ربيع الشهيدي ابورحيم retweetledi

ثلاثة أهداف كأن المغرب لم يكتف بفتح باب ربع النهائي فأراد أن يخلعه من مكانه.
ثلاثة أهداف في شباك كندا وثلاث رسائل خرجت من هيوستن إلى العالم: المغرب لا يعبر خائفا ولا ينتظر إذنا من أحد ولا يحمل ذاكرة مونديال قطر كحكاية قديمة يلوح بها للناس. المغرب صار يمشي فوق العشب كمن يعرف أن الطريق الصعب خلق لأقدامه.
هكذا انتصر أسود الأطلس بثلاثية نظيفة صريحة وواضحة لا تحتاج إلى شرح طويل. كرة القدم أحيانا تختصر اللغة كلها في رقم صغير على الشاشة. 3-0 رقم بارد في ظاهره لكنه في قلب المغربي نار وجهد وصرخة ويد أم مرفوعة إلى السماء وطفل يقفز في بيت صغير كأنه امتلك العالم.
كندا جاءت لتغلق المساحات لتشد المباراة إلى الأعصاب لتقول إن الحلم لا يمر بسهولة. المغرب فهم الرسالة ثم رد بطريقته: صبر في البداية أنياب عند اللحظة المناسبة وقلب لا يساوم حين تقترب رائحة المجد. لم يبعثر لاعبوه طاقتهم في الضجيج لكنهم وضعوا كل شيء في مكانه كحرف يعرف موضعه في جملة لا تقبل الخطأ.
أوناحي كان واحدا من تلك الأرواح التي تجعل الكرة تبدو أخف من الهواء وأثقل من القدر. حين يلمسها تشعر أن الملعب يتسع فجأة وأن الخصم يتأخر خطوة عن الفكرة. هدف بعد هدف ثم دهشة لا تنتهي. حوله كان الرجال يركضون كما يركض من لا يريد أن يعود إلى بيته وفي صدره ندم.
بونو حرس الباب كأنه يحرس حكاية عائلية قديمة. حكيمي انطلق كحد السكين ودياز حمل الفوضى الجميلة في قدميه والخنوس ربط الخيوط ببرودة لاعب يعرف أن الجنون يحتاج عقلا كي يصبح انتصارا ورحيمي لم يكن رحيما بالشباك الكندية أبدا. كل واحد أخذ حصته من التعب وكل واحد ترك على العشب قطعة من روحه.
هذه الثلاثية لا تخص اللاعبين وحدهم. تخص الحي الشعبي الذي لم ينم والمقهى الذي انفجر بالصراخ والعمال الذين نسوا تعب النهار والمغاربة البعيدين عن البلاد حين صاروا فجأة أقرب إليها من أي وقت مضى. تخص طنجة والدار البيضاء والرباط ومراكش وفاس والعيون وتخص كل قلب رأى الراية الحمراء ترتفع فشعر أن شيئا داخله استقام.
المغرب في ربع النهائي الآن. جملة قصيرة لكنها تحمل سنوات من الانتظار ووجوها كثيرة وطرقات طويلة وهزائم قديمة لم تذهب سدى. الجيل الحالي لا يطلب الشفقة ولا يفتش عن التصفيق المجاني. يلعب ويتألم وينهض وثم يترك للنتيجة أن تتكلم.
ثلاثة أهداف قالت ما لا تقوله الخطب. قالت إن الحلم حين يجد رجالا يؤمنون به يتحول إلى خطة. قالت إن القميص حين يلتصق بالجلد يصير عهدا. قالت إن المغرب لم يصل إلى هنا كي يلتقط صورة عند الباب لكنه جاء ليدخل البيت الكبير ويجلس بين الكبار بعين ثابتة وقلب مفتوح.
امضوا يا أسود الأطلس. هيوستن صارت صفحة مغربية وكندا صارت محطة في طريق أطول. المجد أمامكم والبلاد خلفكم وبين الاثنين كرة تنتظر من يجرؤ على كتابة الفصل القادم.

العربية
































