، ومع الدقة يكون حريصاً لا يستهين بأي دليل مهما صغر، أو معلومة مهما قلت، وعليه ألا يتعجل الفائدة من الأثر؛ فما تراه اليوم غير مفيد، قد يكون في الغد ذو فائدة كبيرة. يجدر بنا أن نشير إلى أنه يوجد في علم الآثار مناهج عدة، ويلائم كل منهج منها نوعاً من أنواع المواد الأثرية. أول تلك المناهج هو التسجيل الدقيق للأثر سواء أكان منقولاً أو ثابتاً. فالواجب على الباحث الأثري تسجيل كل معلومة يمكنه الوصول إليها، ولا يتركها للحظة على أمل أن يعود إليها. فإن تركها، فالمرجح أنه في عودته إليها لن يجدها مطلقاًً. يقتضي منهج التسجيل في الآثار الدقة فكل سمة في الأثر يمكن أن تدلي بمعلومات يجب أن تدون في الحال، فما يؤجل الأرجح أنه يُفقد إلى الأبد. التسجيل الأثري يبدأ بنوع اللقى، ثم مكان اللقى الذي عثر عليها فيه، كما يجب ذكر زمنها التقريبي إن أمكن، ثم طريقة العثور عليها، سطحي أو طبقي، ثم قياساتها، ثم صفاتها الواضحة، ثم ما يمكن أن يستنتج الباحث منها في حينه. يجب أن يواكب تسجيل اللقى الأثرية، وصف متكامل لطبقة أو الطبقات الأثرية ذات العلاقة، فتُبين محتوياتها، ويُبين وضعها إن كان أصلي لم تغيره يد الإنسان، أو أنه تعرض لعبث بشري بعد رحيل أو فناء معاصريه من بني البشر. يستمر تطبيق ما ذكرنا أعلاه على الطبقات الأثري حتى الأرضية البكر في الموقع. بعد ذلك ترسم الطبقات على ورق كلك "شفاف"؛ وإن كان بالإمكان، ترسم اللقى الأثرية في كل طبقة وجدت فيها. يطبق هذا المنهج على الطبقات المتتالية حتى الوصول إلى الأرض البكر، أي تلك التي لا يوجد فيها أثراً للإنسان. بعد أن تحدد الطبقات الأثرية، ويوثق مكان العثور عليها، وتحدد موجودات كل طبقة، ويتم وصفها؛ تبدأ دراسة الموجودات الأثرية المنقولة والثابتة في كل طبقة على حدة. بعد الانتها من دراسة الطبقات، وتحديد التاريخ التقريبي لكل طبقة بموجب ما تمليه المادة الأثري التي تم العثور عليها في الطبقة ذات العلاقة؛ تزمن الطبقة بالأدلة البينة من مادتها الأثرية. يطبق ما ذكر آنفاً على موجودات كل الطبقات الأثرية في مكان الدراسة والتنقيب. وبموجب نتائج الدراسات المقارنة للمواد الأثرية التي تم العثور عليها في طبقات الموقع، يصبح من الممكن وضع تاريخ تتابعي للموقع من خلال مادة المجس أو المجسات التي انجزت. ومع اجراء المزيد من الأعمال يمكن رسم تزميناً أولياً للموقع. يطلق على ما ينتج عن تلك الإجراءات: التاريخ التتابعي. انتهى...
العربية
0
0
0
44
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
بسم الله الرحمن الرحيم منهج الدراسة الأثرية في المملكة العربية السعودية أ.د. عبدالعزيز بن سعود بن جارالله الغزي لكل مادة علمية منهج يناسبها، بل يفرض طريقة التعامل معها. على سبيل المثال، في علم الآثار أيّا كانت مادة الدراسة، يلزم الباحث تفعيل منهج التساؤل لأن ما أمامه بالنسبة له كباحث يعتبر من الأشياء المجهولة، وفي الوقت نفسه على الباحث أن يفكك ذلك المجهول ليحوله إلى معلوم، ولكي يتحقق هذا التحوّل يلزم الباحث أن يبني المعلوم من مُسألة المجهول ليحولها إلى المعلوم بتنقيتها. هذا هو الطريق الوحيد للوصول إلى حقيقة الأشياء، ولكن قد يطول الطريق على الباحث قبل تحقيق هدفه؛ وقد يقصر ليبدأ في تفكيك المجهول بمعرفة المعلوم. بشكل عام الباحث يستطيع أن يعتمد المنهج الذي يريد ويتوافق مع مادة بحثه شريطة أن يطبقه وفق الشروط الرئيسة المعتمدة في المنهج ذاته. بدأ الاهتمام بالآثار كمصدر مهم لتاريخ الإنسان قبل ثلاثة قرون أو حولها. تمثلت بدايته بوقوف أوائل المهتمين بتتبع تاريخ الإنسان على الآثار اللافتة للانتباه من الآثار الثابتة كالأهرام والقلاع والقصور والحصون وأبراج المراقبة والتحذير، والمدافن الركامية؛ ومن الآثار المنقولة كقطع العملة القديمة، وكسر الأساور المعدنية والزجاجية، وبقايا الأواني الفخارية المزخرفة والمصقولة والمبطنة وغير المبطنة والمطلية بالألوان الأحادية أو المتعددة، والأواني الزجاجية ذوات الاستخدام المتنوع: كالشرب، والطبخ، والحفظ الثابت، والحفظ المنقول، والتخزين لمادة الإعاشة، مثل: أواني الفخار مختلفة التصاميم والأحجام. تشمل الآثار أيضا كل شيء استخدمه الإنسان مصنّع أو غير مصنّع إلا أنه قابل للقيام بوظيفة فاعلة وقد تم استخدمه. الآثار بشكل عام هي ممثل لجزء من نشاطات الإنسان عبر مد من الزمن طويل أطلق علية الآتي: 1- العصور الحجرية وتشمل، أ- العصر الحجري القديم، ب-العصر الحجري الوسيط، ج- العصر الحجري الحديث. تلت تلك العصور عصور الكتابة وتشمل: 1- عصر الكتابة الهيروغليفية، 2- عصر الكتابة المقطعية، 3- عصر الكتابة الأبجدية. بعد ذلك ظهر عصر الحضارات الممتدة، أي التي تعيش قرون عدة ثم تنقرض بالتحول إلى الضعف نتيجة لأسباب تختلف من حال إلى حال، ليظهر غيرها من رحمها لكي يبدأ النمو والتنوع من جديد. هكذا هي عجلة المكان والزمان لم تتوقف عن الإنتاج والتنوع المعقد والمتطور والمتراجع من وقت إلى وقت، لأن الكمال لله تعالي خالق وموجد الأشياء بأنواعها المختلفة من جوامد ومتحركات وناطقات وغير ناطقات. ومن بعد وقت يطول أو يقصر تموت أشياء، وتولد أشياء لتموت، والبقاء لله سبحانه وتعالى موجد الكون ومن فيه وعليه. لذا، كل ما خلف الإنسان مهما صغر أو كبر، ومهما كان مهماً أو أقل أهمية؛ يُعدُ مصدر معلومات لا يستهان به لتاريخ ذلك الإنسان الفائت، بل يحب أن يُعطى اهتماماً بالغاً لأن السلسلة المتصلة وإن قلة أهميتها، أفضل من السلسلة المتقطعة وإني كانت أهميتها بالغة الفائدة، فالأثر المتصل خير من الأثر المنبت. الآثار هي، على العموم، كل ما خلف الإنسان ويمكن روايته أو رؤيته وتفحصه، وفي الوقت ذاته قابل للنقل من مكانه إلى مكان آخر بشكل مباشر، أو بجهد تختلف قوته من أثر إلى أثر. قد يكون الأثر ثابتاً في مكانه كالعمارة بمختلف أنواعها. تنقسم الآثار بشكل عام إلى نوعين كل منهما يجمع أنواع فرعية عديدة، والفرعيات تتشعب منها فروع لا حصر لها. وعليه يمكن وضع الآثار البشرية في نوعين، هما: 1- الأثار الثابتة، 2- الآثار المنقولة. 1- الآثار الثابتة: تشمل الآثار الثابتة ما أوجده الإنسان أو وجده ثابتاً كالمغارات والغيران وفي الوقت نفسه مناسبا لاستخدامه، مثل: العمارة بأنواعها المختلفة، لذا يمكن تسمية كل أثر تركه الإنسان وبقي في مكانه حتى ساعة العثور عليه بالأثر الثابت. وفي الوقت نفسه لا يمكن نقله من مكانه إلا بدحرجة؛ أو قص، أو حمل، أو زحزحة، أو تجزئة، أو بالأربعة معاً. 2- الآثار المنقولة: تشمل الآثار المنقولة كل أثر تركه الإنسان، وفي الوقت نفسه قابل للنقل مباشرة دون اجراء أي عمل يؤثر بهيئة الأصلية التي أوجد عليها صناعة أو دون صناعة. وكأمثلة على تلك الآثار نذكر: الأواني الفخارية، الأواني الزجاجية، الأواني المعدنية، الأواني الخشبية، قطع العملة المعدنية؛ مواد الزينة كالخرز، والقلائد، والعقود، والأحزمة، والمجوهرات بمختلف أنواعها: من ذهبية إلى فضية؛ والأساور: الذهبية والفضية والمعدنية والعظمية، الخ. بداية الدراسات الأثرية: بدأت الدراسات الأثرية في العصر الحديث كعلم هواة، وجامعي تحف، ورحالة باحثين عن المعرفة أو الآثار أو الاثنين معاً من خلال الوقوف على مواقع الإنسان القديم لتّعرف على ماضي للإنسان في غالب الأحوال لم يدون. ومع مرور الوقت وتجلي أهمية الآثار لدراسة تاريخ البشر الذي لم يدون في كتابات مقروءة، بدأ الهواة من الرحالة الغربيين بزيارة المواقع الأثرية، ومن أهم مراحل هذه الفترة مرافقة مجموعة من العلماء لجيش الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت خلال غزوه للشرق القديم، وبخاصة وادي النيل حيث وجدت، ولا تزال موجودة أثار الحضارة المصرية القديمة الدالة على قوة اقتصادية ومكانية مرهوبة الجانب. ونتيجة لما قدمته تلك الحملة من صور ودراسات، بدأ العالم الغربي يهتم بحضارات الشرق القديم من خلال التعرف على الكتابات القديمة، والمعالم المعمارية الضخمة كالأهرام، والآثار المنقولة بأنواع مختلفة، وكان بالإمكان مشاهدة البعض منها على سطح الأرض. توالت الأعمال الميدانية المحلية، وأعمال البعثات الأجنبية من القارتين: الأوروبية والأمريكية ومن أماكن أخرى. ومع تطور الاهتمام بمراحل وفترات وأزمنة تاريخ البشرية منذ أقدم العصور، بدأ الاهتمام الفعلي بالدراسات الأثرية الميدانية كمصدر مهم، ووحيد أحياناً، لتاريخ ماضي مرً دون أن يكتب عنه لسببين: يتمثل السبب الأول بعدم معرفة الكتابة في أجزاء عديدة من العالم القديم، أما السبب الثاني فيتمثل باقتصار الكتابة بعد معرفتها على تدوين الأحداث المهمة يومذاك دون الاهتمام بالتفاصيل. بدأت في العصر الحديث وما قبيله المعاهد العلمية والمدارس المتخصصة بإيفاد بعثات أثرية علمية للمواقع الأثرية، ومن هنا بدأ تطوير التالي: 1- منهج علم الآثار وتفريعه بحسب التخصصات الفرعية التي تم العمل بها في مجال دراسة الآثار، وذلك مثل: الأدوات الحجرية، المصنوعات الفخارية، المنشآت الثابتة، والرسوم الصخرية، والمصنوعات المعدنية، 2- استحدثت مناهج لدراسة التسلسل الطبقي في المواقع الأثرية، وكذلك التعاقب الاستيطاني الأفقي في المواقع الأثرية التي لا يتوفر فيها تسلسل طبقي رأسي، وبالتالي تفتقر إلى التعاقب الاستيطاني العمودي. استحدثت فيما بعد مناهج تلائم وتناسب طبيعة المواقع الأثرية المتنوعة ليبدأ بعد ذلك تنفيذ أعمال تنقيب في المواقع المشهورة يومذاك. كما استحدثت مناهج لدراسة كل نمط من أنماط المواقع الأثرية سواء أكانت ذات استيطان استمر لمدة طويلة، أو مستقر عمّر لفترة أو فترات محدودة زمنياً. قد يكون الموقع عبارة عن محطة توقف عاشت لفترة زمنية محدودة على طريق تجارة أو طريق عبور من مكان إلى مكان، الخ، وعندما تُرك الطريق أو المعبر اختفت الأماكن القائمة عليه وبقيت آثارها. ومع ذلك، لا بد من القول: إن لكل صنف من أصناف الآثار، ثابتة أو منقولة، منهجاً يتناسب معه، ومكوناته، وتعاقبه الطبقي العمودي، وانتشاره المكاني أي تعاقبه الأفقي. علي سبيل المثال والتوضيح، يتطلب تكامل الدراسات الأثرية منهجاً لدراسة التوالي الطبقي، ومنهجاً لدراسة الفخار، ومنهجاً لدراسة المصنوعات الحجرية المنحوتة، ومنهجاً لدراسة الكتابات التصويرية، ومنهجاً لدراسة الكتابات المقطعية، ومنهج لدراسة الكتابات الأبجدية، ومناهج لتصنيف أنواع الآثار الصغيرة: كالخرز، والمجوهرات الذهبية والفضية والنحاسية؛ فأصبح لكل صنف من أصناف الآثار الثابتة والمنقولة منهجاً يتوافق مع ما يتوفر فيه من ملامح، ومكونات، وأشكال، ومادة صناعة، وتأثر، وأسباب تأثر..الخ. ولكون الدراسات الأثرية تتعامل مع جميع ما تركه الإنسان بعد استخدامه، أو صناعته ومن ثم استخدامه وتركه؛ وذلك مثل: المنتجات المنقولة على اختلاف أنواعها، والمنشآت الحجرية بمختلف أصنافها، ومنشآت الإنسان الصوفية كبيوت الشعر، والخوصية كالعشش والصرائف على اختلاف أصنافها. أضاف الإنسان إلى ما صنع، ما وجد في الطبيعة مناسباً للاستخدام دون تدخل من الإنسان وذلك مثل: المغارات والكهوف، فأصبح ما أضاف مادة أثرية دراستها تقدم معلومات من خلال ما يوجد ويمكن أن ينبأ عمن تعامل معها وهو الإنسان. ولكون الأمر كما ذكرنا أعلاه، عمد علماء الآثار إلى استخدام طرق ووسائل عدة للخروج بنتائج متنوعة الفوائد في مواضيع مختلفة؛ منها استخدم النار في انتاج الأواني الفخارية لتصبح مناسبة للاستخدام اليومي. كما أن صهر المعادن لتشكيل أواني وأدوات وأسلحة منها من معارف الإنسان القديمة. كما عمد الإنسان القديم إلى إضافة مواد إلى المكون الأصلي للمادة المستخدمة في الصناعة مثل أعواد القش التي عادة ما تضاف إلى عجينة الصلصال الذي منه تصنع الأواني الفخارية، وكسر الحجارة الجيرية وأنواع أخرى من الحجارة التي تضاف إلى العجينة الفخارية لتقويتها، فبعضها، وبخاصة المواد العضوية القابلة للاحتراق، تبقى منه أماكنه على شكل ندوب على سطح الآنية الفخارية المنتجة، وبعضها يترك سطح الآنية دون أن يترك أثراً سوى أثار بسيطة تدل على جزء مما كان. ونظراً لتنوع ما يُعثر عليه الباحث الأثري على أسطح المواقع وفي طابقتها المتوالية إما عمودياً أو أفقياً، لزم الباحث تبني منهجاً يناسب المادة التي تحت دراسته، إذ إن لكل نشاط بشري أو أثر من الآثار منهج يناسبه لينتزع منه أكبر قدر من المعلومات. وبموجب تنوع متطلبات العمل الأثري، وتنوع المادة الأثرية، واختلاف أنماط المواقع الأثرية؛ استخدم الباحث الأثري عدة مناهج كل واحد منها يناسب حالة منفردة، مع وقوع الكل تحت مسمى المنهج الأثري، وتفرع الكل في مناهج فرعية، كأن تقول: منهج دراسة مجموعة من الأواني الفخارية التي تم الحصول عليها من خلال تنقيبات أثرية، وعليه لا بد أن يشمل المنهج التوثيق المكاني، التوثيق الطبقي، التصنيف الشكلي، التصنيف الزخرفي، تصنيف الإنهاء الخارجي، تصنيف الشواء، تصنيف المواد المضافة.. الخ. ومع ذلك، فإلى جانب المنهج الأثري العام، لكل مادة أثرية منهج دراسة خاص بها تقيده سمات تلك المادة وتنوعها في السمات الفرعية: كطرق المعالجة، وطرق التهيئة، وطرق الإنتاج..الخ. ولاعتبارات متنوعة يفرضها تنوع ما خلف الإنسان على مر العصور، وبخاصة منذ أن استوطن الإنسان في أماكن دائمة خلال العصر الحجري الحديث، أي قبل تسعة آلاف عام وحتى يومنا الحاضر، مع تنوع المادة العينية التي توجد في المواقع الأثرية، تشمل مناهج دراسة الآثار التالي: منهج التوثيق الطبقي، هذا يعني أن يهتم الباحث بالتتابع الطبقي في الموقع خلال التنقيب، فيحدد بداية الطبقة الأثرية ونهايتها مع إيجاد مراحل داخلها، إن توفرت؛ من خلال تصنيف الطبقات الأثرية بمنهج العلو والارتفاع، أي أن الأقدم هو الأسفل والأحدث هو الأعلى كإجراء أولي، ووصف تكوين كل طبقة ومحتوياتها، علماً أن هناك استثناءات؛ ومن ثم يضع ما بينهما في مراحل بموجب المواد الأثرية التي يُعثر عليها في كل طبقة، فيكون الأسفل القائم على الأرضية البكر هو الأقدم، وما يعلوه أحدث منه وهكذا يتوالى الترتيب الزمني، بعد الأخذ في الاعتبار تأثيرات أنواع التخريب التي تكون قد تعرضت لها مادة التصنيف والطبقات الأثرية المعنية بالتصنيف وتأثير تلك العوامل بتزمين المكان المنقب من الموقع. لذا، تكون أول مرحلة من مراحل تزمين الموقع الأثري هي معرفة إن كان الموقع لم يتعرض للنبش والتخريب بعد ترك أهله له، أو ترك بعضهم له خلال أزمنة مختلفة. كما يجب أن يتأكد الباحث من مبررات تحقيب المواقع بمراحل مختلفة من خلال ملاحظة هدم جدران وإقامة غيرها، تجديد أرضيات على ما قبلها، تغيير وظيفة أماكن في المواقع وزمن ومبرر تغييرها، تغيير أرضيات المنشآت المعمارية في الموقع بتجديدها لأكثر من مرة وسبب تغييرها وتجديدها. وهكذا تستمر عملية الاستجواب المعرفي حتى يقتنع المستجوب بعدم وجود المزيد من المعلومات التي يمكن أن تنتج نتيجة للاستجواب المعرفي الذي اتبع. منهج التصنيف النوعي للمادة الأثرية: يناسب هذا المنهج المادة الأثرية التي تلتقط من على أسطح المواقع الأثرية لانعدام وجود التسلسل الطبقي في مثل هذه المواقع، وبخاصة في المواقع الأثرية التي يمتد فيها انتشار الاستيطان البشري أفقياً، ويكون التعاقب الزمني لاستيطان ذات الموقع يختلف من بقعة إلى أخرى أفقياً، بحيث يكون جزء أقدم من جزء أخر بالرغم من أنهما في مستوى طبقي واحد. هذا المنهج في تعقب الاستيطان البشري ووضعه في مراحل من أصعب طرق بناء التسلسل الطبقي الزمني في المواقع الأثرية. وللتوضيح نأخذ انتشار مدينة الرياض في المملكة العربية السعودية مثالاً لنقول: إن حي غبيرا أقدم من حي الخير بألفي عام بالرغم من أن كلاهما في مستوى طبقي واحد. وكمثال آخر نقول: إن حي الديرة أقدم من حي النظيم بالفي عام علماً أن كلاهما في مستوى طبقي واحد. منهج تصنيف الطبقات الأثرية: يتماش منهج تصنيف الطبقات الأثرية مع مفهوم العلو والارتفاع. يكون التعاقب الاستيطاني في هذا المنهج عمودياً مع وجود طبقات هجر للمكان تُميّز وتفصل بعض فترات استيطان الموقع عن بعضها البعض؛ إما بصناعة معينة، أو بانقطاع استيطان خلاله تتكون طبقة أو طبقات خالية من المادة التي لها صلة استخدم