
سعيد الحارثي
————————-
٢٤ يوليو ٢٠٢٦م
————————-
ترحلت لأيام بين منابع المياه حيث شلالات "سافيكا"، و"مضائق تولمين" التي تنسل من أسفل جسر الشيطان كما يسميه أهل المكان، خليط من الينابيع الساخنة والباردة تمتزج لتنساب مع نهر "سوتشا" المنطلق بهدوءه الصارخ إلى جنوب البلاد حيث الأدرياتيكي. ولأنني أمضي مستسلماً لنسخة أخرى مني، وجدتني أقود السيارة جنوباً بمحاذات النهر. كانت الطرقات تبتعد قليلا ثم تقترب في حركة متعرجة بين قرى وادعةٍ عند المساء، وسهول لا تزال تنظر إلى ضوء الشمس المتمسك بقمم الجبال. قبيل الغروب بسويعات، وجدت نفسي على مقربة من الأراضي الإيطالية المطلة على البحر الأدرياتيكي، في الضفة الأخرى تستلقي البندقية حسب ما تشير خرائط جوجل. أما نزولا فتقترب مني الأراضي الكرواتية. كان نهر سوتشا عنيدا، أبى إلا أن يمتد بي لمسافة أعيتني معها القيادة. مع الغروب توقف النهر عند سد "سولكان" ثم ما لبثت بقاياه أن ابتعدت عني لتنساب عبر الأراضي الإيطالية. حينها رفضت أن يقتادني ذلك النهر إلى حتفه. انحرفت بالسيارة شرقاً فجنوباً لأجعل أدنى سلوفينيا أخر مكان لعشوائيتي التي جرّني إليها سوتشا. لم يكن ذلك سيئاً بتاتاً، فقد وجدت في الجنوب جوهرةً اسمها "بيران". مع الصباح الباكر قررت أن أكتشف هذه الجوهرة وكدت أن أسميها للوهلة الأولى "العيجة". بعد تيقن، وجدت مدينة عريقة تجمع ثقافات مختلفة على مائدة واحدة. لم تكن مدينة ساحلية فحسب، بل بدت لي كلسان يابسة يمتد عميقاً في الماء ليعيد التكلم مراراً بحكايات عن قرون مضت. هنا يتناوب البحر والتاريخ على حراسة ذلك النموذج القديم الآسر للبشرية دون توقف. الأزقة الحجرية الضيقة تحمل آثار الفن الفينيسي، والشرفات تطل على الأدرياتيكي كما لو أنها اعتادت انتظار السفن العائدة منذ مئات السنين. في ساحة "تارتيني" التي تتوسط المدينة تنتشر اللغات واللهجات بقدر انتشار المقاهي. من اللحظة الأولى تشعر أن المدينة لم تُبنَ على ثقافة واحدة، بل على لقاء ثقافات مرت من هنا وتركت شيئاً من روحها.في بيران لا يحضر البحر بوصفه منظراً طبيعياً فقط، بل بوصفه جزءاً من هوية المكان. فهو الذي فتح أبوابه للتجار والبحارة والمسافرين، وهو الذي منح المدينة تلك الرقة المتوسطية التي تجعلها مختلفة عن قرى الجبال التي عرفتها في الأيام السابقة.كنت أمشي بين البيوت العتيقة وأشعر أن الأحجار تحفظ ما لا تحفظه الكتب؛ أصوات المارة، وخطوات البحارة، ونداءات الأسواق القديمة، ورائحة الملح التي ظلت عالقة في ذاكرة المدينة عبر الأزمنة. صعدت في فضول "بيرانسكي سفيتيلنيك" ؛أي منارة بيران. كان المشهد يقدم لوحة مغرية لفنان انطباعي، ولو أن الرسام إيفان غروهار السلوفيني نفسه قد زار المكان لفهم ما قصدته. ومع هذا الجمال أبيت إلا أن ألتقط أنفاسي بالجلوس على طبق "ريفييرا" التقليدي الذي يجمع ال"ريزوتو " مع تشكيلة من مأكولات ثمار البحر. هنا في بيران اكتشفت وجهاً مشرقياً لهذا البلد وهو أقرب عن كونه أوروبياً. هنا صفحة بيضاء لبحر مفتوح الأفق.

العربية








