همس نوحٌ بوجعه "أني مغلوبٌ فانتصر" فجبر الله كسره، وسأل سليمان بملء طموحه "وهب لي ملكاً" فأعطاه ربه سؤله؛ هنا تشعر أن الله لا ينتظر منك رصّ الكلمات ليعطيك، بل ينتظر أن يرى صدقك، فليست العبرة بفصاحة لسانك، وإنما في ذاك الانكسار الذي يسكن قلبك، واليقين الذي يملأ روحك وأنت بين يديه.
إياك أن تملّ من طرق باب السماء وترديدك لذات الدعوة التي تتمناها، فربما دعوةٌ من فرط صدقها وإلحاح صاحبها وشدّة توسله في الخفاء قد أُجيبت له أو ردّت أقداراً كادت أن تقع، تيقن أن الله يسمع خفقات قلبك قبل نطقك، وما يخالجك من ضيق صبرك ماهو إلا بشارة لقرب جبر قلبك، والعليم أدرى بحينِك.
لا تظن أن صلاتك في جوف الليل، أو ترتيلك للآيات، أو صدقة أخرجتها كانت بجهدك؛ بل الله اختارك بين الغافلين، وزرع في روحك حُبه، وساق خطاك لما يرضيه، فحين تجد في قلبك إقبالاً على الخير، فتيقن أنه ناداك من بين الخلائق ليُكرمك، فهرول إليه بقلب مشتاق، فما كان ذلك إلا هبة منه وتوفيقاً لك.
إن انتصرت على نوازع الضغينة في قلبك، واقتلعت بذرة الحسد قبل نباتها؛ فقد نلت في رحاب الدنيا قبساً من نعيم الجنة، أما من يمضي عمره يقتات على تتبع نِعم الآخرين وتشتعل في روحه الرغبة في زوال فضل الله عنهم؛ فذلك جحيم عُجّل له في الدنيا، وسيظل ينهش في روحه بمرارة حتى يفنى في حرقة قلبه.
﴿ولما توجّه تلقاء مدين قال عسى ربّي أن يهديني سواء السّبيل﴾ ادعُ ربك في كل حالاتك، ولا تنتظر جواً خاصاً لتبوح بما في قلبك، فلا تدري أي لحظة عابرة يكتب الله فيها إجابتك لتُشرق بها روحك، فموسى عليه السلام نال مفاتيح الخير والهداية بدعوة صادقة نطق بها وهو يخطو في زحام الطريق.
ملاذك الآمن من ثقل الحياة أن تُوقن بأن اليقين ليس شعيرة إيمانيّة تسكن في زوايا قلبك وحسب، بل هو الاستناد لرحمة ربك، والاتكال على لطفه، والرضا التام بتدبيره، واستشعار ظلال معيّته، والإيمان المطلق بأنك ما انطلقت إلا لتبلغ؛ فإن أعيت أقدامك المسافات، فسيحملك صدق قلبك لبقية المدى.
من أعظم الأدعية وأسرعها إجابة ما خرج من قلب مضطر؛ ذلك الذي يدعو وقد أُوصدت دونه الأبواب وخذلته أيادي البشر وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأيقن ألا ملجأ له سوى أن يتجه لله منكسراً بين يديه مُلحاً على الله بحاجته التي أقضّت مضجعه، اجعل دعاءك كدعاء الغريق المضطر ولن يردك الكريم خائباً.
أسعد الناس؛ مؤمن أبصر حقيقة الدنيا فأشغله التفكر عن القيل والقال، تحزنه خطاياه، يجاهد نفسه ليرتاح الناس من أذاه، يتمنى لو خفّ حِمله كريشةٍ ليُسرع الخُطى نحو ربه، يضنُّ بدقائقه عن التوافه لأن روحه تتطلع للعلياء، وبين جنبيه قلبٌ يسكنه همّ الآخرة، كلما غفل ناداهُ من قريب ألا تبتعد !
نصيحة في أولى ساعات رمضان؛ لا تسوّف لا تسوّف لا تسوّف! بادر بقلبك قبل جوارحك، فالأيام تمرُّ كطيف عابر، فكل نَفَسٍ تدركه في هذا الشهر هو "عمرٌ جديد" يتمناه الراحلون، فلا تترك الفرصة تفلت من يدك، سارع بالخير بقلبٍ يرجو القبول بلا تردّد، فلعلك الليلة تُزف في سجلات العُتقاء من النار.
من نِعم الله أن توقظك مواقف الحياة اليومية من غفلتك ثم تعلقك بالله، أن يجعل صلاح قلبك في تلك التفاصيل القريبة منك؛ بكلمة عابرة تطرق سمعك، أو سطر يقع عليه بصرك، أو خليل يذكرك بالله، أو همٍّ يلجئك إلى الدعاء، أو خلوة تؤنسك فيها الآيات، ألطاف خفية تنبهك لتقترب إلى الله، فهرول إليه.