مع الإنسان. ووفقاً لهذا المنهج تكون أعلى طبقة استيطانية عايشها الإنسان هي أحدث طبقة من حيث الزمن. وبهذا المفهومة تكون أسفل طبقة عايشها الإنسان هي أقدم طبقة. وفقاً لهذ المنهج، يطبق مبد العلو والارتفاع على الطبقات الأثرية من الأسفل إلى الأعلى. وفي مثل هذه الحال، تكون أعلى طبقة استيطانية هي أخر طبقة عايشها الإنسان في الموقع، فإن وجد فيها على سبيل المثال فخار يعرف بشكل مؤكد أن صناعته عباسية، تكون نهاية استيطان الإنسان للموقع هي الفترة العباسية، أما ما مر قبلها فتنبأ عنه المواد الأثرية والمراحل المعمارية بعد التشخيص ومن ثم التصنيف وبعدهما الدراسة المقارنة. ومن مناهج التصنيف في علم الآثار منهج الباحث البريطاني فلندرز بتري الذي اعتمد تصنيف تقنية صناعة الأواني الفخارية وما يتصل بها من مميزات أخرى كمعيار زمني بموجبه يمكن تزمين الموقع الأثري عمودياً أو أفقياً. ومن تلك المميزات: الزخارف، وطرق التصنيع، وطرق شواء الأواني الفخارية التي عدت من المعايير الأساسية في وضع استيطان الموقع في تتابع زمني. يُلاحظ أن هذا المنهج ذو شقين متعاكسين يمكن استخدام أياً منهما. أي إما أن يكون التصنيف من الأقل إلى الأجود، أو من الأجود إلى الأقل جودة. لا شك أن جودة استخدام هذا المنهج تعتمد على قدرة الباحث، وسعة اطلاعه في مجال المادة العينية المنقولة التي يقوم بتصنيفها، تلك السعة المعرفية التي تمكنه من إيجاد المشابهات وتوحي بتواريخها، فتتوفر له القدرة لبناء المجهول اعتماداً على ما يحصل عليه من المعلوم. يوجد منهج التعامل مع بعض المصنوعات الأخرى، ومنها " الأواني المصنوعة من الحجر الصابوني على سبيل المثال"، فمثل هذه المشغولات تمر بتطور تقني يتناسب مع تطور معرفة الأدوات القادرة على أحداث التغيرات التقنية في حجر كالحجر الصابوني، والقادرة على فصل مجموعة مادة زمن عن مجموعة مادة زمن آخر؛ وتبيين انتاج مجتمع عن مجتمع آخر. تتميز الأواني المصنوعة من الحجر الصابوني بوجود زخارف محزوزه ومحفورة بأشكال حيوانية وهندسية في غالب الأحوال تكون متقنة في تنفيذها ومهيئة للبقاء لفترات زمنية طويلة. ولعل من أشهر المجموعات المنشورة من المملكة العربية السعودية مجموعة جاءت من موقع تل تاروت في شرقي المملكة العربية السعودية وتمت دراستها في مواضع عدة. منهج دراسة الكتابات القديمة: من مناهج الدراسات الأثرية منهج دراسة الكتابات القديمة؛ كالتصويرية، والمقطعية، ومن ثم الأبجدية. يفترض الباحثون بهذا الخصوص أن الإنسان بدأ الكتابة بالرمز، أي أن الصورة ترمز للشيء المقصود، فإن أردنا أن نقول: "جمل" رسمنا "الجمل". بعد ذلك طور الإنسان من الصور رموزاً ولكل رمز معنى، واستخدمها كمقاطع تدل على معاني معينة. ومن الرمز اختزل الحروف التي خص كل حرف منها بمعنى وصوت. التغيرات المذكورة أعلاه لم تحدث بين عشية وضحاها، بل تطلب حدوثها واستخدامها أزمنة طويلة. بعد تأسيس تاريخ تلك المراحل، أي كل مرحلة على حده، يمكن استخدام الأزمنة التي مرّت في الموقع في تأريخ طبقاته الأثرية. منهج دراسة الفخار: الفخار من المواد الأثرية المنقولة التي لها أهمية كبيرة في دراسة المواقع الأثرية من حيث التزمين، أي وضع الموقع في مراحل زمنية، نظراً للآتي: 1- طول صحبت المصنوعات الفخارية للإنسان، تلك الصحبة التي بدأت منذ الألف العاشر قبل ميلاد المسيح واستمرت إلى اليوم. 2- تنوعه في الشكل، والحجم، والتصميم، والزخرفة. 3- اختلاف أنواع استخدامه، 4- تنوع طرق صناعته، 5- تنوع طرق شواءه، 6- وفرته في المواقع الأثرية بكميات كبيرة سواء في طبقات المواقع الاستيطانية أو على أسطح المواقع ذوات الاستيطان المؤقت أو الممتد أفقياً. لوجود هذه المميزات وغيرها، أصبحت الأواني الفخارية، وكسر الفخار في بعض الأحيان؛ من أهم المواد الأثرية لبناء تسلسل زمني لمواقع عاشت مئات أو آلاف السنين خلالها عُمرت وهجرت مرات عدة. بل من أهم المواد الأثرية لبناء تاريخ تقني لصناعة هذه المادة أو تلك في موقع معين أو مواقع معينة. وعليه، يمكن استخدام المادة الفخارية في بناء التسلسل الطبقي في الموقع اعتماداً على ظهور نوع أو أنواع، واختفاء نوع أو أنواع من الأواني، أو العناصر الزخرفية، أو ملامح طرق الصناعة؛ أهي دولابيه، أم يدوية؟ بالإضافة إلى التنوع الكبير في العناصر الزخرفية. كما يمكن استخدام الفخار في بناء تسلسل زمني أفقي لاستيطان موقع أثري لا يتوفر فيه تسلسل استيطاني عمودي. يمكن بناء تسلسل زمني من خلال ملاحظة اختلاف الزخارف وعناصرها المطبقة على المادة الفخارية من موضع إلى أخر في الموقع الأثري الواحد؛ سواء أكانت المادة أواني مكتملة سليمة، أو كسر من أواني. كما يمكن ملاحظة اختلاف طرق الصناعة، أكانت يدوية، أم دولابيه، أم جمعت الصنفين معاً. على أي حال كل تغيّر في طريقة الصناعة يدل على زمن، فالتغيرات المربوطة بالتقنية بطيئة الحدوث في العصور القديمة، لأن الوصول إلى خصائص المواد المؤثرة أمر غير هين. من المدارس المشهورة في دراسة الأواني الفخارية الأثرية، سواء أكانت مكتملة أو على هيئة كسر، من أجل توليد معلومات متنوعة عن الموقع ذي العلاقة، مدرسة العالم البريطاني: فلندر بتري، أي منهج العالم البريطاني فلندر بتري. يعتمد منهج العالم البريطاني فلندر بتري على دراسات الأواني الفخارية عبر منهج التصنيف، والوصف المكتمل، وارفاق الرسوم التوضيحية. تفترض هذه المدرسة أن صناعات الأواني الفخارية يمكن أن تزمن الطبقات الاستيطانية التي لم تتعرض للنبش والتخريب. يتم ذلك عن طريق تعقب الطبقات الأثرية ووضعها في هيكل زمني وفقاً لنوعيات المواد الأثرية التي توجد فيها، وبخاصة تلك المواد القابلة للتاريخ بشكل مباشر، مثل: 1- العملة التي تحمل سنة السك "الإصدار"، أو صورة لحاكم زمنه معروف؛ 2- الأواني الفخارية التي تحمل زخارف يُعرف تاريخها، أو سبق أن أرخت بواسطة الطرق العلمية مثل كربون14 المشع، 3- الأختام التي يُعرف زمن صناعتها مما يظهر عليها من رموز أو صور لحكام معروفي التاريخ، بالإضافة إلى ما يمكن معرفته عن فترات تداول العملة موضوع الدراسة. في ضوء تلك المعلومات أو جزء منها يمكن تزمين الاستيطان البشري لمكان ما وفق تسلسل زمني قابل للتفصيل، والأخذ، والرد، والمناقشة. وفي الوقت ذاته، يمكن تاريخ المواد مجهولة التاريخ، بموجب المواد معلومة التاريخ التي قد توجد في ذات الطبقات. هناك مدرسة ثانية لتزمين الأواني الفخارية تسير عكس سير المدرسة السابقة. هذه المدرسة تفترض أن الأقدم هو الأجود، وأن الأقل جودة هو الأحدث. تبني تلك المدرسة على هذا المفهوم تزمين الطبقات الأثرية. يوجد مدرسة ثالثة تعتمد معايير مختلفة في تأريخ مجموعة فخارية جاءت من طبقة أو طبقات معينة في موقع معين، ثم تتخذها كمعيار تاريخ لما مرّ قبلها، وفي الوقت ذاته لمِا مرّ بعدها. منهج المشغولات الحجرية: هناك مدرسة أثرية تعامل مع المشغولات الحجرية التي يعتمد انتاجها على النحت، والتشظية، والتسنين. والشحذ. يعتمد العاملون في هذا النوع من الدراسات على تطور المصنوع من مستوى إلى مستوى في تقنية الصناعة، وجودة المنتج مع تقدم المعرفة لدى الصانع. تعتمد هذه المدرسة على خط تطور المصنوع، والتقنية التي استخدمت في صناعته، وعلى نوع المادة التي استخدمت في الصناعة والتي يمكن معرفة تاريخها من خلال مقارنة خصائصها بخصائص غيرها، أو عن طريق تاريخ المجهول بالمعلوم من ذات الصنف، ومن تم تأريخها بأي وسيلة من الوسائل المعتمدة لتأريخ المواد الأثرية. منهج الكتابات: الكتابات من المدارس المستخدمة في تاريخ المواد الأثرية بل من أهمها. يفترض الباحثون المختصون أن الكتابة مرّت بثلاث مراحل أساسية. الأقدم فيها هي الكتابة التصويرية، تليها الكتابة المقطعية، ثم الكتابة الأبجدية. كل مرحلة من المراحل الثلاث مرت بمراحل فرعية زمّنها الباحثون حتى حلت محالها الكتابة التالية لها. انتهى الأمر بالكتابة بظهور الكتابة الأبجدية مع بقاء أجزاء من العالم لا تزال تكتب بالكتابة التصويرية حتى اليوم. المهم أن شيوع كل مراحل من مراحل الكتابة الأساسية والفرعية يمثل أزمنة لكل منها بداية ونهاية. لذا تُعدُ الكتابة من أهم وسائل تاريخ الزمن مجهول التاريخ، ومن ثم تزمينه في مراحل مختلفة وفقاً لمعايير أخرى قد تكون متنوعة، ولكن في الوقت ذاته متكاملة. 1- الكتابة التصويرية: هي أقدم أنواع كتابات التواصل المعرفي بين الإنسان والإنسان. في هذا النوع من الكتابة يُعبر عن المعنى المقصود بالصورة المناسبة للاستدلال عليه. فإن كان المقصود الأكل، رسم نوع الأكل. وإن كان المقصود الصيد، رسم الصائد والمصيود، وهكذا. 2- الكتابة المقطعية: أي أن المقاطع تعبر عن المقصود. 3- الكتابة الأبجدية: بعد تجاوز مراحل الكتابة التي ذكرنا آنفاً وغيرها في العالم القديم، وصل الإنسان إلى الكتابة الأبجدية التي تعتمد عدداً من الرموز ولكل رمز صوت ومعنى. ومع مرور الوقت أضيفت إليها حروف العلة ليكتمل نموذج الكتابة الأبجدية، ووضعت أشكال حروف معتمدة، ولكل حرف صوت. عند هذا الحد، يجب أن نشير إلى أن هناك تجمعات بشرية نائية وبأعداد قليلة، وربما أن أغلبها، إن لم يكن كلها، يعيش في الغابات، لذا لا تعرف الكتابة ولا القراءة حتى اليوم. عوضا عن ذلك، تعتمد على لغة الإشارة مع الألفاظ المتعارف عليها في تلك التجمعات. التصنيف في الدراسات الأثرية لِكون علم الآثار يقوم بدراسة كل ما خلفه الإنسان نتيجة لنشاطاته المختلفة، فهو علم يعتمد على التصنيف كوسيلة دراسة تحقق نتائج متنوعة في التعاقب والشكل، والجودة، والزخرفة، والزمن. وعليه، فمنهج التصنيف في علم الآثار هو الخطوة الثانية بعد التوثيق الميداني لفهم المادة مجال البحث والدراسة والمناقشة، ورصد الاستنتاجات، ومتابعة دراستها باستثمار خصائصها، ومن ثم استثمارها من خلال تنويع وسائل الخروج منها بنتائج متعددة ومتنوعة. يستخدم التصنيف معايير ووسائل متعددة من أهمها: 1- التصنيف حسب مادة الصنع، كأن تقول: مصنوعات فخارية، مصنوعات خشبية، مصنوعات حجرية؛ ثم تضع كل صنف في تصنيف فرعي ليتسنى لك الخروج بنتائج متنوعة. 2- التصنيف حسب طريقة الصناعة، كأن تقول صناعة يدوية، صناعة دولابيه، صناعة قالبيه. وبعد ذلك تبدأ في رصد خصائص كل صنف. 3- التصنيف حسب الوظيفة، كأن تقول: أواني طبخ، أواني شرب، أواني حفظ سوائل. 4- التصنيف حسب المواد المضافة كأن تقول: أواني فخارية تخالطها أعواد القش، أواني فخارية تخلطها حبات الرمل، أواني فخارية تخالطها مادة جبسية، وهكذا. 5- التصنيف حسب الحجم كأن تقول: أواني كبيرة الحجم، أواني متوسطة الحجم، أواني صغيرة الحجم. 6- التصنيف حسب الشكل: كأن تقول: أواني كروية، أواني أسطوانية، أواني جؤجؤئية. 7- التصنيف حسب الوظيفة: أ-أواني لشرب، ب- أواني لطبخ، ج- أواني لحفظ السوائل الثمينة.. الخ. 8- التصنيف حسب المادة المضافة: أواني مضاف إليها حبيبات رمل للتقوية، أواني مضاف إليها كسر حجرية صغيرة للتقوية، أواني مضاف إليها أعود قش للتقوية.. الخ. 9- التصنيف حسب درجة الشواء، كأن تقول: شواء مؤكسد، شواء مختزل، شواء محايد. 11-التصنيف حسب الإنهاء الخارجي. كأن تقول: أواني مبطنة، أو أواني مصقول، أو أواني مدهون.. الخ. 12-التصنيف حسب طبقات العثور مع ارفاق رسم لتسلسل طبقات الاستيطان في المكان المعني فتقول فخار طبقة1، فخار طبقة2.. الخ. 13-التصنيف حسب مراحل الاستيطان. كأن تقول: فخار المرحلة الأولى مع نسب فخار كل طبقة في المرحلة إليها، فخار المرحلة الثانية.. الخ 14-التصنيف حسب نوع الشوائب في مادة الصناعة كأن تقول: فخار بشوائب عضوية، فخار بحبيبات رمل، فخار بكسر حجرية صغيرة.. الخ. 15- التصنيف حسب الشكل كأن تقول: أوعية دائري، أوعية جؤجؤية، أوعية بيضاوية.. الخ. التصنيف الطبقي: منهج الآثار في التزمين للطبقات الأثرية هو المنهج الذي يعتمد على تعاقب الطبقات عمودياً، والذي يفترض أن الأعلى هو الأحدث، وما يأتي تحته أقدم منه؛ ويمكن أن يقسم إلى مراحل عدة حسب توفر المواد معروف الانتماء كالفخار النبطي، والفخار الأتيكي، والفخار الروماني، والتأريخ؛ والاثنين معاً. كما يمكن أن تقسم المرحلة الاستيطانية إلى مراحل فرعية بموجب تنوع المواد الموجود في طبقاتها. من مدارس الآثار في هذا النوع من الدراسات، مدرس فلندر بتري، عالم الآثار البريطاني، في دراسة المصنوعات الفخاري؛ وبخاصة الأواني الفخارية التي تعتمد على التصنيف الطبقي للفخار الذي يُعثر عليه في المواقع الأثرية التي يتوفر فيها تسلسل طبقي. يُقسم الموقع إلى طبقات عمودية يوجد في كل واحدة مادة أواني فخارية تميزها عمّا يوجد في غيرها. توجد مدرسة لمرحلة الاستيطان في الموقع الأثري تسير عكس المدرسة المذكورة آنفاً. طبق فلندر زبتري تلك المدرسة على مجموعات فخارية وجدت في تنقيبات ومسوح في بلاد الهلال الخصيب. هذه المدرسة ترى أن الأقدم في مجموعة فخارية هو الأجود، وأن الأحدث هو الردى. هذا المفهوم يأتي عكس المفهوم العام الذي يفترض أن الردى من الشيء هو أقدمه، والأجود من ذات الشيء هو أحدثه. هناك مدرسة ثالثة تتعامل مع المشغولات الحجرية التي يعتمد انتاجها على النحت، والتشظية، والتسنين، والشحذ. يتخذ العاملون في هذا النوع من الدراسات تطور المصنوع من مستوى إلى مستوى مع تقدم المعرفة لدي المنتج معياراً للتصنيف؛ فهناك من استخدم الحجر الرملي في منتجاته من أواني وتماثيل، وهناك من استخدم الحجر الصابوني، وهناك من استخدم الحجر الصلب، وهناك من استخدم الحجر الجيري. حيث إن الباحث في الآثار والمواقع الأثرية يعمل في مواقع استوطنها الإنسان لأكثر من مرة، وقد يكون بين المرة والتي تليها فترة هجر للموقع ربما استمرت لعدد من السنين، وقد تستمر لعدد من القرون. لذا فمسألة وضع الموقع تحت الدراسة في مراحل زمنية مسألة ليست بالهينة، ولها متطلبات متعددة. على أي حال، من مناهج عالم الآثار بخصوص ما نحن فيه: أ‌- منهج تصنيف المادة الأثرية حسب طريقة صناعاتها، فتصنف المادة الأثرية على سبيل المثال إلى التالي: 1- مشغولات يدوية، 2 مشغولات دولابيه، 3- مشغولات قالبيه. هذا التصنيف يساعد في مسألة وضع الموقع في مراحل زمنية عامة. ب‌-منهج تصنيف المادة الأثرية حسب مادة صناعاتها، فيقال: 1- مصنوعات فخارية، 2- مصنوعات خشبية، 3- مصنوعات خوصية، 4- مصنوعات جلدية. الخ. ثم يصنف كل نوع تصنيفاً خاصاً به. ج‌- منهج تصنيف الأواني الفخارية حسب زخرفتها، فيقال: 1- أواني مزخرفة بالحز، 2- أواني مزخرفة باللون، 3- أوني مزخرفة بالقطع، وهكذا. هـ- منهج تصنيف المادة حسب الإنهاء الخارج، 1- هناك مادة تُنهى بالتلميع، ومادة تُنهى بالتبطين، ومادة تُنهى بالتلوين، ومادة تُنهى بالصقل، ومادة تُنهى بأكثر من طريقة. وعلى سبيل التنبيه نذكر أنه يمكن أن يجمع الانهاء الخارجي بين أكثر من طريقة. كما يجب التنبيه أيضا إلى إمكانية استخدام أكثر من طريقة على منتج واحد. ه- منهج تصنيف المادة الأثرية حسب طريقة صناعاتها: تصنف المادة الفخارية على سبيل المثال إلى: 1- صناعة يدوية، 2- صناعة دولابيه، 3- صناعة قالبيه. توجد مواد يمكن أن تصنف بأكثر من طريقة، فالأمر يتوقف على اختيار الباحث للطريقة المناسبة لتصنيف المادة الأثرية التي يزمع دراستها، والقادرة على تقديم نتائج له أفضل مما يقدم غيرها وأكثر تنوعاً. بشكل عام مناهج علم الآثار متعددة، ولكن يمكن حصر الأهم والأكثر في الاستخدام في الفقرات التالية: 1- ترقيم كل قطعة أثرية تحت الدارسة. 2- الوصف الحرفي لكل قطعة أثرية. 3- التصنيف النوعي. 4- التصنيف وفقاً لمادة الصناعة. 5- التصنيف وفقا للون العجينة. 6- التصنيف وفقاً للشوائب في العجينة. 7- التصنيف وفقاً لدرجة الشواء. 8- التصنيف وفقاً للإنهاء الخارجي. 9- التصنيف وفقاً للوظيفة. 10-التصنيف وفقاً لأنماط الشفاه. 11-التصنيف وفقاً لأنماط القاعدة. 12-التصنيف وفقاً لشكل المقبض. لا شك أن هناك الكثير من الخصائص الأخرى التي يمكن أن تستخدم في التصنيف، ولكن ما تم ذكره أنفاً يمثل المناهج الأكثر شيوعاً في تصنيف المادة الأثرية عموماً، وبخاصة المصنوعات الفخارية، لأنه يستوعب كل أو غالبية الإجراءات التي تتم للمصنوع "المنتج"، والتي عنها تنتج معلومات متنوعة.
العربية
1
0
2
282
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
تنسب هذه الحضارة إلى شعب مدين قوم النبي شعيب عليه السلام، لأن المادة الأثرية التي تشخصها قد تم وجودها في أرض مدين في شمال الحجاز، ولأن الزمن الذي تؤرخ به تلك المادة يوافق زمن وجود أمة مدين حسب تحديد كتب التاريخ لمكان أمة مدين بشمال غربي المملكة العربية السعودية. لقد مُيزت هذه الحضارة بنوع من الأواني الفخارية المدهونة بزخارف هندسية وحيوانية ونباتية قابلة للتأريخ بالمقارنة بمواد من مواقع أخرى سبق أن أرخت بطرق تقليدية قائمة على المقارنة، وعلمية قائمة على التحليل المختبري. من الناحية الأثرية، لم يكن يعرف عن هذه الفترة في المملكة العربية السعودية شيئاً قبل عام 1970م. في تلك السنة عُقد ندوة في جامعة لندن ألقى خلالها روثنبرج محاضرة عن حفرياته في موقع تمنا الواقع في جنوب فلسطين. وخلال المناقشة التي تلت تلك المحاضرة عرض روثنبرج بعض الكسر الفخارية المدهونة برسوم متنوعة، فلاحظ بيتر بار الذي كان من بين الحضور التشابه في المادة والزخرفة بين تلك الكسر وبعض الكسر التي جمع مع زملائه عام 1968م من موقع قُريِّة الواقع في شمال غرب المملكة العربية السعودية خلال أعمال بعثة جامعة لندن، والتي كان هو أحد أعضائها. أحضر بيتر بار كسر فخار قُريِّة وقابلها بما عرض روثنبرج من موقع تمنا فوجد أن كلا المجموعتين تنتميان إلى نوع واحد في مادة الصناعة والزخرفة والشكل، وعليه اقترح أن ما وجد من هذا النوع في شمال غرب المملكة العربية السعودية يجب أن ينسب إلى فترة مدين متخذاً الأدلة التاريخية الواردة في التوراة والمصادر التاريخية الإسلامية القديمة سنداً لاقتراحه. طبقاً للمصادر التاريخية، يُعرف أن شعب مدين كان حاضراً في المسرح الحضاري والسياسي والتجاري قبل القرن السادس عشر قبل الميلاد، إذ إن قافلة منهم قامت بإخراج يوسف بن يعقوب من اليم، ومن ثم نقله إلى مصر، فبيعه على عزيز مصر. بقي الشعب المديني في أماكن وجوده السابقة لمدة أربعة قرون بعد حادثة يوسف عليه السلام، إذ نجدهم من أقوى الأمم التي وقفت في وجه زحف موسى عليه السلام ببني إسرائيل إلى الأرض المباركة بعد خروجه من مصر خلال القرن الثاني عشر قبل الميلاد. يتضح من المادة الأثرية المنسوبة إلى أمة مدين، بأن حضارة مدين كانت على درجة كبيرة من التقدم والتحضر. فالمصادر التاريخية تصف الغنى الذي اتصفت به تلك الأمة وتشخصها على أنها أمة زراعية، إذ نجدها تُمر بأن توفي الكيل ولا تنقص الميزان ولا تبخس الناس أشيائهم. كما أنها أمة تجارية، فالمصادر التاريخية تتحدث عن قوافل مدين التي تقطع البراري والفيافي في سبيل نقل التجارة من شمال غرب المملكة العربية السعودية وعبر بلاد الشام وإلى مصر. هذا النشاط يدل على أن أمة مدين كانت تنقل سلع متنوعة بعضها من وراء البحار، ومن شبه القارة الهندية. بالإضافة إلى ما تنتجه الأمة ذاتها من صناعات فخارية ومعدنية إذ كانت تسيطر على مناجم المعادن في أرض مدين تلك المعادن التي كان العالم القديم بأمس الحاجة إليها لتصنيع أسلحة منها، إضافة إلى أوانيه وأدواته الدقيقة. اقتصاد الرعي وتربية الماشية كانا من نشاطات أهل مدين، فقوافلهم مكونة من الجمال، وإن كان البعض يظن أن الحمير كان وسيلة النقل عندهم، إلا أن الجمل كان معروفاً آنذاك كوسيلة من وسائل نقل التجارة، والدليل على ذلك رواحل أخوة يوسف عليه السلام عندما ذهبوا يمتارون من مصر بدليل النص القرآني الذي ذكر حمل البعير. قال تعالى: (.... ونزداد كيل بعير)، سورة يوسف آية 65. وتدل غنائم اليهود من المدينيين وما ذبحوه من ماشيتهم على ثرائهم الفاحش قياساَ بأمم ذلك العهد. تدل الأرض التي وجدت مادة مدين الأثرية فيها على أنها أمة مارست الزراعة، فموقع مستوطنة قُريِّة يدل على اعتماد الاقتصاد المديني على الزراعة، فالمستوطنة تقع على حافة وادي ضخم، بل يمر الوادي بأطراف المستوطنة مانحاً إياها أراضي خصبة وفسيحة قابلة للاستثمار الزراعي، أضف إلى ذلك وجود العديد من الآبار الضخمة، بل هناك دلائل تدل على وجود بعض العيون الجارية من جذع الجبل المشرف على المستوطنة من ناحية الجنوب. عُثر في الموقع على بقايا سدود في بعض الأودية وسواقي وأحواض تدل على ممارسة الزراعة، ولم يقطع بتاريخ لتلك المنشآت بعد. كما أن مستوطنة تيماء القديمة، أحد مستوطنات مدين، تقع في حوض ماء كبير كان من أغنى المواضع في المملكة العربية السعودية بمخزونه الجوفي من المياه الحالية إلى جانب وجود بعض العيون الضخمة، وهذا يؤكد وجود الزراعة المتنوعة. بناء على هذا، وعلى الدليل الأثري من موقع تمنا "تمنع" الذي يضع هذا النوع من الفخار في العصر البرونزي المتأخر نظراً لوجوده متعاصراً مع بعض القطع الأثرية المستوردة من مصر مثل الخراطيش والتي قد تمت معرفة تاريخها، اقترح بيتر بار أن ما وجد في شمال غرب المملكة العربية السعودية يعود إلى تاريخ مماثل، أي من العصر البرونزي وإلى نهايــة العصـر الحديـدي الثاني (1400-1000ق.م)، بعد ذلك أجرى جون دايتون دراسات أخرى على الأواني الفخارية المعنية واقترح تاريخاً أقدم من ذلك ضمن العصر البرونزي المتوسط كبداية لهذا النوع من الأواني الفخارية وذلك بناءً على التشابه الزخرفي مع الفخار المسيني. تقف المسألة اليوم على أن هذا النوع من الأواني الفخارية يبدأ في الاختفاء خلال بداية الألف الأول وذلك لظهور نوع آخر أصبح أكثر شيوعاً في المنطقة، وهو ما تم الكشف عنه في مواقع مثل الخربية في العلا، وتيماء ومواقع أخرى في شمال غرب المملكة العربية السعودية، ويعرف باسم الأواني الفخارية الآدومية، وهو أقل جودة من فخار قُريِّة. يتركز الانتشار الجغرافي لهذه الفترة بالدرجة الأولى في شمال غرب المملكة العربية السعودية، وبالأحرى في شمال الحجاز، في الأرض التي تُعرف باسم أرض مدين. وأهم المواقع المكتشفة هي قُريِّة، وتيماء، والبدع، ومغائر شعيب، والخريبة في العلا، ووادي شرمة، وعينونة، وسدر، وطيب الاسم؛ والبدع وحول مدائن صالح، وربما في مدائن صالح نفسها التي توجد على جبالها مقابر ركامية شبيهة بما يوجد على الهضبة المطلة على موقع قُريِّة. في واقع الأمر لا يزال الانتشار المكاني لهذه الحضارة غير واضح نظراً إلى قلة الأعمال المسحية الميدانية وكذلك الأعمال البحثية المكتبية. موقع قُريِّة من أهم المواقع العائدة إلى فترة مدين بمكونات حضارية متنوعة. تقع قُريِّة في أقصى الشمال الغربي للمملكة العربية السعودية عند التقاء خط الطول 10 ،23 بخط العرض 47 ،28. وهي على بعد 63 كيلومتراً إلى الشمال الغربي من مدينة تبوك، و26 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من بئر ابن هرماس داخل الصحراء عبر خط غير مزفلت، و60 كيلومتراً من المدورة بالقرب من الحدود السعودية الأردنية، و125 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من العقبة. يشغل الموقع منطقة مستوية يخترقها وادي فسيح، ويحدها من الغرب هضبة متوسطة الارتفاع ولها قمة مستوية إلى حدٍّ ما، وتخترقها في عدة مواضع الأسوار الخارجية للموقع كما يوجد عليها بعض الأبراج والمقابر الركامية الحجرية. يُكون الموقع عدد من الظواهر، منها سور ضخم يحيط بمنطقة واسعة، ومستوطنة يطوقها سور داخل السور الكبير، وتتناثر فيها التلال الأثرية، ومناطق زراعية، وبقايا قنوات لتصريف المياه ونقلها، وأفران لشواء الأواني الفخارية. لشهرة الموقع تحدث عنه عدد من الرحالة الغربيين من أبرزهم: جورج اوقست والين سنة 1848م، وتشارلز داوتي سنة 1876م-1877م، ورتشارد بورتن سنة 1878م، ودوقلاس كرروثرز، وألويس موزل عام 1910م. وأول من زار قُريِّة من الرحالة الغربيين الألماني مورتز، وكانت زيارته عام 1906م. وفي تقرير نشره سنة 1908م أورد عن الموقع قليل من المعلومات. وبعد ثمانية وأربعين عاماً قام هاري سنت جون برديجر فيلبي بزيارة له توّجها بنشر مقال عن الموقع عام 1951م، وهو أوفى عمل نُشر حتى الآن. أما العمل الأثري الميداني فقد بدأته جامعة لندن عام 1968م بإفادتها كل من: بيتر بار، ولانكستر هاردنج، وجون دايتون لمسح شمال غرب المملكة العربية السعودية، وكان موقع قُريِّة من ضمن المواقع الممسوحة حيث أمضوا فيه ثلاثة أيام نتج عنها الآتي: 1ـ رفع مساحي للموقع ومظاهره الأثرية، 2ـ وصف بيئة الموقع وصفاً مفصلاً، 3ـ وصف المظاهر المعمارية وصفاً مفصلاً، 4ـ تشخيص ووصف المنشآت المعمارية بشكل مفصل، 5ـ دراسة المادة الأثرية من الموقع، وبخاصة مادة الأواني الفخارية، دراسة مفصلة ومدعمة بالمقارنات مع موجودات مماثلة من مواقع في بلاد الهلال الخصيب، 6ـ وضع قاعدة معلومات لتأريخ فترات استيطان الموقع. بعد العمل المذكور أعلاه نفذت وكالة الآثار والمتاحف، هيئة التراث حالياً، موسمي مسح، الأول كان عام 1980م، وكان الثاني عام 1982م. نتج عن كلا الموسمين إضافة مواقع تؤرخ بفترة حضارة مدين. سوف نتحدث أدناه عن المواد الآثارية الثابتة والمنقولة التي تنسب إلى فترة مدين؛ وتتكون من: المستوطنة، والدوائر الحجرية، والقلعة، والمغارات، والأدوات الحجرية، والأواني الفخارية، والأدوات المعدنية. المستوطنة:تقع داخل سور المدينة الرئيس، ويوجد حولها سور له بوابة رئيسية داخله توجد المدينة السكنية على بعد قدره200متر من جذع الجبل في الجهة الشمالية الشرقية. يأخذ شكلها المستطيل، وتتكون في الوقت الحالي من تلال آثارية تتناثر الأحجار فوقها بشكل عشوائي وهي شبيهة بما يوجد في المستوطنة السكنية في تيماء وكذلك ما يوجد في (دادان) خريبة العلا، إلا أن ما يوجد في خريبة العلا (دادان) أشد تاثراً. توجد بقايا جدران في مواضع داخل السور الدائري وتتركز في الجزء الغربي والجنوبي الشرقي حيث يبلغ ارتفاع المخلفات ثمانية أمتار، مشيدة بالحجارة والطوب. وترتبط المستوطنة مع القلعة بجدار مشيداً بالطوب والحجارة، ويبلغ عرضه ما بين المتر والمتر وربع المتر. ربما أن تدمير تلك المواقع جاء نتيجة لأحداث طبيعية مثل الزلازل والبراكين، وإن كانت تختلف حدتها من مكان إلى مكان آخر. تظهر بقايا الجدران من على سطح الموقع ويبدو أن المنازل كانت مشيدة من كسر الحجارة وكتل الحجارة المشغولة. الدوائر الحجرية: يوجد بقايا دوائر حجرية على بعد 2 كيلومتر إلى الجنوب من المستوطنة المدنية والقلعة، يذكر بيتر بار وزملاؤه انهم فحصوا واحدة منها فتبين لهم ان قطرها يبلغ 55 متراً وأن بوابتها واضحة في الجهة الغربية من الدائرة. ويوجد في منتصف الدائرة حجران منصوبان. وهناك بقايا جدران أخرى تختلف عن جدران المستوطنة المدنية وتل القلعة في تقنية العمارة وربما الزمن. لم يذكر بيتر بار وزملاؤه تفسيراً لتلك الدوائر إلا أنه يمكن أن نتصور أنها من ظواهر العصر الحجري الحديث حيث وجد ما يماثلها في التصميم في موقع (1) في وادي الثمامة الواقع بالقرب من مدينة الرياض. كما ذكرت ايونز ثمبسون موقعاً للنصب الحجرية، وفي وادي مرخ في محافظة السليل يوجد موقع آخر. ويعتبر موقع الرجاجيل من أبكر المواقع المكتشفة والتي تحتوي على نصب حجرية. وأقرب التفسيرات لوظيفة تلك الدوائر هو ان تكون ذات صفة دينية، أي ربما انها كانت أماكن تعبد لإنسان العصر الحجري الحديث أو مدافن. القلعة:التحصين على الأماكن المرتفعة وبخاصة الأماكن المنفردة أي الكتل الجبلية المنقطعة عن غيرها أمر عرفه الإنسان منذ القدم، واستمر في الاستفادة منه حتى عهد قريب، الأمثلة على ذلك كثيرة، منها قصر الصعيدي في كاف، وحصن زعبل في سكاكا، وحصن مارد في دومة الجندل. عُرف عن الإنسان قدرته على تحوير قمم المرتفعات لتكون أماكن لإقامته وحمايته. عشق الإنسان للأماكن المرتفعة عشق قديم ساير الإنسان خلال وجوده على كوكب الأرض. فعلى المرتفعات بني أماكن تعبده، ولعل من أشهرها معبد قمة جبل غنيم على بعد 14 كم إلى الجنوب من تيماء وعلى ارتفاع أربعة آلاف قدم عن سطح البحر. وقلعة قُريِّة في تصميمها شبيهة بتصميم حصن مارد، فكلاهما مشيد على مرتفع وتنحدر منهما جدران السور الذي يطوق المستوطنة إلا أن قلعة قُريِّة لا يوجد فيها تفاصيل معمارية كتلك التي توجد في حصن مارد. قلعة قُريِّة كما وصفها هاري سنت جون برديجر فيلبي عبارة عن تل مرتفع عن الأرض المحيطة به. يبلغ ارتفاعه في أعلى نقطة له 50متراً. يحمي التل من جميع جهاته جوانبه حادة الانحدار. أما سطح التل فتقسمه جدران تحصين مشيدة بالحجارة إلى ثلاثة أقسام، وتربط الجدران بين حافتي التل. ويعتقد ان القسم الغربي يقع خارج القلعة الرئيسية نظراً لاحتوائه على القليل من كسر الفخار. وفي القسم الأوسط وبين الجدارين، يوجد منخفضات دائرية واضحة يبلغ قطر الواحدة 2 متر تقريباً. ربما أن تلك الدوائر بقايا لمباني نظراً لاكتشاف كميات كبيرة من الفخار فيها وحولها ويمكن أن تكون للقلعة. أما القسم الشرقي فيحتوي على أدلة استيطان مماثلة مع وجود منشآت في حالة أجود. ومن الواضح أن ذلك التل لا يمثل المستوطنة المدنية، فالمحتمل أنه كان موضع للتحصين. يصل ارتفاع ما تبقى من الجدران إلى 3 أمتار في بعض المواضع، ومشيدة بألواح حجرية من الحجر الجيري المحلي، سمكها قليل، ويبلغ طول البعض منها المتر أو أكثر، استخدم الطين في ربط الحجارة، وفي بعض المواضع من الجدار لوحظ أن الطين قد استخدم كمادة لياسة. ويوجد على ظهر التل عدد من الأبراج التي غالباً ما تظهر بشكل مربع تبلغ أبعاده 3x3م، ومنها ما يظهر بشكل شبه دائري، ولم تربط تلك الأبراج بالجدران الرئيسية ما عدا واحد يبدو أن له صلة بأحد الجدران الرئيسية حيث إنه يستند عليه. إضافة إلى ذلك، وجد بقايا أكوام حجارة يعتقد أنها مقابر قديمة تعرضت للنبش استدلالا بوجود كسر فخارية، وعظام تبين أن واحد منها عظم بشري. الأفران الفخارية: من المنشآت الثابتة التي من المفترض أن توجد في المواقع الأثرية لأنها هي الوسيلة لإنتاج الأواني الفخارية. ومع ذلك فإن العثور عليها في المواقع أمر نادر، ربما لسرعة تهدمها واندثارها، أو لوجودها في أماكن بعيدة عن المنازل نظراً إلى ما ينتج عنها من حرارة ودخان ورماد يضر بالإنسان. بالنسبة إلى موقع قُريّة، لقد أشار بيتر بار وزملاؤه في مقالهم المنشور عام 1970م إلى وجود بقايا فرن لشواء الأواني الفخارية عند القاعدة الشمالية من "تل القلعة"، كما أشاروا إلى احتمالية وجود أفران أخرى، وذكروا وجود كمية من الأواني الفخارية المحترقة حوله، وكمية من الأواني الفخارية التي تشوهت أثناء شوائها، وكمية من الصلصال المحروق والآجر القاسي. وأشار فريق علمي كلف من قبل قطاع الآثار والمتاحف، "هيئة التراث حالياً" عام 1980م بمسح جزء من الإقليم الشمالي الغربي في المملكة العربية السعودية في تقريره المنشور عام 1981م في العدد الخامس من مجلة أطلال إلى وجود ستة أفران حولها تنتشر الكسر الفخارية وبقايا مواد التصنيع. وبتنظيف واحد منها اكتشف أنه من نوع الأفران العاكسة. كما عثر على رماد داخله وكسر فخارية تشوهت إثناء الشواء فأهملت. في عام 1430هـ عثر أحد طلاب الماجستير على عدد من الأفران في موضع بعيد عن موضع الأفران المذكورة أعلاه وجمع من حولها عدد كبير من الكسر الفخارية. أفران قُريِّة من أقدم الأفران التي تم اكتشافها في المملكة العربية السعودية. المغارات:يوجد مغارتان في الواجهة الشمالية من الهضبة المطلة على الموقع من الناحية الغربية. نحتت المغارتان في عرض الهضبة وعلى ارتفاع ملحوظ من سطح الأرض القريبة. لا شك حول كونهما من عمل الإنسان استدلالاً بآثار النحت على جوانبهما. ربما أن هاري سنت جون برديجر هو أول من أورد لهما وصفاً مفصلاً جاء فيه: يبلغ اتساع مدخل أحدهما 5،4 متر وتضيق كلما أوغلت إلى الداخل لتبلغ 3 أمتار عند نهايتها الداخلية، ويبلغ ارتفاعها 5،4 متر، بينما يبلغ طولها من المدخل حتى نهايتها 15 متراً. وتنتهي المغارة بتجويفين (alcoves) غير عميقين. أما المغارة الأخرى فيبلغ اتساع مدخلها 4 أمتار، وارتفاعها مترين، وتتكون المغارة من جزأين الأمامي يمتد لمسافة 7 أمتار باتساع يبلغ 4 أمتار وارتفاع مترين، ثم يبدأ الجزء الخلفي الذي يمتد لمسافة 24 متراً وارتفاع لا يزيد عن 3 أقدام. ويذكر فيلبي أنه جمع كميات كبيرة من عظام الحيوانات والإنسان من كلا المغارتين ومن بينها عظام بشرية ليست قديمة. وقدر فريق إدارة الآثار أن كمية الصلصال المزاحة منهما تصل إلى 250 متراً مكعباً. تختلف تلك المغارات عن المغارات الأخرى في شمال غرب المملكة العربية السعودية في حجمهما الكبير، كما أنهما على اختلاف مع المقابر المنحوتة في البدع من حيث المساحة والعمق إلى داخل جسم الهضبة. من حيث الوظيفة سبق أن طرح عدة آراء منها: 1ـ حفظ المواشي أثناء الليل. 2ـاستخدامها من قبل الإنسان في الأوقات الحرجة. 3ـ ربما أنهما مصدر لمادة الصلصال التي استخدم في صناعة الفخار. 4ـ مقابر نبطية شرع المستوطن في نحتهما إلا أنه لم يتمكن من إتمامهما لأي سبب من الأسباب. المعبد:يوجد على بعد 5،2 كيلومتر إلى الجنوب من "تل القلعة" منشئتان معماريتان يقومان على مصطبة تعلو دائرتين حجريتين كبيرتين. من المحتمل أن هذه الوحدة المعمارية تمثل مكاناً للتعبد. عُرف أن الإنسان كان يقصد المرتفعات للانقطاع للعبادة، ولعل قمة جبل غنيم في محافظة تيماء مثالاً على ذلك. نسأل الله وحده التوفيق للجميع. انتهى موضوع الدراسة