أحياناً في منتصف الليل، تباغتك غصّة الذكريات فتحكّ جرحك الملتئم حتى ينزف وتثقلك المواجع حتى تفيض عيناك بدمع لا ترده، لكنك حين تستشعر معيّة الله بك، وعلمه بخبايا شجونك، وأن تدبير غدك كله بين يديه؛ تسكنُ الروح ويهدأ روعك، وتوقن حينها أن غاية السكينة هي ألا يتعلق قلبك إلا به سبحانه.
متى يُستجاب دعائي ؟
إذا انكسر قلبك، وفاضت عيناك، وألححت على الله بصدق اضطرارك؛ فراقِب أبواب الفرج وهي تشرع، ودروب النجاح وهي تضيء، وغيوم البلاء وهي تنقشع، ولا أعرف سبيلاً لإجابة الدعاء أسرع من ذُلِّ الانكسار بين يدي العزيز الجبار، ولا تغفل عن مُناجاة الأسحار فإنها تُغالب الأقدار.
كلما أوصدت الدنيا أبوابها بوجهي وضاق صدري بهمّ خفيّ أو خبر أليم، هرعت لأجبر قلباً منكسراً أو أزيح عن مكروب غمة، ولو بكلمةٍ بسيطة تلملم شتات قلبه المكلوم، ووالله ما هي إلا سويعات حتى ينجلي ضيقي ويُفتح ما استغلق عليّ، وكأنّ صنيعي بغيري كان طوق نجاةٍ لقلبي لا لقلبه، وجبراً لي لا له.
﴿ولولا أن ثبتناك ..﴾
لا تغتر بطول فترة استقامتك، فهي ليست ضماناً لك من انتكاسة قلبك، ولقد شبّه النبي ﷺ القلب بريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهراً لبطن، وأشدها وجعاً؛ أن يخذل قلبٌ لم يعد بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيكون من أهل النار، فاللهم ثباتا حتى نلقاك.
ربما لا يلمح أحد تلك الغصة العالقة في حنجرتك، ولا الحزن الذي يسكن أعماقك، لكنّ الله يراك؛ هو الشاهد على ما لم تبُح به، وهو الأقرب إليك من نبضك وهمسك، امسح على قلبك المتعب وقل : "أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين"، فحسب قلبك هذا اليقين ليطمئن، وحسب وجعك ظلال هذه المعيّة ليزول.
عاملوا الحياة بقلوب أكثر خفّة، هوّنوها لتلين لكم، فهذا ليس مجرد قول بل نبض تجربة؛ فما استوطن الهمّ قلوبنا إلا حين نسينا أنها رحلة عابرة، وحسبناها دار بقاء، نحن هنا عابرو سبيل، غايتنا رضا الله، وزادنا الاستمتاع بطيبات رزقه، فلا يضيقنّ صدرك بمرِّ القضاء، فخلف المرِّ تدابير الله لك.
ما دمت تلوذ بحمى القرآن في مطلع يومك؛ ستمرّ بك آياتٌ تربّتُ على وجعك، وتجبر حزنك، وتلمّ شتات روحك، وتُبرئ جُرحك الخفيّ، ويشتدُّ بها وتد اليقين في صدرك، وتنيرُ لك طريقك الحائر، آياتٌ لو نزلت على جبلٍ لهزّت أركانه وجعلته دكّا، فكيف بقلبك الصغير ونفسك المنهكة التي تسكن بين ضلوعك ؟
إذا أذن الله لك بسجدةٍ في خلوة الثلث الأخير، فقد اختصّك بالنداء من بين الأنام، واصطفاك لتكون جليسه والناس نيام، ما أيقظك إلا ليغمرك بفيض عطائه ويجبر قلبك برحمته، فأطِل السجود وبُثّ حزنك حتى تبلل الدموع مصلّاك، ويستقر اليقين في حنايا صدرك؛ فربّ سجدةٍ صدقت، قلبت موازين كونك لأجلك !
ما وجدت وجها أشرق بنقاء السريرة، ولا نفساً طابت نيتها، إلا ورأيت تيسير الله يغمر شأنها، طهّر فؤادك من كدر الضغائن، وامضِ بقلب لا يحقد ولا يغتاب؛ فخبايا الصدور إما أن ترفعك أو تُثقلك بالضيق والذنوب، ارضَ بما قُسم لك، فما كُتب لك حتماً سيأتيك، واهمس دائماً: "اللهم اسلل سخيمة قلبي".
لا تظن أن ترديد الحمد لله وأنت في قلب الوجع وبين زحام المواجع أمرٌ عابر؛ فغيمة البلاء ستمضي بكل مرارتها وتنجلي، لكن تفاصيل ثباتك، وجميل رضاك، وصدق يقينك ستبقى محفورة في ميزانك، تؤنسك يوم تلقى الله، ولا تنسَ بأن الصبر الذي أثقل كاهلك الآن، سيكون غداً هو النور الذي يقودك نحو الجنة.