العربية
0
2
1
107
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
عصور الثقافات في شبه الجزيرة العربية أ.د. عبدالعزيز بن سعود بن جارالله الغزي مقدمة: يقصد بالثقافات تلك الفترات الحضارية التي اختلفت في معيشتها وصناعاتها واقتصادها وحياتها الاجتماعية عن ثقافة العصر الحجري الحديث من حيث نمط المعيشة والمقومات الحضارية الأخرى. لعل أهم ما يميز فترة الثقافات: 1- وجود دلائل قوية على استقرار الإنسان في قرى وبلدات بتجمعات بشرية كبيرة، تحتم وجود تنظيم اجتماعي ونمط حياة اجتماعية يشترك فيها سكان المكان الواحد أو أكثر. 2- العثور على دلائل على ممارسة الإنسان لزراعة محاصيل مختلفة، ودلائل على وجود بقايا مصنوعات متنوعة. كما أن صناعة الأواني الفخارية خصوصاً أصبحت مهنة رجالية لها متخصصيها، وعمالها، وأماكن، وجودها. ومرتبة لتنتج ما يكفي المجتمع بمختلف فئاته وأذواقه. لا شك أن مجتمع الثقافات هو استمرار للإنسان الذي عمر مواقع العصر الحجري الحديث، ومعارفه ليست إلا تطوراً لمعارف إنسان مواقع العصر الحجري الحديث. اكتشف كم من المادة الأثرية في المملكة العربية السعودية دلت دراستها على وجود عدد من الثقافات السابقة للعصور التاريخية، لكل واحدة منها سماتها الخاصة مكانياً وثقافياً، وتلك الثقافات هي: ثقافة العُبيد 5400-3600ق.م: تُعَدُّ من ثقافات العصر الحجري الحديث الفخاري وأقدمها، حيث إن زمنها يبدأ بسنة 5400 ق.م تقريباً وينتهي بسنة 3400 ق.م تقريباً. لذا فأنها تستمر خلال العصر الحجري المعدني لمدة ثمانمائة سنة. تستمد هذه الثقافة اسمها من اسم تل العُبيد الواقع في جنوب بلاد الرافدين حيث اكتشفت مادتها الحضارية لأول مرة عام 1917م. أما في المملكة العربية السعودية، وتحديداً شرقها، فيعود التعرف على مادة هذه الثقافة إلى عام 1968م عندما لاحظ الأثري المشهور جيفري بيبي مجموعة من كسر الفخار المزخرفة بالألوان ضمن كمية عرضتها السيدتان: جريس بوكهلدر وميرني جولدنج على هامش محاضرة ألقاها في شركة ارامكو السعودية في مدينة الظهران عن اكتشافاته الأثرية في قلعة البحرين. فبالمقارنة استدل بيبي على أن ما عرضت السيدتان بوكهلدر وجولدنج ينتمي زمنياً إلى فترة العبيد. بدأت الأبحاث ذات العلاقة بهذه الحضارة تظهر منذ عام 1968م. استمرت الأعمال تتوالى من باحثين مميزين، مثل: ميرني جولدنج، وجريس بوكهولدر، وجفري بيبي، وجون أوتس، وعبد الله مصري، ودويرنج كاسبر، ووليد ياسين التكريتي، وكان محور النقاش يدور حول: أصول تلك الحضارة، والمكان الأول لإنسانها؛ فوجد من ذهب إلى أنها محلية استدلالاً بالعثور على ثقافات العصر الحجري الحديث التي اعتقد البعض أنها هي الأساس الذي عليه قامت فترة العُبيد في شرقي المملكة العربية السعودية. وجاء من اعتقد أنها حضارة وافدة من بلاد الرافدين مع تجار عابرين وصيادين جابوا سواحل الخليج العربي، وتوقفوا بين الحين والحين على سواحله للتزود بالماء وأخذ قسط من الراحة، وتركوا بقايا أوانيهم المكسرة أو قايضوا بها السكان المحليين بسلع أخرى. استدل أصحاب هذا الرأي على ما ذكرنا أعلاه بعدم العثور على أقدم أنواع فخار العُبيد في شرقي شبه الجزيرة العربية، والعثور عليها في مواقع في بلاد الرافدين. كما لم يُعثر على فخار الفترة الأخير في مواقع شرقي شبه الجزيرة العربية. نحن نميل مع الرأي الذي يرى أنها حضارة محلية استدلالاً بنتائج الاكتشافات الحديثة التي أشارت إلى العثور على فخار العُبيد في العديد من المواقع الساحلية والداخلية في دول الخليج العربي، إضافة إلى العثور عليه في عدد كبير من المستوطنات، البعض منها وجد بالقرب منه مدافن خاصة به كما هي الحال في الصبية في دولة الكويت. ربما أن عدد مواقع هذه الفترة المعنية بالحديث هنا والمكتشف حتى اليوم يزيد عن ستين موقعاً في شرقي شبه الجزيرة العربية. أما في المملكة العربية السعودية فبلغ عدد المواقع المكتشفة أربعين موقعاً، بعضها بمساحة صغيرة ومكونات أثري قليلة، وبعضها مكوناته الأثرية متعددة ومساحته كبيرة. كما عُثر على مستوطنات ومقابر لها في الكويت والإمارات العربية المتحدة، والبحرين وقطر. ووفقاً لنتائج دراسات فخار هذه الحضارة وجد الباحثون أنه بالإمكان أن تقسم إلى ثلاث فترات: العبيد المبكرة، والعبيد المتوسط، والعبيد المتأخرة. وتنقسم العُبيد المتأخرة إلى قسمين، هما: المتأخرة أ، والمتأخرة ب. تتميز هذه الثقافة بأنها عاصرت بداية الاستقرار في شبه الجزيرة العربية، وبداية بناء المنازل، وأماكن التعبد، وإنتاج الفخار المزخرف بالألوان الذي بدأ عليه التباين من فترة إلى فترة ضمن حضارة العُبيد من حيث إنتاج الأواني الفخارية وزخارفها الملونة، والأدوات الحجرية المصاحبة لكل فترة، والاستفادة من الأصداف والمحار، والاعتماد على الثروة السميكة إلى حدٍّ كبير، وبداية العلاقات التجارية مع الأقطار المجاورة. ومع أن المواقع العائدة إلى هذه الفترة كثيرة، إلا أن المواقع ذات المكون الحضاري المتكامل قليلة. يُعَدُّ موقع عين قناص في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية من أهم المواقع العائدة إلى هذه الفترة، يقع على بعد 1كم إلى الشرق من قرية المرة في الجزء الشمالي من واحة العيون التي هي جزء من واحة الإحساء على دائرة العرض 25، 37، 26 شمالاً وخط الطول 49، 36، 37 شرقاً. ينسب الموقع إلى شخص اسمه قناص استفاد من العين خلال الفترة الحديثة. يُعَدُّ الموقع من أهم مواقع فترة العُبيد في شرقي المملكة العربية السعودية، وهو أحد المواقع التي تم التعرّف عليها من خلال جهود جريس بوكهلدر وميرني جولدنج. ولما مثّله الموقع من أهمية نتيجة لما نشرت السيدتين جريس بوكهلدر وميرني جولدنج عنه، قام عبدالله حسن مصري بمسح الموقع عام 1392هـ/ 1972م، ونقب فيه مجس اكتشف فيه أربع عشرة طبقة أثرية أقدمها تعود إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار، وأحدثها تؤرخ بالعصر الإسلامي. جاءت المادة الأثرية العائدة لفترة العُبيد في الطبقة الثالثة من الأسفل بعد طبقة تشتمل على مادة فخارية رديئة الصناعة وتخالطها أدوات حجرية؛ وتقوم أسفل منها طبقة تقوم على التربة الأصلية، ولم يوجد فيها سوى أدوات حجرية. أسفر العمل في الطبقات المعنية في الموقع عن مادة فخارية مزخرفة بالألوان، وأصداف بحرية، وقواقع، وأدوات حجرية، وأسلحة حجرية، وتسلسل استيطاني وطبفي، واضح. من بين المواقع الأخرى المهمة موقع الدوسريه، وهو اسم يطلق على قرية تبعد عن بلدة القطيف بخمسة وأربعين كيلومتراً شمالاً. توجد حول هذه القرية عدة مواقع أثرية أشهرها الدوسرية رقم1 الذي يؤرخ بفترة العُبيد. تبلغ مساحته 1,6كم2. يقع على خط العرض 54,525 وخط الطول 44,54. يرجع اكتشاف الموقع إلى جهود جريس بوكهلور وميرني جولدنج، عام 1392م|1972م مسح الموقع د. عبدالله حسن المصري وحفر فيه عدداً من الأسبار الاختيارية. نتيجة لتلك الأعمال تبين أن الكسر الفخارية تنتشر على سطح الموقع بكثافة كبيرة تمتد لتغطي 2كم أفقياً، وهو ما أكدته أعمال البعثة الألمانية عام 2010م، إذ التقطت ما يربو على ثلاثة آلاف كسرة. أسفرت حفرية عبد الله حسن مصري عن سبع طبقات أثرية تحتضن شواهد على استيطان يمتد من 5300 ق.م. وحتى 3500 ق.م، اعتماداً على دراسة المادة الآثارية التي عُززت نتائجها بنتائج كربون14. أوضحت الأعمال الميدانية الجديدة أن الموقع لم يستوطن بعد فترة العُبيد. أسفرت الأعمال التي نُفذت في الموقع عن التقاط آلاف الكسر الفخارية، والأصداف البحرية، وأدوات العظام، وكسر مجارش، وأحجار السحق، والأدوات المختلفة، والأسلحة المصنوعة من حجر الزجاج البركاني، ورأس رمح مصنوع من معدن البرونز، وبقايا قواقع، وأصداف، ومحار. ووفقاً لدراسة المادة الآثارية التي عُثر عليها في مواقع العُبيد، وما يمكن أن يستنتج من الانتشار المكاني لمواقع الفترة نفسها؛ نجد أن اقتصاد هذه الفترة يقوم على المتاجرة مع بلدان بعضها يبدو أنها بعيدة النجعة. فعلى سبيل المثال، وجد مشغولات من حجر الزجاج البركاني الذي يعتقد أن مصدره إما في وسط المملكة العربية السعودية أو غربيها أو تركيا. كما أن العثور على فخار العُبيد في أماكن تقع على سواحل الخليج العربي جعل البعض يرى أن إنسان ذلك الزمن كان يرتاد البحار ونقل عبرها السلع. ولكن كان الإنسان أيضاً يتاجر عبر البر استدلالاً بالعثور على فخار العُبيد في أماكن بعيدة عن الشواطئ. وكأي مجتمع قديم مقيم شكّلت مهنة الرعي أحد دعامات اقتصاد ذلك الإنسان، فتاجر بالحيوانات، واستغل حليبها في صناعة منتجات متعددة، واستثمر أصوافها في إنتاج ألبسته، وشكّل من جلودها أحذية يتقي بها حرارة الأرض وبرودتها، وحيود الأحجار المؤذية أثناء سيره عبر الطرق الجبلية والحرات التي يُحتم الطريق اجتيازها. ثقافة هيلي 3400-2750ق.م: تُعَدُّ هذه الثقافة من أقدم ثقافات الواحات إن لم تكن أقدمها على الإطلاق. كان الاستيطان خلال الفترة التي سبقت فترة هيلي يتركز على السواحل وفي الجزر مثل مواقع العُبيد التي تقع على ساحل المنطقة الشرقية وساحل الكويت علماً أنه وجد مواقع داخلية إلا أنه لم يثبت ممارستها للزراعة. ثقافة هيلي هي الثقافة الأولى التي ثبت أن الإنسان خلالها مارس الزراعة، واستقر استقراراً فعلياً استدلالاً بمعثوراته الثابتة، مثل: المستوطنات والمدافن؛ والمنقولة مثل: بقايا بذور النبات وطبعات أوراقها وأغصانها. لم يكن يعرف عن هذه الحضارة شيئاً قبل عام 1982م. في ذلك العام باشرت بعثة فرنسية عملها في مسح منطقة هيلي في منطقة العين في دولة الإمارات العربية المتحدة، واستطاعت أن تحدد العديد من المواقع الأثرية كان من أهمها موقع هيلي رقم "8" الذي تبين أنه يحتوي على مستوطنة كبيرة، وإلى جوارها يوجد مستوطنتان. تم انجاز حفريات في تلك المستوطنات خلال مواسم متعددة، نتج عنها اكتشاف ثلاث مراحل استيطانية أرخت الأقدم منها بما بين 3400–3200 ق.م، والوسطى بما بين 3200– 3000 ق.م، والمتأخرة بما بين 3000ق.م و2750ق.م وبعد عام 2750 تبدأ حضارة أم النار بالظهور. تتميز هذه الحضارة بأنها أول حضارة نعرفها في الإمارات العربية المتحدة تستفيد من المياه الجوفية عن طريق الآبار والقنوات التي تسحب الماء من مصادره إلى أماكن الاستفادة منه. كما تتميز بزراعة المحاصيل المتنوعة مثل: الحبوب والخضروات، والفواكه والأعلاف. وهذا تم التأكد منه من خلال تحاليل علمية أجريت على بذور اللقاح، ودراسة تمت لطبعات بعض أوراق النبات التي شوهدت على مادة الطين المستخدمة في بناء المنازل وتكسيه الجدران والسقوف. من مميزات هذه الحضارة الصناعات الحرفية، مثل: صناعة الأواني الفخار، وأواني الحجر الصابوني، والمعادن بتشكيل أواني منها. كما استخدم إنسان هذه الحضارة الأدوات المعدنية كرؤوس السهام، والحراب، والأمواس، والمرايا البرونزية. وبرع شعبها في صناعة الخرز الذي شُكل من أنواع متعددة من الأحجار الكريمة. تميزت هذه الحضارة أيضا في صناعاتها الفخارية التي جاءت بعدد من الأنماط، من بينها أنماط تفردت بها هذه الحضارة وعرفت بها، فيقال: فخار أم النار. يتميز فخار أم النار بأنه مزخرف بزخارف هندسية عبارة عن دوائر حلزونية مرسومة على أكتاف الأواني باللون الأسود، كما تظهر المثلثات المفرغة والمتقابلة أفقياً. تظهر على بعض الأواني المثلثات المشكلة باللون، والشبكات ذات التقاطيع المعينة والتقسيمات الواسعة. وتظهر على المجموعة زخارف أخرى مثل الطيور البحرية. يقتصر انتشار هذه الحضارة على الجزء الشرقي للمملكة العربية السعودية وساحل الخليج العربي في حالة اعتبار الفخار المميز لها هو المعيار. ولكن، أيضاً لم ينقطع الاستيطان في بقية أجزاء الجزيرة العربية الأخرى في ذات الوقت الذي كانت خلاله حضارة أم النار مزدهرة. ويمكن أن نوجز الاستنتاج من المادة الأثرية العائدة إلى هذه الحضارة بالآتي: تم تاريخ هذه الحضارة عن طريق التسلسل الطبقي، إذ وجدت مادتها الأثرية في طبقات تقوم على طبقات العُبيد، ويكونها طبقات وجد فيها الفخار الرمادي المدهون باللون الأسود المميز لفترة أم النار. وعليه فهي تؤرخ بعصر يقع بين نهاية فترة العُبيد وبداية فترة أم النار. ولذا، فهي امتداد لحضارة العُبيد، إلا أن الوجود المكاني تحور من السواحل إلى الواحات، وتتداخل مع حضارة أم النار حيث إن فترة هيلي الثالثة تتداخل مع بداية حضارة أم النار. وربما أن مرد التحول المكاني لوجود الإنسان خلال فترة هيلي، إلى اختلال في ميزان القوى العالمية آنذاك، فاضطراب الأمن أدى إلى تغيّر مسارات الطرق التجارية، وانتقال الإنسان من السواحل إلى الواحات في الداخل. حضارة أم النار 2750-2400 قبل الميلاد: تنسب هذه الحضارة إلى جزيرة أم النار الواقعة بالقرب من مدينة أبو ظبي في الإمارات العربية المتحدة. تم اكتشافها على أثر جهود البعثة الدانمركية التي أجرت بعض المجسات الاختبارية فيها في أوائل ستينات القرن العشرين الميلادي. ووجدت طبقات أثرية متعاقبة أقدمها يعود إلى أوائل الإلف الثالث قبل الميلاد بناءً على اكتشاف بعض الكسر الفخارية المشابهة لما وجدت دي كاري في موقع بمبور في الهضبة الإيرانية، والمؤرخ بمقتضى نتائج تحاليل كربون 14 المشع. يتضح من الأعمال الميدانية التي تم تنفيذها بعد عمل البعثة الدانمركية، وبخاصة بعد إنشاء إدارات للآثار وقيام المتاحف في دول شبه الجزيرة العربية، يتضح أن انتشار هذه الحضارة يتركز في الجزء الشرقي للجزيرة العربية. ومع ذلك فقد عُثر على خرز أم النار في موقع سهي بالقرب من ساحل البحر الأحمر في منطقة جازان. وبالقرب من موقع الفاو في محافظة وادي الدواسر في منطقة الرياض عُثر على مقابر نقب واحد منها فوجد في داخله عدد من المدافن. وفي واحد من تلك المدافن وجد ختم أم النار المشهور برموزه المحددة. وللتعرف على هذه الحضارة، وكيفية تشخيص مادتها الأثرية وتحديد مدتها الزمنية، قصة بحث نوجزها بالقول إنها تتكون من شقين: الشق الأول: يتمثل بالتنقيبات الأثرية التي تمت في المواقع الرئيسة في شرقي شبه الجزيرة العربية، مثل: تل تاروت في جزيرة تاروت في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية. فالأعمال الأثرية سواء تلك التي أنجزت البعثة الدانمركية عام 1968م، أو تلك التي نفذ عبدالله حسن مصري عام 1972م؛ أسفرت عن اكتشاف طبقات آثاريه أسفل الطبقات التي وجد فيها استيطان الفترة الدلمونية، وتعلو الطبقات الآثارية التي عُثر فيها على آثار تعود لفترة جمدت نصر، وحيث إن حضارة جمدت نصر تؤرخ بنهاية الألف الربع وبداية الألف الثالث قبل الميلاد، فمن الطبيعي أن يكون الاستيطان بينهما يعود إلى فترة تمتد ما بين نهاية حضارة جمدت نصر وبداية حضارة دلمون. وفي حالة قبولنا أن تاريخ نهاية حضارة جمدت نصر يقع في الثلث الأول من الألف الثالث قبل الميلاد، ومن الجانب الآخر نعرف أن بداية حضارة دلمون تؤرخ بالقرن الرابع والعشرين قبل الميلاد، فبهذا نصل إلى أن فترة أم النار تقع بين نهاية فترة جمدت نصر وبداية حضارة دلمون. أي أن مدها الزمني يقع بين إلفين وسبعمائة وخمسين سنة قبل الميلاد وألفين وأربعمائة سنة قبل الميلاد. الشق الثاني: يتمثل بالمعثورات الآثارية، ولعل من أهمها مجموعة من الأواني الفخارية التي عُثر عليها لأول مرة في مستوطنة وقبور أم النار في الإمارات العربية المتحدة، عثر عليها فريق علمي من البعثة الدانمركية عن طريق دعوة تلقاها من أحد مشايخ الإمارات العربية المتحدة الذي كان يملك مزرعة في تلك الجزيرة، فعند عثوره على بقايا مستوطنة أم النار أبلغ جفري بيبي رئيس البعثة الدانمركية، فأوفد إليها عام 1959م فريقاً علمياً عندما كان يعمل هو في موقع قلعة البحرين في مملكة البحرين. فبعد تنفيذ المسح والتنقيب تجمعت مادة فخارية من بينها مجموعة مميزة لون عجينتها رمادي وعليها زخارف بلون أسود. هذا النمط لم يسبق أن عثرت عليه البعثة الدانمركية آنذاك في أي موقع أخر، فرأت أن تعرضه على السيدة بترشا دي كاردي التي كانت لها أعمال ميدانية وتنقيبات في مواقع في الهضبة الايرانية وبلاد الهند وباكستان. وبعد أن عاينت المجموعة تبين لها أنها تماثل مجموعة عثرت عليها في الطبقة الرابعة في تنقيباتها في موقع بمبور في وسط إيران والتي تؤرخ بالربع الأول من الألف الثالث قبل الميلاد. وبناءً على هذا التشابه أرخت ما وُجد في موقع أم النار بذات التاريخ. وعضّد ذلك بقرائن عديدة من أهمها مجموعة كبيرة من الأختام وجدت في موقع أم النار ومواقع أخرى، واكتشف أن بينها شبه مع أختام عُثر عليها في مواقع في بلاد الهند، ومواضع أخرى في العالم القديم مؤرخة ببداية الألف الثالث قبل الميلاد. كما أن مقابر هذه الفترة تظهر بنمط خاص، ومعظمها مقابر عائلية. وعليه نجد أن تاريخ هذه الحضارة وتشخيصها يقومان على أسس علمية قوية. انتشار هذه الحضارة في شرقي شبه الجزيرة العربية واضح، فقد تم العثور على المادة الأثرية العائدة إليها في قلعة البحرين، وجزيرة تاروت، ومقابر جنوب الظهران في المملكة العربية السعودية، وعدد من المواقع في منطقتي جبال حفيت وابري في شبه الجزيرة العمانية والأمارات العربية المتحدة. تتميز حضارة أم النار بأنها حضارة جزر في الأصل استفادت من الزراعة وتجارة الطرق البحرية. واتصفت مقابرها بالإتقان والبناء المنظم واستخدام حجارة مشغولة بشكل مميز وبخاصة في بناء جدار المحيط الخارجي. ويظهر لبعضها بوابات بأكتاف جانبية وعليها عارضة أفقية نحت عليها وعلان متقابلان. ومقابرها جماعية إذ يحتوي القبر على عدد من أماكن الدفن، وغالباً يظهر محيطها الخارجي باستدارة كاملة. انفردت هذه الحضارة عن غيرها بإنتاجها لأنواع من الفخار عجينته رمادية نقية ومزخرفة بالون الأسود بأشكال نباتية وهندسية. كما أن لهذه الحضارة منتج خرز حجري خاص بها وبشكل مميز لذا عُرف باسمها. علاوة على ما مر، لهذه نمط من الأختام أقتصر ظهوره عليها. وإلى جانب المستوطنات والمقابر وما يتصل بها من مكونات إنشائية متنوعة، تشمل مادتها الأثرية الآتي: الأسلحة المعدنية، مثل: الخناجر، والحراب؛ وشفرات الحلاقة، والمثاقب البرونزية؛ والسنارات المعدنية؛ والمواقد المبنية؛ والأختام النحاسية والحجرية؛ المادة العظمية آدمية وحيوانية؛ أدوات السحق؛ الخرز الذي يظهر بأشكال متعددة، منها: الصغيرة القرصية، والكروية، والأسطوانية، والمعينية، والبرميلية، والطولية؛ ويظهر البعض على شكل حبة الفاصوليا. كما استفاد صانع الخرز من مواد متنوعة منها: اليشت، والعقيق الأحمر، والمعدن، والكورايت، والكوارتز الأبيض، وحجر أخضر، والعجينة الطباشيرية، والطين الأسود، والحجر الأسود القاتم، وعظام فقرات الأسماك أو الطيور الصغيرة. من الواضح أن هذه الحضارة كانت على درجة قوية من التقدم، فهي في المقام الأول حضارة قوم مستقرين وصلوا إلى درجة متقدمة من التحضر والقوة الاقتصادية. فمن حيث التحضر فهو واضح في وجود العديد من المستوطنات وبخاصة في الإمارات العربية المتحدة التي منازلها مشيدة بمادة الطين والحجارة. كما أن لوجود مقابر ذات أنماط خاصة، دلالة على تفردها حضارياً. فمقابرها تُميز أينما وجدت، وبخاصة أنه يصاحبها وجود مواد آثاريه، مثل: أختام، عرف باسم أختام أم النار، وأواني فخارية عُرفت باسم "أواني أم النار" وبزخارفها التي لا يمكن أن يجهلها من يراها. يتضح من تنوع مادة الخرز التي عُثر عليها أن الناحية الجمالية لم تكن مغفلة في حضارة أم النار، إضافة إلى أن هناك دراية بأنواع عديدة من الأحجار الكريمة، وطرق تصنيع الخرز منها. شاعت الصناعات في مجتمع أم النار مثل صناعات الأواني من الحجر الصابوني والصناعات المعدنية مثل مستلزمات الإنسان اليومية أو أسلحته. يظهر أن مجتمع أم النار قد أعتمد على دعائم اقتصادية شملت: الصيد البحري، والبحث عن الكنوز البحرية، والاستفادة من الأصداف والمحار. أما الدعامة الثانية فهي التجارة البحرية من خلال العمل كوسيط نقل بين حضارات الجنوب، والشمال، والشرق، والغرب. كانت الزراعة أحد الحرف الأساسية التي مارس مجتمع حضارة أم النار. حضارة دلمون 2400-1700ق.م: دلمون مصطلح يظهر في الكتابات المسمارية في بلاد الرافدين، ويشير إلى مملكة تقع إلى الجنوب الشرقي من بلاد الرافدين. يبحث العلماء منذ قرنيين في تحديد المكان المشار إليه بهذا المصطلح. ووفقاً لدراساتهم، ظهرت عدة اقتراحات، فهناك من قال إن المقصود جزيرة البحرين، وهناك من قال إن المقصود شمال المملكة العربية السعودية، وهناك من قال إن المقصود هو الجزء الشرقي من الجزيرة العربية والجزر الواقعة في الخليج العربي، وهناك من قال إن المقصود هو الأرض الممتدة على جانبي الخليج العربي. عندما كثر الخلاف في هذا الموضوع، قرر أحد الباحثين الذين كانوا يعملون في حقول البترول في البحرين أن ينظم عمل ميداني في المواطن التي يعتقد أن دلمون سادت فيها لكي يجمع منها مادة أثرية تُكوّن مصدر المعلومات. قام جفري بيبي بتشكيل فريق عمل كبير بعد حصوله على موافقة جامعة ارهوس في الدانمرك على تمويل البعثة وتبنيها، كما وافقت بعض الشركات على دعمها مادياً، مثل: شركة أرامكو السعودية، وشركة شل، وشركة البترول البحرينية. بدأ الاستعداد للبعثة عام 1953م، وفي عام 1954م شرعت البعثة بأعمالها الميدانية في البحرين واستمرت بها حتى عام 1958م. كما شملت أعمالها جزيرة فيلكه بالكويت والساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وعمان، وقطر. قدمت هذه البعثة الكثير من المادة العلمية الثابتة والمنقولة، ونشرت العديد من الدراسات وعشرات المقالات؛ وأثبتت بالفعل أن دلمون اسم لحضارة كانت تنتشر في جزر الخليج العربي وبخاصة البحرين وتاروت ودارين وفيلكه، وفي اليابسة من شرقي الجزيرة العربية ويمتد انتشارها إلى الداخل حيث وجد عدد من المستوطنات والمقابر. وفي مقال من آخر مقالات قائد البعثة جفري بيبي، رأى استناداً إلى اعتبارات عديدة، أن وسط شبه الجزيرة العربية هو مصدر الإنسان الذي أوجد تلك الحضارة بعد هجرته إلى جزيرة البحرين، والجزر الأخرى في الخليج العربي. يشمل الانتشار الجغرافي لهذه الحضارة شرق شبه الجزيرة العربية فقد وجدت المادة الأثرية لها في البحرين في عدد من المواقع، مثل: قلعة البحرين، ومعبد بربارا، ومقابر حمد، وسار الجسر، وعلي، وهضبة دي جنوسان؛ وفي اليمن؛ والإقليم الجنوبي الغربي في المملكة العربية السعودية؛ والإقليم الأوسط؛ والشمالي الغربي؛ والشمالي، والشرقي حيث وجدت في مقابر جنوب الظهران، ومقابر ابقيق، وتل تاروت، والرفيعة، وفاروق الأطرش، وواحة يبرين. كما وجد ما يمثلها في موقع رأس أبروك في شبه الجزيرة القطرية، ووجد عدد من مواقعها في جزيرة فيلكه في دولة الكويت. أسفرت الأعمال الآثارية التي تم إنجازها في مواقع هذه الفترة عن مواد آثاريه متنوعة لعل من أبرزها: وجود مستوطنات كبيرة، ومنازل طينية، ومعابد كبيرة مبنية بالحجارة. ووجد كميات من الأواني المصنوعة من الخزف والفخار ومنه المزخرف بالألوان وغير المزخرف، والأختام الدائرية والاسطوانية، والتماثيل المعدنية والحجرية والفخارية، وأدوات الزينة، وسلال سعف النخيل، والآبار المحفورة والمطوية بالحجارة، وشيوع المدافن الفردية والجماعية المنحوتة في الأرض والصخر، والمبنية بالحجارة وبقواطع طينية المادة، والمرايا البرونزية، والرسوم الصخرية، وأواني الحجر الصابوني، والنقوش المكتوبة بالقلم المسماري، ولوحات طينية، وبيض نعام، وأصداف بحرية، وأنواع متعددة من الخرز، وأنواع متعددة من الأحجار الكريمة، واستخدام القار في تبطين الأواني الفخارية، وأدوات الوزن، وعظام آدمية وحيوانية، وطبعات لبعض أنواع النباتات، وثقالات لسنارات صيد الأسماك. مما مر أعلاه ندرك ضخامة المادة الأثرية المكتشفة في تلك المواقع، وتنوعها، وتنوع مادة صناعتها وطرق زخارفها. من مراكز حضارة دلمون الرئيسة جزيرة تاروت الواقعة في المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية وإلى الشرق من مدينة القطيف بين درجة العرض 35,526 وخط الطول 40,550. وتبلغ مساحة الجزيرة 70كم2، ولها ميناءان هما: سنابس ودارين. جاء ذكرها في كتابات اليونانيين القديمة، إذ ذكرها هيرودوت في القرن الخامس ق.م. ثم ذكرها استرابو في القرن الأول الميلادي. وفي العصر الحديث، وردت عنها معلومات في تقارير الرحالة الأوروبيين الذين زاروها في القرنين الماضين، كما ذكرت في المصادر البلدانية الإسلامية المبكرة. يوجد في الجزيرة العديد من المواقع الأثرية التي عرفت نتيجة للأعمال الإنشائية التي أنجزت فيها إضافة إلى الأعمال المسحية وأعمال التنقيب. من أشهر المواقع تل تاروت الذي يمثل بارتفاعه الواضح والنبع الذي يجود بالماء من حوله علامة بارزة في الجزيرة. خضع التل لعمل أثري من قبل البعثة الدانمركية الثانية عام 1968م، ثم أنجز فيه د. عبدالله حسن المصري موسمي مسح وأجرى عدداً من المجسات. أفادت نتائج تلك الأعمال أن الموقع استوطن من الألف السادس قبل الميلاد، واستمر الإنسان يتردد عليه من فترة إلى أخرى حتى زمن الدولة العثمانية، وان التل بارتفاعه الشاهق ليس إلا تراكم حضاري ارتفع مع تعاقب الاستيطان على الموقع عبر الزمن. لا يقتصر استيطان هذه الجزيرة على هذا التل، بل كشفت الأعمال الميدانية عن عدد من المستوطنات منها: موقع الربيعية المؤرخ بفترة دلمون وهو الموقع الذي عُثر فيه على قبور وجد فيها رفاة موتى محروقة ومودعة في جرار فخارية، وموقع فاروق الأطرش المؤرخ بذات التاريخ. تُعَدُّ جزيرة تاروت ثاني جزر الخليج العربية من حيث المساحة بعد جزيرة البحرين، كما أنها على درجة كبيرة من الأهمية في تجارة الخليج العربي مع بلاد الرافدين وبلاد فارس، فعبرها صُدرت السلع ومن أهمها البهارات والحبوب والمعادن إلى بلدان العالم القديم المختلفة؛ إضافة إلى كونها واحدة من مراكز التصنيع في العالم القديم، فإليها كانت تجلب المادة الخام مثل الحجر الصابون ثم تصنع فيها الأواني وغيرها من المنتجات، ومن ثم تصدر إلى مراكز الاستيطان مثل بلاد الرافدين والشام وفارس. تشكل تاروت مع جزيرة البحرين وجزيرة فيلكه منظومة من المحطات البحرية الرئيسة التي توفر الموانئ الصالحة لرسوا السفن، وتوجد فيها الأسواق للبيع والشراء، ومصادر المياه المناسبة لاستخدام الإنسان. من هذه الجزيرة جاءت كمية من المادة الأثرية العائدة إلى عصور مختلفة ومن بينها العصر الذي نتحدث عنه. كانت الجزيرة تعيش واحد من أغنى عصورها خلال فترة دلمون، إذ يعتقد البعض أنها كانت مركز تلك الحضارة في زمن من الأزمنة. فإلى جانب المواد الآثارية الثابتة مثل المستوطنات والمدافن والآبار، التقط مادة آثاريه منقولة اشملت على التماثيل، ومن أهمها تمثال يظهر بالنمط السومري. كما جُمعت كمية كبيرة من أواني الحجر الصابوني، بعضها عبارة عن كسر، وبعضها عبارة عن أواني كبيرة. تُعد مجموعة تاروت من أكبر المجموعات إذ يقارب عددها الألف. وتتنوع في أشكالها وأحجامها، وزخارفها التي اشتهرت بها ومنها الحيات المتصارعة، والأشكال الحيوانية، والأشكال التي تجمع بين الإنسان والحيوان في آن واحد. يوجد في زخارفها بعض الحشرات مثل العقارب، والطيور مثل النسور والعقبان، والنباتات مثل سعف النخيل، والأشكال الهندسية المتنوعة مثل المربعات والمثلثات المتداخلة والخطوط المتكسرة والخطوط المتعرجة. جُمع كمية كبيرة من كسر الأواني الفخارية الدلمونية، منها جرار تخزين كبيرة الحجم، وجرار مضلعة اشتهرت بها الحضارة الدلمونية إلى جانب مجموعة من الأواني التي تظهر عليها زخرفة باللون الأسود. كما جُمعت كمية من الحلي المصنوعة من مواد مختلفة، ومجموعة من المشغولات المعدنية، ومواد مصنوعة من الحجر الرخامي. وجد في الجزيرة مادة أثرية وفيرة ومتنوعة شملت: التماثيل البشرية ولعل من أميزها تمثال يظهر بالنمط السومري، وأنواع من الفخار الدلموني وبخاصة الجرار المضلعة. ومجموعات كبيرة ومتنوعة من أواني الحجر الصابوني التي تظهر عليها الزخارف الحيوانية والهندسية المؤرخة بالألف الثالث قبل الميلاد، ومجموعة من الأختام القديمة، ومجموعة من الحلي وأدوات الزينة. تتميز حضارة دلمون بمدافنها الركامية التي يظهر البعض منها مركوماً بالأتربة السائبة والبعض الآخر مركوماً بالأحجار. يبلغ عدد مقابر هذه الفترة في المملكة العربية السعودية ميئات الآلاف. يظهر هذا النوع من المدافن في جميع مناطق المملكة العربية السعودية، وتكثر حول الواحات التي تتوفر فيها مياه جارية وعيون ضخمة وبحيرات مياه مثل واحات: تيماء، والعلا، وخيبر، والخرج، والحريق، والأفلاج، والإحساء. كما توجد على المرتفعات القريبة من الواحات وعلى حواف الأودية. وتأتي مدافن هذه الفترة بأنماط متنوعة، منها الهرمي الترابي الذي يصل ارتفاعه إلى خمسة أمتار، ومنها الحجري ذو المصاطب التي قد تصل إلى أربع مصاطب. وتشمل الشكل المربع والدائري والعنقودي والمستطيل والبيضاوي، وقد يلحق بالمدافن مدافن أخرى. تظهر المدافن إما فردية يخصص كل مدفن لشخص، أو جماعية يحتوي الواحد منها على عدد من مواضع الدفن. حضارة مدين، 1700-1050 قبل الميلاد: يجيء لأمة مدين ذكر في كتب التاريخ بُني على ذكرها في الكتب الدينية، مثل: القرآن الكريم والتوراة. وصف القرآن الكريم أمة مدين بالغنى والطغيان والفساد في الأرض. كما ربط قافلة منهم تنقل تجارة إلى مصر بنبي الله يوسف عليه السلام على أنها هي التي أخرجته من الجب ونقلته إلى مصر حيث باعته إلى عزيزها. جاء ذكر لأمة مدين في التوراة على أنها من الأمم التي عاصرت خروج بني إسرائيل من مصر إلى الأرض المباركة، وجاء عنها أنها وقفت في وجه بني إسرائيل فحدثت بينهم حروب انتهت بهزيمة مدين، وسبي نسائها، وقتل رجالها، ومصادرة ممتلكاتها. بني المؤرخون على ما جاء في الكتب المقدسة والكتب القديمة مثل تاريخ اليهود للمؤرخ اليهودي يوسف وكتب التفسير حيث تتوفر معلومات متنوعة. فجعلوا نظام الحكم فيها ملكي وعدّوا ستة من ملوكها، كما تحدثوا عن ثرواتها المعدنية والزراعية. ووصفوها بأن لها دور كبير في نقل السلع بقوافلها المكونة من الجمال والدواب الأخرى. كما أشاروا إلى منتجاتها من الحبوب وإلى أسواقها التي فيها كانوا ينقصون الميزان ويبخسون الناس أشيائهم. كما تحدث المؤرخون عن أرضها فذكروا أنها تقع شمال غربي المملكة العربية السعودية وهو ما تشغله في الوقت الحاضر منطقة تبوك والمحافظات الشمالية لمنطقة المدينة المنورة. يتبع...
العربية
1
4
4
460
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
وطبقاً لنتائج الأعمال الميدانية المذكورة، اتضح أن الثمامة كانت عبارة عن حوض بحيرة واسع أخذ بالجفاف التدرجي حتى تصحر تماماً، عُثر على متحجرات بحرية كما عثر على واجهات أحد الجبال طبعات نباتات بحرية ووجد بقايا شعب مرجانية ورواسب بحرية. ويعتقد أن المكان قد أصبحت بعد جفاف البحيرة ملتقى لِمياه الأودية المنحدرة من الغرب ومن الشرق والشمال. أصبح بالإمكان تحديد بعض الآثار نتيجة للأعمال الميدانية التي تم ذكرها، ومنها لقى أثرية ثابتة وأخرى منقولة تدل دلالة قطعية على وجود الإنسان في تلك المنطقة منذ فترات زمنية طويلة، إلا أن لقى تشير إلى وجود إنسان متواضع في حضارته ومقدراته المادية في حالة مقارنته بإنسان الواحات المعاصر له. تشمل موجودات المكان الأثرية الآتي: 1ـ أساسات منازل حجرية بأنماط متنوعة، ربما أنها أساسات لمنشآت شيدت من مواد قابلة للتلف، مثل: الأخشاب، والجلود، وأغصان الأشجار. 2ـ عدد متناثر من المدافن في أنماط متنوعة منها الركامي الذي يأخذ شكل الرجم ويتوسطه مكان الدفن على شكل فرن يضيق في الأعلى ويتسع في الأسفل، أو شكل مستطيل تكونه أربع أحجار كبيرة. 3ـ بقايا منشآت حجرية فسّرت على أنها معابد، وهي عبارة عن دوائر مبنية بألواح حجرية يبلغ ارتفاعها نصف متر أو أكثر قليلاً، ويتخلل جدارها المحيط فراغات ربما أنها أماكن للجلوس، ويتوسط الدائرة أعمدة منصوبة ربما مثلت رموز لمعبودات وثنية. 4ـ فوهات آبار مطمورة. 5ـ كسر من أرحية حجرية. 6ـ أدوات وأسلحة حجرية متطورة في تقنية صناعتها، وتشمل رؤوس سهام دقيقة الصناعة وبأنماط متنوعة، منها: المخروطي، والمقرّن، ومتموج السطوح. كما عُثر على رؤوس حراب دقيقة ومتنوعة في أشكالها، وإن كان الشكل الغالب فيها المثلث. يتضح مما مرّ أن المنطقة تحتوي على نماذج لمواقع تنبئ عن تطور استيطاني استغرق فترة طويلة من الزمن، وتنبئ عن استيطان استمر لفترة ليست بالقصيرة خلالها استطاع الإنسان معرفة الإقامة الدائمة، وممارسة الزراعة، وتطورت مفاهيمه الروحية كما تدل منشآته التي تم اكتشافها. تُمثل مواقع جُبّة نمط آخر من مواقع العصر الحجري الحديث. تقع قرية (جُبَّة) على مسافة تقرب من 50 كيلومتراً إلى داخل الحد الجنوبي لصحراء النفود الكبير عند التقاء خط الطول 40، 56 بخط العرض 02، 28، وتبعد عن مدينة حائل بـ 100 كيلومتر تقريباً شمالاً. ويمر بجوارها الخط البري الدولي المتجه ناحية منطقة الجوف ثم إلى الدول المجاورة شمالاً. ويعتقد أن جُبّة والمواقع الأثرية المتناثرة في الجبال المحاذية لها كانت تقوم حول بحيرة قديمة تستمد مياهها من ينابيع متدفقة وأمطار غزيرة. وتحيط بالموقع الرمال من ثلاث جهات، ومن الجهة الأخرى سلسلة من الجبال الرملية. تحتوي تلك الجبال على كثير من الملاجئ الصخرية الطبيعية، والينابيع الناضبة، وحولها توجد بقايا مواقع إنسان العصور الحجرية والتي تظهر الواجهات حولها رسوم ذلك الإنسان المتنوعة. وبين هذه الرمال والسلسلة الجبلية يوجد ما بقي من حوض جُبَّة، وتقوم على جزء منه المستوطنة الحالية. نظراً لوقوع جُبَّة في قلب رمال صحراء النفود الكبير، لم يتمكن أغلب الرحالة الغربيين الذين زاروا شمال المملكة العربية السعودية خلال القرن الماضي وأوائل القرن الحالي من الوقوف عليها، أو المرور بها، أو ملاحظة آثارها. وربما ان أقدم من زارها هو بلنت سنة 1879م والذي نشر عنها بعض المعلومات سنة 1881م. وبعده بأربع سنوات مر بها يوليوس أويتنج ونشر عنها سنة 1896م معلومات ذات صلة برسومها ونقوشها. وفي سنة 1977م مر بها فريق من قطاع الآثار والمتاحف: "هيئة التراث حالياً" خلال مسحه للأجزاء الشمالية للمملكة العربية السعودية، ونشر عنها معلومات مختصرة سنة 1978م. ثم اجري أندرو جارارد وهارفي سنة 1980م دراسة ميدانية لها اهتمت ببيئتها إبان العصرين البليستوسين والهولوسين. وبعد ذلك زارها فريق مسح النقوش والرسوم الصخرية من إدارة الآثار والمتاحف السعودية "هيئة التراث حالياً سنة 1406هـ، ونشر عنها سنة 1413هـ تقريراً قدم بصورة مقتضبة رسومها الصخرية ونقوشها وبضعة مواقع أخرى واقعة بالقرب منها. في عام 1424هـ/2004م قام فريق من قطاع الآثار والمتاحف بمسح لموقع جُبّة ثم نشر عنه تقريراً مقتضباً في العدد التاسع عشر من حولية أطلال السعودية. لا شك أن موقع جُبَّة كحوض ماء ضخم يوصف بالبحيرة ساعد على وجود الإنسان في المكان، كما ساعدت المراعي أيضاً بجذب قطعان من الحيوانات البرية التي تظهر مجسدة في الرسوم الصخرية المتناثرة على واجهات جبال الموقع، كما أن قرب الحوض من سلسلتي جبلي طي والأنظمة المائية المتوفرة فيه عامل ثالث لجذب الإنسان. تفيد الدراسات التي تمت إن جُبَّه من أشهر مواقع العصور الحجرية والرسوم الصخرية والنقوش في المملكة العربية السعودية لعدة أسباب، منها: 1ـ وجود عدد من مواقع العصور الحجرية فيها. 2ـ تنوع وكثافة الرسوم الصخرية التي تظهر على واجهات الجبال المحيطة بها. 3ـ ووجود العديد من النقوش المتأخرة وشواهد الاستيطان. أما تاريخ الاستيطان في جُبًّة فقد اعتمد على معايير علمية تمثلت في: 1ـ قياس غشاء العتق. 2ـ تراكب الرسوم والنقوش. 3ـ دراسة تقنية الأدوات الحجرية. 4ـ دراسة أنماط الرسوم الصخرية. 5ـ دراسة أنماط المنشآت الحجرية. تمثلت مادة صناعة الأدوات الحجرية من أحجار متنوعة، مثل: الشيرت، والريوليت، والحجر الرملي الحديدي، والكوارتز. وإلى هذه الفترة يمكن ان تنسب الرسوم الصخرية التي عُثر عليها على امتداد جبل أم سلمان، وفوق جبل (غوطة). وتتمثل برسوم الأبقار ذات القرون الطويلة والقصيرة المصاحبة لأعداد من المجسمات من نمط العصىّ، وغالباً ما تكون أجسامها موسومة بعلامات، ورسم الجسد الجانبي؛ ويصحبها أشكال بشرية مكتنزة برسم جانبي تحت الوسط، وبوجه كامل فوقها، والأذرع رفيعة للغاية وتكشف عن تفاصيل دقيقة للملبس والمعدات. ويشمل الملبس لباساً مسطحاً لقمة الرأس محلى بالشراشيب، وزخرفة صدرية مستديرة (سطحية النقش) وشرائط جوفية أفقية (محفورة) ويتدل من الوسط أحزمة. وهناك بروز من الجسد المكتنز عند طية الفخذ، مع الاتصال بالجذع عند الوسط، وتنورة مقلمة، تتدلى على الوسط السفلي محددة الفخذين. والأشكال الآدمية المكتملة التي يحمل بعضها أقواساً وحبالاً وسهاماً وأنصالاً، أو رماحاً، وربما عصيّ الرمي والهراوات وأدوات منجلية الشكل ذات مقابض قصيرة. بالنسبة للحيوانات؛ فتظهر الخيل، والوعول، والماعز، والأغنام، والغزلان، والقطط، وكلاب الصيد. كما تظهر أشكال للنسوة ذوات الشعر المجدول المتدلي، وصدرية مزخرفة تغطي الجزء العلوي للصدر، وتنورات زاهية فوق بروز البطن. وإلى جانب ذلك، هناك اختلافات نمطية بارزة بطبيعتها خاصة بالأذرع. تضم الأشياء المصورة بالحز أقواساً مشغولة بالسلك وشفرات أسهم أو رماح، وأدوات مقوسة ربما لرمي العصيّ، وأشكال منجلية مقوسة لها أيدي، وأداة كالهراوة أو المضرب، وأشكال حقائب لها أياد متدلية على الأكتاف. وتحمل بعض مناظر أنماط جُبَّة نقوشاً لأشكال من الخيل ذات الشعور المتدلية، وعلامات (وسوم أو رسوم) على الجسد. ويرى في بعض الأحيان للجواد حلقة أنفية في حالة واحدة من خلال الخشم، والوعول؛ وفصائل مختلفة من فصائل الغنم، والقطط أو النمور في حالات الصيد بمطاردة الكلاب، وأشكال آدمية من جانب واحد، مع بقرة وجواد في مواجهة مجموعة مترابطة من الحيوانات ذات القرون. ويوجد مشهد واحد لشكل شاة أو ماعز مقلوب قدماها إلى الأعلى. استخدم في تنفيذ رسوم جبة طريقتان، أحدهما طريقة الحز والأخرى الحفر أو النقر الغائر. وأغلب رسوم الموقع رسمت إما بانحراف أو من منظور جانبي. وتشمل عناصر رسم متعددة، منها: الإنسان، والحصان، والأبقار، والوعول، والكلاب، والماعز. ويبدو أن الشكل البيضاوي في رسوم الحيوانات هو الشائع، ويصاحبه قرون طويلة. وفي بعض الأحيان، تظهر زخرفة على أجسام الحيوانات وبخاصة الأبقار ربما تكون عبارة عن شبكة معينية الأشكال أو مربعات أو مثلثات. أما الحصان فتظهر رسمته برمح مخترق وسطه، علماً أن الرسم يفتقد إلى الحركة. أما الرسوم البشرية فهي غالباً تظهر بالحجم العادي للإنسان بالنسبة لرسوم العصور القديمة، أما العصور المتأخرة مثل العصر الثمودي فإن رسومه تظهر بحجم أقل. وتتحلى رسوم الإنسان بان أجزائها الأمامية تظهر بتصوير حقيقي يبين كافة الملامح، بينما تظهر الأجزاء السفلى للجسم بوضع منحرف. وتظهر الأيدي نحيفة، والأيدي العودية، أي انها عبارة عن خطوط. وتظهر الرسوم بأطر خارجية، وأجسام تبدو بارزة عن السطح المحيط بها. يُعَدُّ موقع الشويمس من أهم المواقع المؤرخة بالعصر الحجري الحديث، ومن أحدثها اكتشافاً. اكتشف الموقع سعد الرويسان، مدير مكتب الآثار في منطقة حائل، عام 1420هـ. يقع بين خطي 085 -8- 26 شمالاً و156، 53، 39 شرقاً وعلى بعد 32 كم عن مدينة حائل و35 كيلومتراً إلى الغرب من قرية الشويمس الحالية. يتكون الموقع من وادي تحف به جبال رملية مكونة بحيرة، وتوجد على واجهات الجبال المحيطة بالموقع العشرات من لوحات الرسوم الصخرية التي تتباين في أحجامها وانتظامها ومحتوياتها وما يوجد عليها من تعاقب الرسوم أو النقوش. وكما أشرنا سابقاً، يضم الموقع لوحات الرسوم المنفذة بعدة طرق والتي يصل البعض منها إلى درجة عالية من الإتقان. تضم اللوحات مشاهد عديدة لعل من أكثرها شيوعاً مناظر صيد الحيوانات بما فيها الحيوانات المفترسة مثل الأسود. كما تعكس فنون الموقع استخدام الإنسان للكلب في الصيد. وإلى جانب الإنسان الذي مُثل بأنماط متنوعة، فمرة يظهر بحجم أكبر من الحجم الطبيعي، ومرة يظهر على صهوة جواد وناشراً رمحه أو محتمياً بترسه، أو يطارد جملاً. توجد رسوم أخرى لحيوانات لم يعد لها وجود في الوقت الحاضر، مثل: الجواميس، وحمر الوحش، والأسود، والفهود، والأبقار ذوات القرون الطويلة والجلد الملون، والوعول. كما تظهر الرسوم الهندسية، وطبعات الأقدام والأيدي. يتميز موقع الشويمس بوجود عدد من الكهوف التي تحتوي على رسوم الإنسان والحيوان على سقوفها الداخلية وجدرانها، وعُثر في بعضها على ما يدل على أن الإنسان عاش فيها فترة من الوقت، كما عُثر على أدواته الحجرية التي كان يستخدمها في الصيد وربما في النحت وحز الرسوم. ومما لا شك فيه أن رسوم الشويمس تمثل دلائل قوية على وجود إنسان مستقر في الكهوف، أو في أماكن إقامة قابلة للتلف، أو أماكن مشيدة أتلفها الزمن وعوامله المتعددة ذات الصفات المدمرة. إذ لا يعقل أن يكون ذلك المنتج نتاج إنسان متنقل يجري وراء صيد وجمع قوته، فتنفيذ تلك الرسوم يحتاج إلى فكر، وأدوات تنفيذ، ومصدر أو مصادر الهام، ووقت؛ فلن يكون لدى الإنسان المتنقل خلف أنعامه ومراعيه ومصادر المياه الوقت الكافي ليهتم بفنون كتلك أو يجيد تنفيذها، ومن شبه المؤكد أنها صنع إنسان متطور في فنونه وخلفيته ويعيش حياة استقرار ورفاه. بالنسبة إلى تاريخ الموقع فيعتقد أنه يعود إلى الألف الرابع عشر قبل الميلاد، علماً أن أغلب محتوياته تشير إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار، أي من الألف التاسع وإلى بداية الألف السادس قبل الميلاد. ب- العصر الحجري الحديث الفخاري 6000-4250 قبل الميلاد: يتميز العصر الحجري الحديث الفخاري عن سابقه في أن حرفة صناعة الفخار أصبحت شائعة. ينتج من مادة الصلصال إلى جانب الأواني مشغولات أخرى، مثل: التماثيل، والدمى، والمحاش، والملاعق، والخرز. وهو ليس إلا استمرار للعصر الحجري الحديث ما قبل الفخار، بل نجد أن الطبقات الأثرية الممثلة لكلا العصرين تتعاقب في الموقع الواحد، ولذا فإن أغلب المواقع العائدة للعصر الحجري الحديث ما قبل الفخار تعود أيضاً للعصر الحجري الحديث الفخاري. نجد أن أقدم أنواع الفخار السابق على ظهور فخار العُبيد جاء من مواقع العُبيد، ففي موقع عين قناص احتوت الطبقة التي تقوم على الطبقة البكر على أدوات حجرية لم يخالطها أي كسرة فخارية مما يعزز نسبها إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار، تليها مباشرة طبقة عُثر فيها على أدوات حجرية وكسر فخارية بدائية الصناعة ولا تظهر عليها أي زخرفة مشيرة إلى بداية العصر الحجري الحديث الفخاري، ويستمر ظهور الفخار نفسه في الطبقة الثالثة مع وجود كسر من الفخار المزخرف باللون وهو ما يعرف باسم فخار العُبيد، وتبدأ الأدوات الحجرية تقل. كما عثر على مواقع لقواقع بحرية تخالطها كسر فخارية بدائية وخالية من الزخرفة استدل منها على أنها مواقع لصيادين كانوا يقيمون على سواحل البحر الأحمر والخليج العربي. ذكر العثور على كسر آنية فخارية بين كوم من الأصداف البحرية تقع على سواحل البحر الأحمر بالقرب من جيزان، ونسبت إلى الألف السادس قبل الميلاد تقريباً. يبلغ عدد المواقع الأثرية العائدة إلى دور العصر الحجري الحديث الفخاري المئات، ولعل من أهما مواقع فترة العُبيد التي يبلغ عددها أربعين موقعاً، وجميعها تقع في الإقليم الشرقي للمملكة العربية السعودية، ومن أهمها موقع عين قناص، وموقع الدوسرية، وموقع أبو خميس. في الإقليم الشمالي، هناك موقعان في جبة، وموقع آخر رقمه "205/13"، وجد في كل منهم كسرة آنية فخارية، إلى جانب اكتشاف الأدوات الحجرية العائدة إلى العصر الحجري الحديث الفخاري، مما يرجح تاريخ الموقع بالعصر الحجري الحديث. يوجد عدد من المواقع في الإقليم الجنوبي الغربي، ولعل من أهمها موقع رقمه "205-56" في سجلات قطاع الآثار؛ يقع عند قاعدة الحرة فوق مصطبة غير مرتفعة عند لسان خليج وادي الغرس ينتشر فوقها حصى البازلت الضيق. وجد في الموقع أدوات حجرية متميزة، وكسر فخار، وأسيجة دوائر حجرية تنتشر بينها أكوام من الأحجار قليلة الارتفاع، وأرضيات يعتقد أنها بقايا أرضيات أفران، ودائرة حجرية صغيرة يبلغ قطرها 7م، وركام مدفن عرضه خمسة أمتار ونصف المتر يقع فوق منحدر أكثر انخفاضاً على حرة تطل على الموقع من الشمال. سُجل عدد من المواقع في شرورة والمتبطحات والمندفن وجلدة في صحراء الربع الخالي. بالإضافة إلى الأدوات الحجرية، جاء منها كسر فخارية وكسر مجارش وكسر أواني من الحجر الصابوني. بالإلمام بما جاء عن مواقع العصر الحجري الحديث الفخاري منذ ما يقرب من نصف قرن نلاحظ أن التقارير والمقالات قد تحدثت عن مادة أثرية متنوعة تدل على استقرار الإنسان واعتماده على الإنتاج إلى حدٍّ بعيد. يمكن أن نذكر المادة الأثرية لذلك العصر بالآتي: العمارة، الآبار، الرسوم الصخرية، الأدوات والأسلحة الحجرية، الأسلحة المصنعة من حجر الزجاج البركاني، كسر الأنية الفخارية، كسر آنية الحجر الصابوني، الرحي الحجرية المصنوعة من أحجار متنوعة وبأحجام مختلفة وأنماط متنوعة، بقايا الأفران التي تتمثل بمصاطبها والحجارة المستخدمة في بنائها، بقايا الهياكل البشرية والحيواني، الأصداف البحرية، أدوات حجرية مصنعة من مادة حجر السحن، خرز القنوس، خرز الصدف، الخرز الحجري، قشور بيض النعام، بقايا بيض النعام المتحجر، كسر أواني مصنوعة من الحجر الصابوني، والتي وجد بعضها غير مكتمل الصنع، أدوات مصنعة من الحجر الصابوني، أصداف سنية، أصداف مزخرفة بالنحت الغائر، كسر من الآنية الفخارية التي تحتوي على أنواع خشنة، وأنواع جيدة المظهر ومزخرفة إما باللون أو بالحز أو بالقطع؛ بقايا أماكن التعبد المشيدة بالحجارة، بقايا المنازل التي تتمايز في التخطيط، وتتباين في الحجم، ومادة البناء. مارس الإنسان حياة اجتماعية متكاملة اعتمدت على مقومات اقتصادية رئيسة أولها الرعي وتربية الحيوان، ثم الزراعة، ثم الصيد البحري، ثم التجارة التي قامت على ما قدمته المقومات الاقتصادية المتقدمة، والرعي الذي مارسه الإنسان آنذاك واثبتته رسومه الصخرية التي تُبين أنواع الحيوانات التي كان الإنسان يمتلك؛ ومن بينها: الأبقار، والجمال، والأغنام. أما النشاط البحري فهو بيّن من العثور على صنارات صيد وأحجار تثقيلها في مواقع ساحلية، مثل: مواقع فترة العُبيد التي اشتملت أيضاً على كميات من المحار كما هي الحال في موقع "أبو خميس" الواقع على رأس خليج الزور على ساحل الخليج العربي. لقد تعرضت حياة إنسان دور العصر الحجري الحديث (دور استخدام الفخار) إلى تقلبات مناخية، بسببها جفت موارد المياه الدائمة وشبه الدائمة· وتحت تلك الظروف، بدأت حياة إنسان ذلك العصر بالتحول، فأخذ يستقر في الأماكن التي يسهل عليه أن يحصل على الماء فيها بواسطة حفر الآبار، ويتوفر فيها في الوقت نفسه أرض صالحة للزراعة، وتوجد حولها أماكن مناسبة لرعي حيواناته. بدأ الإنسان أيضاً بممارسة صناعة التعدين التي أصبحت يومذاك أهم سلعة يمكن أن تصدر ويقايض بها. وحيث إن الأمر كان كما ذكر، فإن نمطية الاستيطان في شبه الجزيرة العربية قد تغيرت؛ فأصبح الإنسان يقيم في أماكن تقع قرب مصادر المياه، والتربة الجيدة، والمراعي الغنية. كما وجدت آثاره حول أماكن التعدين، ونقاط عبور التجارة سواء في البحر أو البر. تختلف نهاية العصور الحجرية في العالم القديم من بلد إلى آخر اعتماداً على درجة تقدم البلد التي تمكنه من تجاوز الاعتماد على الحجر كمادة تصنيع أدواته وأسلحته إلى الاعتماد على المعادن في تصنيع أدواته وأسلحته. وهناك من الباحثين من يضع نهاية العصور الحجرية بظهور المعادن عام 4250 ق.م، وهناك من يجعلها بظهور الكتابة في نهاية الألف الرابع قبل الميلاد. فيما يخص المملكة العربية السعودية على وجه التحديد، والجزيرة العربية على وجه العموم؛ فإن نهاية العصور الحجرية وبداية العصور الحضارية غير محددة، كما أن استخدام تاريخ بداية الكتابة غير مفيد ما دام أن هناك اختلاف بين العلماء حول التاريخ المحدد لبداية الكتابة. مع وجود تلك الإشكالات يمكن القول إن ظهور حضارة العُبيد مؤشر على بداية نهاية العصور الحجرية، ومع نهاية تلك الحضارة أصبح لدينا ثقافات تتوفر فيها صفات الحضارات المستقرة التي تعتمد على ما ينتجه الإنسان من خلال الصناعة والزراعة وتربية الأغنام والحيوانات الأخرى. توجد في واقع الحال مبررات عديدة على تحديد بداية الألف الرابع كمرحلة لبداية عصور الثقافات في شبه الجزيرة العربية، زراعية وتجارية وصناعية، ومن تلك المبررات: 1ـ العثور على مستوطنات بمقومات الاستقرار المتكاملة. 2ـ اكتشاف ما يدل على أن الإنسان قد بدأ فعلاً في صهر المعادن وتصنيع ما يريد منها. 3ـ اكتشاف بقايا النحاس والقصدير وخبثهما والأدوات المصنعة منهما، مثل: المخارز، وانصال السكاكين في مستوطنة هيلي في الإمارات العربية المتحدة. 4ـ اكتشاف آثار في مواقع في وسط المملكة العربية السعودية تدل على استخدام المعادن، والأفران لصهرها
العربية
0
2
2
117
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
ظهور الإنسان الأول وانتشاره على أرض المملكة العربية السعودية أ.د. عبدالعزيز بن سعود بن جارالله الغزي يتفق علماء الآثار على أنّ القارة الإفريقية هي الموطن الأصلي لأقدم إنسان وجدت له بقايا أدوات مصنعة من الحجارة وغالبيتها أسلحة صيد وفلق وقطع ودفاع عن النفس. داخل القارة الإفريقية يُعتقد أنّ تنزانيا هي المهد الذي خرج منه الإنسان وانتشر في أنحاء المعمورة استدلالاً بما عُثر عليه من أدوات حجرية عليها آثار استخدام الإنسان. تجدر الإشارة إلى أنّ هناك من العلماء من يرى مواطن أخرى للإنسان الأول غير تنزانيا استدلالاً بما عُثر عليه حديثاً في إثيوبيا الذي يتجاوز تاريخه في القدم تاريخ ما عُثر عليه في تنزانيا بمليون عام. لكن، ولكون تاريخه لم يستقر بعد، تبقى الافتراضية الأولى أكثر احتمالاً. فيما يخص الجزيرة العربية عامة، والمملكة العربية السعودية خاصة، يُعتان أقدم موضعين حلّ بهما الإنسان في قارة آسيا بعد هجرة طويلة استغرقت من زحفه مليون عام أو أكثر. يرى بعض العلماء أن الإنسان استطاع الولوج في الجزيرة العربية عبر باب المندب يوم أن كان هناك جزر متناثرة يستطيع ركوب ألواح من الخشب عليها تنقله من جزيرة إلى أُخرى إلى أن يصل إلى جبال السروات. يعقد البعض أنه انتشر في تلك مرتفعات السروات حيث كانت تسود الأنهار سريعة الجريان، والغابات الكثيفة، وأنواع من الحيوانات المختلفة والطيور المتنوعة. من المكان سالف الذكر واصل الإنسان زحفه عبر الجبال، ثُمّ أخذ في التوغل إلى الداخل باتجاه الشرق عبر رحلة طويلة استهلكت من وجوده على أرض المملكة العربية السعودية مليون عام، إذ إن أقدم ما عُثر عليه في شرقي المملكة العربية السعودية لا يتجاوز تاريخه مئة ألف سنة، بينما اؤرخ ما عًثر عليه في المنطقتين الشمالية والوسطى بالطرق العلمية التي تتضمن نسبة قليلة من الخطأ بأكثر من مليون ومائتين سنة. أما البعض الآخر من العلماء فيرى أنّ الإنسان الأول في الجزيرة العربية وصل إليها عبر سيناء بعد أن أخذ برحلته الطويلة من أفريقيا عبر الأودية والأنهار، وبخاصةً الأنهار العملاقة مثل النيل، ومن ثمّ قطع سيناء وانحدر في الجزء الشمالي من الجزيرة العربية. يستدلون على هذه الرؤية بوجود أماكن توقف للإنسان ترك فيها بقايا أدوات صيده وشظاياه ومواقع تصنيعه لبعض الأدوات، ومن أهمها موقع الشويحطية في منطقة الجوف الذي أُرخ باستخدام الطرق العلمية بما قبل المليون وربع المليون عام. من تلك الأرض بدأ الإنسان ينتشر في وسط الجزيرة العربية ثُمّ إلى شرقها، واستمر في رحلة التعمير حتى يومنا الحاضر مع وجود فراغات حضارية استوجبت حدوثها ظروف طبيعية قاهرة أو أمنية مؤقتة. وتُعد الجزيرة العربية أقدم موقع وطئت به قدم الإنسان في قارة آسيا. هذا المكان أصبحت فيما بعد الرحم الذي قذف بالموجات البشرية اتجاه الشمال، تلك الموجات التي كونت إمبراطوريات وممالك الشرق الأدنى القديم. يقع هذا الامتداد الزمني في تقسيم تعارف الباحثون على أن يكون كالآتي: 1- العصر الحجري القديم: هو أقدم العصور الحجرية، استمد تسميته من الحجارة التي شكلت مادة الصناعة الرئيسية خلاله. أ‌- العصر الحجري القديم الأسفل، من 2 مليون سنة إلى 70 ألف سنة قبل الوقت الحاضر. ب‌- العصر الحجري القديم الأوسط، من 70 ألف سنة إلى 35 ألف سنة قبل الوقت الحاضر. ت‌- العصر الحجري القديم الأعلى، من 35 ألف سنة إلى 14 ألف سنة قبل الوقت الحاضر. 2- العصر الحجري الوسيط، من 14 ألف سنة إلى 9 آلاف سنة قبل الوقت الحاضر. 3- العصر الحجري الحديث، من 9 آلاف سنة إلى 4250 سنة قبل الميلاد،وينقسم إلى مرحلتين: أ ـ العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار، من 9000- إلى6000 سنة قبل الميلاد. ب ـ العصر الحجري الحديث الفخاري من 6000- إلى 4250 سنة قبل الميلاد. 1. عصر الثقافات المبكرة من 4250 سنة إلى 1000 سنة قبل الميلاد. 2. عصر الممالك العربية 1000 سنة إلى 554 سنة قبل الميلاد. 3. عصر التبدون والحروب الجاهلية، من 554 سنة إلى 622 ميلادية. 4. العصر الإسلامي بأدواره المختلفة من 622 ميلادية وإلى اليوم. لكلِ عصر من هذه العصور مواقعه الرئيسية، وفتراته الزمنية المختلفة، ومواده الأثرية المتنوعة التي سوف تمر معنا لاحقاً. تجدر الإشارة إلى أن بعض المواقع قد عايش عدداً من الفترات الثقافية والحضارية، ولذا سوف يتكرر ذكره في أكثر من ثقافة وحضارة. فعلى سبيل المثال نجد أن من ضمن مواقع الشويحطية مواقع تؤرخ بالعصر الحجري القديم الأسفل، وفيها ما يؤرخ بالعصر الحجري الأوسط، وفيها ما يؤرخ بالعصر الحجري القديم الأعلى، ومنها ما يؤرخ بالعصر الحجري الحديث. وموقع قُريِّة في منطقة تبوك مثال آخر يظهر فيه التعاقب الاستيطاني إذ إن المادة الأثرية المكتشفة فيه تدل على أن الموقع استوطن خلال العصر الحجري الحديث، ثم خلال الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، ثم خلال الفترة النبطية، ثم الفترة البيزنطية. وعليه قد يرد ذكر الموقع في أكثر من فترة، ولكن يقيد الحديث ويوضح بمكونات الفترة وآثارها المنقولة والثابتة. 1- العصر الحجري القديم ينقسم هذا العصر إلى ثلاثة أقسام، ويُعَدُّ العصر الحجري القديم الأسفل أقدم عصر عرف الإنسان خلاله استخدام الأدوات لتنفيذ حاجاته وتحقيق رغباته اليومية. لم يكن الإنسان يومها قادراً على صناعة الأدوات، بل كان يختار من الطبيعة ما يناسب حاجته منها، كما أنه لا يحتفظ بالأداة طويلاً، بل كان يستخدمها لمرة ثم يستغني عنها ويبحث عن غيرها عندما تدعو الحاجة. لم تفصح الدراسات التي تمت عن: إن كان للإنسان معتقدات في ذلك العصر أم لا. كما ينقصنا معرفة إن كان الإنسان قد عرف عادة دفن الموتى بعد أم لا. لا يوجد أدلة على وجود الفن في حياة الإنسان، علماً أن الإنسان عايش الفن منذ أن دبت قدمه على الأرض، فتغريد الطيور، وأزيز الرياح، وألوان الزهور، وأنواع أوراق الشجر، وشلالات المياه، ومظاهر الطبيعة المتعددة والمتنوعة مصادر فنون منطوقة ومرسومة ألهمت الإنسان فنونه الأولى. إن اقتصاد الإنسان خلال تلك الحقب استهلاكي بشكل كامل، فدراسة الأدوات التي عُثر عليها في مواقعه تدل على الصيد والجمع والالتقاط. لا يوجد فيها ما يمكن أن يدل على الزراعة، أو تربية الحيوان، أو الإنتاج والتوفير بأي شكل من الأشكال. كان الإنسان يصيد الحيوانات بطيئة الحركة وكبيرة الحجم، فلم يكن لديه أسلحة فاعلة أو قابلة للقذف البعيد. ينقصنا الدليل على إن كان الإنسان يطهو طعامه أم يتناوله كيفما يجده، فلم يُعثر على بقايا لأدوات يمكن أن تدل على طهو الطعام. من المرجح إن الإنسان كان متجولاً في مسار هجرة لا تتوقف، تسيرها تقلبات المناخ وطبيعة وسمات المكان. يتضح أن الإنسان كان يسكن في العراء بشكل عام، إذ لم يعرف تشييد المنازل بأي طريقة، ومع ذلك لا يستبعد أن الإنسان كان يلجأ إلى أماكن كالكهوف والشقوق الجبلية والمغارات لتحميه في أوقات الكوارث، مثل الرياح العاتية والأمطار الغزيرة والبرودة الشديدة والحرارة المرتفعة، علماً أن الأجواء التي عاش خلالها إنسان ذلك العصر تتصف بكثرة الأمطار، والبرودة الشديدة، والأحوال الجوية المتقلبة التي تنتج عن الأمطار الغزيرة والثلوج والعواصف. يتضح من آثار الإنسان أن أماكن وجوده كانت توفر له بعض الكهوف والمغارات والشقوق والأكتاف الجبلية التي من المحتمل أنه كان يلجأ إليها في أوقات الحاجة، بل المرجح أنه استفاد منها. فالإنسان لا يمكن أن يقاوم عوامل الطبيعة مثل العواصف والأمطار الغزيرة والصواعق التي لا شك أنها عند شدتها قادرة على إهلاك ما تأتي عليه إلا إن كان مقدراً له البقاء. أ‌- العصر الحجري القديم الأسفل من 2 مليون إلى 70 ألف سنة: هو أقدم فترات العصر الحجري القديم. يشغل معظم زمن وجود الإنسان على الكرة الأرضية، ويقع امتداده الزمني في عصر البليوستوسين. تشير الأعمال الميدانية إلى أن عدداً من المواقع العائدة إلى هذا العصر قد عُثر عليها في المملكة العربية السعودية، وأقدمها يقع في شعيب دحضة أحد روافد وادي نجران في منطقة نجران. كما عُثر على موقع آخر على حافة وادي تثليث في محافظة وادي الدواسر. يُظن أن كلا الموقعين يؤرخان بمليون ونصف المليون سنة قبل الميلاد وفقاً لأنماط وتقنية الأدوات الحجرية الملتقطة من سطحيهما. المواقع التي تمثل هذه الحقبة في المملكة العربية السعودية بوضوح، وتم تاريخها بموجب تحاليل علمية أجريت على نماذج من موادها الأثرية، هي مواقع وادي الشويحطيه في منطقة الجوف. تؤرخ بعض تلك المواقع بمليون وربع المليون عام. تقع المواقع المشار إليها على بعد 5كم إلى الجنوب من قرية الشويحطية بين دائرة العرض 54 07 شرقاً وخط الطول 53 22 شمالاً، وهي مسجلة بالرقم 201/1 في سجلات هيئة التراث. تم التعرّف على تلك المواقع عام 1976م أثناء تنفيذ الموسم الثاني لمسح الإقليم الشمالي الغربي للمملكة العربية السعودية. بناءً على نتائج فحص المادة الأثرية التي تمّ التقاطها من المواقع عام 1981م، قام فريق أثري عام 1405هـ/1985م بإجراء مسح وتنقيبات فيها نتج عنها العثور على 16 موقعاً جميعها أُدرجت تحت الرقم المذكور أعلاه. تبلغ مساحة أكبرها 42387م2، بينما تبلغ مساحة أصغرها 812م2. جمع منها آلاف الأدوات الحجرية. تبين مكانياً أنّ مكان انتشار الإنسان عبارة عن حوض بحيرة قديمة كانت نشطة وتغذيها جداول بالماء الذي تستمده من مياه الأمطار المتساقطة على المرتفعات القريبة من الموقع، بالإضافة إلى مياه الثلوج بسبب برودة الجو السائدة آنذاك والتي تكسو المرتفعات وتذوب تدريجياً. على حواف تلك البحيرة وحافات الجداول المائية وعلى المصاطب الجبلية عاش إنسان ذلك الزمن السحيق، فترك عند رحيله أدواته ومخلفات صناعاته في تلك المواقع. يُقسم العلماء العصر الحجري القديم الأسفل إلى ثقافتين: الثقافة الألدوانية، والثقافة الأشولية. تظهر خلال الثقافتين الأدوات الحجرية التالية: السواطير غير المصقولة، والسواطير الصغيرة قلبية الشكل، والأدوات متعددة السطوح، والأدوات الكروية، والأدوات ثنائية الوجه وخشنة الملمس، والمكاشط الثقيلة، والمكاشط الخفيفة، والمطارق الحجرية الثقيلة. تبين من دراسة آلاف الأدوات المجموعة من أكثر من موقع أنها تنتمي إلى إنسان طور في صناعة أدواته عن طريق تهذيب الأداة لتكون أكثر فاعلية ومناسبة لإنجاز وظيفتها ولتتجاوب مع ما كان يستجد. مرت تقنيات صنعاته الحجرية خلال تلك العصور بمراحل تطوير متعددة، وفي كل مرحلة تظهر نماذج من الأدوات تستخدم في مسألة التأريخ. تعتبر مواقع وادي صفاقة في محافظة الدوادمي في منطقة الرياض التي عُثر عليها عام 1979م بين دائرة العرض 524، 20 وخط الطول 544 ،21 من أهم المواقع الممثلة لفترة العصر الحجري القديم الأسفل خلال الثقافة الأشولية. تبلغ مساحة أكبر المواقع 150×200م. تم جمع آلاف الأدوات الحجرية التي بعد تفحصها تبين أن تأريخ المواقع يرجع إلى العصر الحجري القديم، الفترة الآشولية، 300000 ثلاثمائة ألف سنة قبل الوقت الحاضر، إلى جانب وجود مواد آثاريه تعود إلى فترات زمنية مختلفة تستمر حتى ما بعد العصر الحجري الحديث، أي بعد 4250 سنة. بعد أن تبينت أهمية تلك المواقع، قام فريق آثري بتنفيذ أعمال ميدانية مسحية وتنقيبية في موقعين مسجلين بالرقمين 206/76 و206/68. تم العمل التنقيبي عامي 1402هـ/1982م و1403هـ/1983م. أسفرت الأعمال عن اكتشاف آلاف الأدوات الحجرية التي اشتملت على الفؤوس اليدوية، والسواطير، والمعاول، والأدوات ثنائية الوجه، وأدوات ثلاثية السطوح، والنويات، والمثاقب، والمناقيش، وأدوات ذوات تحزيز عميق ومشحوذ، وأزاميل، وسكاكين صغيرة من الرقائق. لقد صنعت الأدوات من أحجار متنوعة منها الاندسايت، والجرانيت، والكواتز، والريوليت. يتضح من الانتشار المكاني للمواقع أن الإنسان يوجد إبان تلك الحقب في الأماكن القريبة من أودية الوقت الحاضر مثل وادي فاطمة ووادي حنيفة ووادي الدواسر والتي ربما أنها كانت آنذاك أنظمة نهرية دائمة الجريان تستمد مياهها من الأمطار الغزيرة والثلوج المتساقطة على جبال المناطق التي تستمد منها تلك الأنظمة النهرية مياهها. ب‌- العصر الحجري القديم الأوسط، من 70 ألف إلى 35 ألف سنة: شُخصت هذه الفترة بالثقافة الموستيرية وقُسمت إلى خمس مراحل هي: الثقافة الموشولية، والموستيرية، والموسترية ذات الإسنان الدقيقة، والليفالوايز الموستيرية، والموستيرية ذات الرؤوس الدقيقة. عاش خلال هذا العصر إنسان الكهوف، أي الإنسان الذي ترك رسومه الملونة داخل الكهوف. تركزت أماكن انتشاره في المملكة العربية السعودية فوق الهضاب التي تشرف على الوديان، وتمتد حولها السهول الفسيحة. وثبت أن مواقعه تنتشر في أودية عسير وظهران الجنوب، وعلى المصاطب التي تطل على وادي تثليث، وعلى المسطحات المحاذية للوديان أو في الأخاديد الصغيرة في بئر حما ووداي الدواسر وشمال صحراء الربع الخالي، ويبرين، ووادي السهباء، ووادي حنيفة، ووادي المخر، والمجمعة، والطائف، ووادي فاطمة، وفي جنوب الكهيفة في حوض سكاكا، وفي جنوب سكاكا في منطقة الجوف، وجبة في منطقة حائل. من المواقع الرئيسية العائدة إلى ثقافة العصر الحجري الأوسط موقع حرة شما في محافظة الطائف الذي يأخذ الرقم 165/210 في سجلات هيئة التراث السعودية. تبلغ مساحته 4000م2. يُعتقد من تنوع أدواته أنه مرّ بمرحلة ما قبل الثقافة الموستيرية، واستمر خلال ثقافة العصر الحجري الأوسط "الموستيري". هناك موقع آخر عُثر عليه في وادي فاطمة إلى الشمال من الجموم بمساحة تبلغ 15000م2، بالإضافة إلى موقع آخر تبلغ مساحته 18250م2. صنع الإنسان خلال هذا العصر أنواع عديدة من الأدوات الحجرية أشهرها: المفارم، والأنصال، ورقائق الليفالوايز، والمكاشط ذوات الأنصال المستعرضة الطرفية، ولباب الأحجار القرصية، والرقائق المصقولة، ونويات الأحجار المحدبة على شكل ظهر السلحفاة، والأنصال الليفالوايز، والأنصال المسطحة، والأنصال المصقولة، والأدوات المسننة، والمناقيش، والسكاكين، والمعاول، والمخارز، والمثاقب، والأزاميل. ت‌- العصر الحجري القديم الأعلى، من 35 ألف سنة إلى 12 ألف سنة قبل الميلاد: هذا العصر هو عصر الإنسان الذي يظن العلماء أن إنسان العصر الحاضر قد انحدر منه. يشمل هذا العصر الثقافة السولتيرية، والثقافة الاوركينيشية، والثقافة المكدولينية. يظن العلماء أن كثافة الإنسان خلال هذا العصر قلّت في المملكة العربية السعودية، لكونه عصر تذبذب وتنوع في وجود الإنسان في المملكة العربية السعودية. فتدل دراسات ديفد ماكلور على مواد جمعت من قيعان بحيرات جافة في الربع الخالي على أن فترة مطيرة سادت خلال الفترة الممتدة من 43000 سنة إلى 17000 سنة قبل الوقت الحاضر. ثم جاءت فترة جفاف دامت من 17000 سنة حتى 10000 سنة. ومع وجود التذبذب المناخي، وجد مواقع تعود إلى هذا العصر في وادي تثليث، ومنطقة بيئر حما، وجنوب وشرق عسير، والدوادمي، والطائف، ووادي السرحان. تدل تلك المواقع على وجود الإنسان في تلك الأماكن في المملكة العربية السعودية إبان ذلك الزمن. تشمل الأدوات الحجرية العائدة إلى هذا العصر نويات الأحجار ثنائية القطب، والمناقيش المزدوجة الطرق، والنصال الصغيرة الرقيقة، بالإضافة إلى الأدوات الحجرية الشائعة وتلك التي عرفها إنسان العصور السابقة. 2- العصر الحجري الوسيط، من 12ألف سنة إلى 9 آلاف سنة قبل الميلاد يفهم هذا العصر على أنه عصر الانتقال من حياة الصيد والالتقاط إلى حياة الإنتاج والاستقرار، فهو مرحلة انتقال من العصر الحجري القديم إلى العصر الحجري الحديث. يتميز هذا العصر ببداية الاستقرار، وظهور المفاهيم العقدية بشكل واضح من خلال المادة التي تركها الإنسان الذي عاش خلاله، وازدياد الصناعات وتنوعها. ومع أن دلائل هذا العصر لا تظهر في بعض أجزاء العالم القديم، إلا أنها تظهر بوضوح في أجزاء أخرى. تتميز المادة الأثرية لهذا العصر بظهور الشفرات الصغيرة، والأدوات الدقيقة، والمشاعل الحجرية المقعرة، والإقامة في الكهوف؛ وظهور القوس، والسهم، وقاذفات الرماح، والمثقب الدوار، وتماثيل الحيوانات الطينية، ودمى العظم والعاج، وتمثال النمو والتكاثر الأنثوي، وأعمال فنية محززة على عظام وقرون الحيوانات، والرسوم الصخرية، ورسوم الكهوف، أي تلك الرسوم التي توجد داخل الكهوف. وعليه، فإن إنسان هذا العصر لديه حس فني وروحي رفيع. ربما أن من أهم مواقع هذا العصر موقع الشويمس في شمال المملكة العربية السعودية الذي ترجع بعض رسومه الصخرية إلى 14ألف سنة قبل الوقت الحاضر؛ وموقعان وجد فيهما أدوات صغيرة الحجم، واحد منهما في المجمعة، والآخر في مرات. كما أن بعض الرسوم في مواقع جبة في منطقة حائل في شمال المملكة العربية السعودية تؤرخ بهذا العصر، وكذلك مواقع تقع في محيط موقع كلوة في شمال المملكة العربية السعودية أيضاً. تفيد التواريخ الناتجة عن تحاليل مواد من موقع الرفائع الواقع في محافظة الخرج أن هناك مواقع يعود تاريخها إلى ما بين الألف الثامن عشر والآلف الثاني عشر قبل الميلاد. إن صح هذا التاريخ، فإن بعض تلك المواقع تقع في زمن العصر الحجري الوسيط. يوجد في المواقع بعض المنشآت الحجرية التي يظهر عليها القدم. 3- العصر الحجري الحديث بدأت سمات العصر الحجري القديم تأخذ بالاختفاء ببداية ظهور التحول الذي طرأ على معيشة الإنسان في العصر الحجري القديم الأعلى أو ما يسمى بعصر النياندرتال حين بدأ الإنسان يسكن في الكهوف باللجوء إليها لفترات طويلة هروباً من قسوة الأحوال المناخية استدلالاً من استخدامه لأسقفها وجدرانها لرسم اهتماماته عليها، وتسجيل عاداته من خلال الرسم، وإيجاد مواقد له يطهو عليها غذائه من اللحوم والنباتات. أخذ الإنسان بالتحول السريع نحو الحضارة والاستقرار. فعندما حلّ العصر الحجري الوسيط تمكن الإنسان من استغلال الكهوف، وبناء المساكن الدائمة في بعض المواقع. ومن هذا العصر، دخل الإنسان في العصر الحجري الحديث مطوراً ما تم انجازه. يُعتقد استناداً إلى تحاليل علمية مختبرية لبعض العينات التي التقطت من قيعان بعض البحيرات الجافة أن مناخاَ مطيراً ساد شبه الجزيرة العربية خلال الفترة من 9000 حتى 4000 ق.م؛ نتج عنه توفر مصادر مياه دائمة، وغطاء نباتي جيد، وثروة حيوانية، ومراعي خصبة. بدأ الإنسان خلال بداية هذا العصر بالاستقرار الدائم، وممارسة الزراعة، وتهجين وتدجين وتربية الحيوانات، ووضع أسس ومفاهيم لحضارته استمرت حتى اليوم، وبعضها أصبح جزءاً من حياة الإنسان لا يمكن أن يستغنى عنه، مثل: الفنون، والعجلة، والعربات. لهذا العصر سمات كثيراً إلا أن أهمها ممارسة الزراعة، واستئناس الحيوانات، وتشييد المنازل، والاستقرار الفعلي في أماكن لم تلبث أن أصبحت قرى نمت لتصبح قرى رئيسة. كما تطور عادات دفن الموتى، وظهور بواكير الفن المجسم، وتطور فن الرسوم الصخرية، وتكون المجتمعات المنتمية إلى المكان، وتحول صناعة الفخار إلى حرفة رجالية بدلاً من كونها مقتصرة على النساء، وتحديد أماكن للتعبد، وحفر الآبار، والتنظيم الاجتماعي، وظهور الزعامات، وانتشار الصناعات المتنوعة، وتنوع الأدوات الحجرية والأسلحة، والاهتمام بعمارة المدافن، والعناية بمواضيع الفنون. من السمات العامة لهذا العصر أيضاً استخدام رؤوس الرماح المشغولة جيداً، ورؤوس السهام، وصناعة الأدوات الحجرية من مادة الزجاج البركاني. يُقسم الباحثون هذا العصر إلى دورين، هما: أ- العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار، ب- العصر الحجري الحديث الفخاري. أـ العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار يمتد من 9000 سنة إلى 6000 سنة قبل الميلاد: جاءت الإشارات إلى وجود مواقع العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار في المملكة العربية السعودية في كتابات موظفي شركة أرامكو مع بدايات القرن المنصرم، التي أفادت عن وجود مواقع تعود إلى العصر الحجري الحديث في الربع الخالي ومنها شروره، وجلده، والمتبطحات والمندفن. ثم بدأت الاستكشافات تتوالى، وعلى إثرها عُرف عدد كبير من مواقع العصر الحجري الحديث، مثل: جبة، والشويمس، والثمامة، والدوسرية، وعين قناص، وأبو خميس؛ وفي عين دار في المنطقة الشرقية، وعدد كبير من المواقع في وادي الدواسر، وعلى ساحل البحر الأحمر، وعلى حواف وادي حنيفة. اعتمد اقتصاد الإنسان إبان ذلك العصر على الجمع والصيد، ولكن تقلصت حياة الاستهلاك إلى حدِّ ما، وبدأت حياة الإنتاج، إذ أخذ الإنسان بغرس المحاصيل الزراعية والفواكه والخضراوات تلك المحاصيل التي كانت إما أن يحصل عليها من الطبيعة أو ألا يكون لها وجود في حياته. كما أخذ بتطوير ممتلكاته من الحيوانات والطيور، تلك التي كان يعمد في السابق إلى صيدها ممضياً وقتاً في البحث عنها ومطاردتها. طور الإنسان من أدوات صيده وفاعليتها؛ بحيث أصبح بفعل تطويرها قادراً على صيد الحيوانات السريعة، والحيوانات الشرسة التي تعمد إلى الدفاع عن نفسها، وإلى جانب ذلك نوّع الإنسان من الحيوانات المستأنسة، فأستأنس حيوان النقل، مثل: الجمل، وحيوان الركوب والقتال، مثل: الخيل، وحيوان الصيد مثل: السلوقي، وحيوان الحراسة، مثل: الكلب؛ والحيوانات الداجنة، مثل: الأغنام التي زودته بالغذاء، مثل: اللحوم، والألبان، والدهون؛ وشكلت مصدراً لملابسه المتنوعة، مثل: الجلود، والأصواف، كما أعطته الفرصة للاستفادة من عظامها في تصنيع الأدوات الموسيقية وأدوات الزينة والأسلحة. والطيور، مثل: الدجاج، والبط التي زودته بالبيض والريش واللحوم. لهذا، حقق الإنسان نظاماً اقتصادياً متكاملاً قائماً على الإنتاج والتوفير والمتاجرة والتطوير والمقايضة. نشأت هذه الثوابت مع نشوء قرى الإنسان التي ساهمت في خلق مجتمعات تختلف عن مجتمعات الصيد والترحال، فأصبح المكون البشري ذو شقين : مقيم، ومرتحل، مجتمع زراعة ومجتمع تجارة، ومجتمع رعاة، إنتاجهم يعتمد على تربية وتكثير الحيوان. تشمل أدوات الإنسان في هذا العصر تنوعاً كبيراً في الوظائف، فمنها أدوات الصيد والقتال، وأدوات استخلاص اللحوم، وأدوات سلخ الجلود، وأدوات فلق العظام، وأدوات فلق الثمار، وأدوات حفر سيقان النبات، وأدوات الحياكة. بالنسبة إلى الأشكال، فهناك الأشكال: المثلثة، واللولبية، والقلبية، والمستطيلة. أما الأحجام فهي حسب الأصل الذي عنه شُكلت ودرجة التطور الذي وصلت إليه ممارسة المهنة. وفيما يخص مادة الصناعة، فغالبية الأدوات تصنع من الأحجار الرسوبية والقليل منها يصنع من الأحجار البركانية. ومن أميز الأدوات الآتي: رؤوس الحراب، ورؤوس السهام، والمجارف، والأدوات المسننة، والمناخيس، والنصال ذوات الأكتاف المشحوذة الوجهين، والشظايا الورقية الشكل، والشظايا ثنائية الوجه وكبيرة الحجم، والنصال ذوات السِّيْلان، والمقاشط، والقوادم الحجرية المصقولة والمشحوذة، والفؤوس الحجرية المصقولة والمشحوذة، والشظايا من الزجاج البركاني، والشظايا المدببة ذوات الأطراف الطويلة التي لها شكل شبيه بشكل الساق، والأطراف المعينية الشكل، والقطع الشبيهة بورق النبات، والشظايا الورقية على شكل معين، والقطع رمحيه الشكل، والنصال، والشظايا المصقولة، والمثاقب، والمفارم قرصية الشكل؛ وأحجار المسن. ومن الآثار العائدة إلى هذا العصر الرسوم الصخرية التي تحتوي على مناظر متنوعة، منها ما يخص الإنسان، ومنها ما يخص الحيوان، ومنها ما يخص البيئة؛ والأصداف البحرية، وكسر بيض النعام، والخرز، وأدوات من الحجر الصابوني. وعُثر على باقيا مادة ملاط جصي تظهر عليها آثار سعف النخيل مما جعل البعض يعتقد بوجود منشآت معمارية تهدمت. ويتبين أن الإنسان لازال إبان ذلك العصر يعتمد في حياته على الصيد وتربية الماشية وربما الزراعة الموسمية أو جني الحاصلات البرية. فجميع اللقى التي اكتشفت تدل على ما ذكرنا، ولم يوجد من بينها أدوات ذات صلة بالزراعة. يتضح أن إنسان هذا الدور قد بدأ يعتمد على استغلال البيئة ويتجه تدريجياً نحو الإقامة. وخلال نهاية هذا الدور بدأ يقيم في أماكن معينة مما أدى إلى ظهور صناعة الآنية الفخارية التي وجدت في مكان واحد مع الأدوات الحجرية في الطبقات الاستيطانية السفلى في موقع عين قناص في الإقليم الشرقي للمملكة العربية السعودية وأرخت إلى بداية الألف السادس قبل الميلاد. ومن المواقع العائدة لهذا العصر موقعان عُثر عليهما عام 1978م في وادي الدواسر، وهما من المواقع القليلة التي تجمع بين الرسوم الصخرية والأدوات التي نفذت بها تلك الرسوم. يُعَدُّ موقع الثمامة من مواقع العصر الحجري الحديث، يقع إلى الشمال الشرقي من مدينة الرياض بمسافة قدرها 90كم بين دائرتي العرض 04 47 وخطي الطول 34 25 في منطقة تُعرف بذات الاسم، وتمتد بين سلسلة من الكثبان الرملية إلى الجنوب منها وسلسلة جبلية تمتد إلى الشمال منها وإلى الشرق. ويخترق المنطقة من الشرق وادي الطوقي الذي ينحدر من المرتفعات الشرقية باتجاه الغرب ثم يلتف من ناحية الشرق منحدراً عبر الحد الشرقي للمنطقة. تعتبر المنطقة من المناطق الرعوية الجيدة، وتوجد حولها رياض غنية في مراعيها كما تتناثر الأودية إلى الغرب منها. عثر عام 1982م على موقع نتيجة لأعمال زراعية قام بها عمال في مزرعة الملك خالد بن عبدالعزيز، فأبلغ القائمون على المزرعة وكالة الآثار والمتاحف السعودية (قطاع الآثار والمتاحف كما يسمى حالياً) فأوفدت فريقاً أثرياً عام 1982م لإجراء مسح للموقع والتنقيب في مواضع منه. وفي عام 1983م قام الفريق نفسه بإجراء حفريات أثرية في موقعٍ أعطي رقم "1" في سجلات قطاع الآثار والمتاحف. وفي عام 1990م قام فريق من قسم الآثار والمتاحف بجامعة الملك سعود بدعوة من أصحاب المكان بزيارة لبعض المواقع في الجزء الواقع على يمين الخط المزفلت للمتجه ناحية الشمال الغربي. وقام فريق آخر بأجراء مسح للموقع وحفر بعض المنشآت الحجرية. الموقع عبارة عن منطقة فسيحة منبسطة وغنية في مراعيها، وتقوم بالقرب من سلسلة جبلية تحدها من الشرق وتكثر فيها الكهوف، وتطل على منخفض إلى الشرق عنها تحده الجبال من جميع الجهات، وتكثر فيه الأكتاف الجبلية، ومن الغرب تطل على البطن الفسيح الذي تكسوه المراعي ويمتد من الجنوب إلى الشمال بشكل وادي فسيح، ينحرف في طرفه الشمالي ليتجه نحو الغرب ليلتقي بأودية عديدة تنحدر من روابي متناثرة حوله، وتوجد فيه روضتي الخفس والخفيسة المشهورتين. ومن الناحية الغربية تتصل بها بطون أودية قصيرة تتناثر حولها الأكتاف والمصاطب الجبلية.
العربية
1
2
2
391
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
الخرج واحة الآثار وكتاب التاريخ ومصدر التمور تُعد آثار الخرج من أهم الآثار في شبه الجزيرة العربية عامة، والمملكة العربية السعودية خاصة لعدة أسباب، منها: 1- موقع الخرج المتميز على طرق التجارة القادمة من الجنوب والمتجهة إما صوب الشمال عبر طرق عدة، أو إلى الشرق عبر عدة طرق. 2- غنى الخرج بالمياه الجوفية، ووجود عدد من العيون التي كانت تسيح في يوم من الأيام، 3-انتاج الخرج الجيد والمتنوع والوفير من التمور المتنوعة التي كانت تمثل مصدر الغذاء الأول لإتسان العصور القديمة وإلى اليوم؛ 4- انتاج كم كبير من الأعلاف للاستخدام المحلي ولتسويق على رجال القوافل وغيرهم، 5- وجود الأسواق التي يتم فيها تبادل السلع. 5- وجود وفرة في مصادر المياه الحالية ومنها العيون التي تزود أصحاب القوافل بما يحتاجون إلية من المياه، وما تحتاج إلية دوابهم. ومن ميزات الكتاب كونه :1- يشتمل على نتائج أول الأعمال الأثرية الميدانية المنفذة في محافظة الخرج من قبل بعثة سعودية-فرنسية مشتركة.2 ينفرد باحتوائه على احصائيات لمواد أثرية تساهم في تقييم كم المخزون الأثري في مواقع الخرج الأثرية ابتداءً من العصور الحجري، فعصر الاستقرار البشري، ثم عصر الممالك العربية القديمة، ومن بعدها العصر الإسلامي؛ ثم تقيم مدلولاتها الزمنية والثقافية. احتوائه على نتائج مسح وتنقيب ميداني نفذته البعثه السعودية-الفرنسية المشتركة قبل عدة أعوام. يتصف الكتاب بالشمولية الزمنية والمقارنات المنضبطة، إذا يشمل بالحديث موضوعات عن مواقع عديد جاء ذكرها في الكتاب. في النهاية يجب أن نبين أن هناك أعمال عديدة أنجزت في محافظة الخرج. من بين تلك الأعمال كتاب لـ أ. سعد الدريهم نشر ضمن سلسلة هذه بلادنا. كما توجد رسالة دكتوراه أنجزها كاتب هذه السطور تحتوي على نتائج أعمال ميدانية قام بها صاحب الكتاب في موقع اليمامة "البنة". ويوجد أيضا كتابان ضخمان اعدهما أ.د. عبدالعزيز بن سعود بنة جارالله الغزي بأكثر من 1200 صفحة مزودة بالصور والرسوم والشروح. اشتمل الكتابان على نتائج عمل مونته دارة الملك عبدالعزيز قبل عدة أعوام، كما قامت الدارة مشكورة على نشر الكتابين. هناك أعمال أخرى سوف يأتي عليها الحديث في مكان آخر. 📷 أفضل كتاب انجز عن آثار الخرج يشمل نتائج مسح ميداني لمواقع تبدأ بالعصور الحجرية وتصل إلى الفترة الإسلامية
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi tweet media
العربية
1
17
26
2.3K
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
الإنسان يعشق الفنون منذ آلاف السنين: الصورة التي أمامك لغلاف كتاب اشتريته عندما اجتزت امتحان الدكتوراه في جامعة لندن عام 1410هـ. كنت حينها الملم أغراضي لأعود بشهادة الدكتوراه إلى أرض الوطن. اشتريت الكتاب من محل لبيع الكتب المستخدمة يقع في شارع المتحف البريطاني. أصل الكتاب رسالة دكتوراه أعدها دونالد مكوين عام 1952م، وفيها قدم دراسة عن زخرفة الأواني الفخارية التي تم التقاطها، ومن ثم جمعها وتصنيفها من مواقع عديدة تقع في الجزء الغربي لإيران. هذا الكتاب يُعد من أهم المصادر للباحث في الفنون القديمة وبخاصة تلك التي تظهر على الآثار. في اللوحات الثلاث المرفقة عشرات، بل ميتات العناصر الزخرفية،
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi tweet mediaعبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi tweet mediaعبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi tweet mediaعبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi tweet media
العربية
0
0
0
210
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
سور اليمامة القديمة نموذج لأسور البلدات القديمة المهمة نحمد الله على نعمة الأمن التي نتمتع بها في ظل دولتنا الرشيدة ورجالها المخلصين، وعلى رأسهم موالي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز؛ المخلص لدينه، وشعبه، ودولته، ذو الهيبة والرأي السديد. في الصورة بقايا سور بلدة اليمامة القديمة الذي يغوص في الأرض لعدة أمتار ويستمر في طوله لمسافة بضع كيلومترات. يمثل السور فترات استقرار في الموقع متعددة، ففي بعض الأماكن يصل عمقه إلى ثمانية أمتار نتيجة لدفن الرمال الزاحفة له وهي التي حافظة عليه من الأمطار والهدم من أجل الحصول على الطين. ربما أن طول السور يصل إلى أكثر من خمسة عشر كم. المعلومات الأكثر تفصيلاً تجدها في كتابنا: مع العلماء الفرنسيين.
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi tweet media
العربية
0
0
2
241
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
للأشياء نهايات: كلنا ندرك أن كل شيء زائل، ما عدا خالق الأشياء جل شأنه وعلا قدره. في الصورة 1 كهف يقع في منخفض الدغم إلى الشرق من مدينة الرياض، وإلى الشمال من خط الرياض- الدمام. وقفت عليه مع زميل لي قبل عقد من الزمان أو أكثر والتقطت له هذه الصورة التي دل ما فيها على أن الكهف كان أكبر بكثير مما وجدناه عليه وأعمق. اقتربنا إلى فوهة الكهف في محاولة لنرى ما فيه، فراينا بقايا أواني بلاستيكية تنبأ بأن الكهف كان مسكناً لعمالة ربما أنهم كانوا من الرعاة.
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi tweet media
العربية
0
0
1
197
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
الذهب في العصور القديمة يدل على الثروة، وإليك الدليل: إذا اتفقنا أن الذهب والأحجار الكريمة أحد مؤشرات الغني، جاز لنا أن نقول إن المجموعات البشرية في العصور القديمة عاشت في ظروف اقتصادية ميسرة، بل مترفة. الدليل على ما قلت ما تراه في الصورة رقم1 قطعة من الذهب عيار 21، زخرف إطاره بفصوص من الأحجار الكريمة النادرة. والدليل الثاني تراه في قطعة ذهبية دائرية الشكل، زُخرفت بفصوص شُكلت من الأحجار الكريمة وبألوان مختلفة؛ منها: الأبيض، والأخضر الغامق، والأخضر الفاتح، والأسود. تظهر تلك الفصوص بأشكال متنوعة منها الدائري، والبيضاوي، والهلالي. بقي جزء من سلسلة التعليق تتبين فيه الفخامة.
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi tweet mediaعبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi tweet media
العربية
0
1
0
195
عبدالعزيز الغزّي| Abdulaziz Alghazzi
الكذب آفة يصاب بها بعض البشر.، السؤال: من أين تأتي هذه الآفة؟ هل هي وراثية، أم ضعف في الوازع الديني، أم عادة تكتسب مع الوقت، سؤال جوابه ربما في ضعف الوازع الديني لدى من يكذب، فالمؤمن لا يكذب. كما جاء في الحديث المشهور الذي يُسأل فيه النبي (ص)، أيكون المؤمن كذاباً؟ فيقول: لا.
العربية
0
0
0
51