وللعين نظره... retweetledi

حين تحمل كرة القدم ذاكرة الحرب
ليست مباراة إنجلترا والأرجنتين اليوم في نصف نهائي كأس العالم مجرد مواجهة بين منتخبين كبيرين، بل لقاء بين ذاكرتين وطنيتين حملتا كرة القدم، على مدى ستة عقود، ما عجزت السياسة أحيانًا عن احتوائه. فالملعب هنا لا يعيد الحرب، لكنه يكشف كيف تبقى الحروب حاضرة في اللغة والرموز والانفعالات، حتى بعد أن تصمت المدافع.
بدأ التنافس الكروي قبل حرب فوكلاند، أو جزر مالفيناس وفق التسمية الأرجنتينية. ففي مونديال 1966، تحولت مواجهة ربع النهائي إلى أزمة مصغرة بعد طرد قائد الأرجنتين أنطونيو راتين، وما تبعها من اتهامات متبادلة وشعور أرجنتيني بأن إنجلترا لا تملك الملعب فقط، بل تملك أيضًا سلطة تعريف قواعده. لكن حرب عام 1982، التي استمرت 74 يومًا وانتهت باستسلام القوات الأرجنتينية في بورت ستانلي، نقلت الخصومة من مساحة الرياضة إلى مساحة الذاكرة الوطنية الجريحة.
والخلاف على الجزر لم ينتهِ بانتهاء الحرب. فبريطانيا تتمسك بسيادتها وتضع حق سكان الجزر في تقرير المصير في صلب موقفها، بينما ترى الأرجنتين أن القضية نزاع سيادة وإرث استعماري لم يُحسم. ولهذا ظلت فوكلاند في الوعي البريطاني عنوانًا للحسم، وبقيت مالفيناس في الوعي الأرجنتيني عنوانًا للخسارة التي لم تتحول إلى قبول
بعد أربع سنوات فقط، التقى المنتخبان في ربع نهائي مونديال المكسيك 1986. هناك لم يسجل دييغو مارادونا هدفين فحسب؛ بل صاغ رواية كاملة. كان الهدف الأول، «يد الله»، انتقامًا رمزيًا في المخيلة الأرجنتينية، بينما أصبح الهدف الثاني، الذي راوغ فيه نصف المنتخب الإنجليزي، إعلانًا بأن العبقرية الفردية تستطيع أن تمنح أمةً مهزومة عسكريًا لحظة انتصار معنوي. لم تكن النتيجة تعيد الجزر، لكنها أعادت للأرجنتينيين شيئًا من الكبرياء.
ثم جاءت مواجهة 1998، بطرد ديفيد بيكهام وخروج إنجلترا بركلات الترجيح، لتضيف جرحًا جديدًا. وفي 2002، سجل بيكهام ركلة الجزاء التي منحت الإنجليز انتصارًا حمل معنى الثأر الشخصي والوطني معًا. وهكذا أصبحت كل مباراة فصلًا جديدًا في كتاب قديم: إنجلترا تبحث عن الانضباط واستعادة الهيبة، والأرجنتين تستدعي الموهبة والتمرد والذاكرة.
مباراة اليوم في أتلانتا هي المواجهة السادسة بينهما في كأس العالم، والأولى تنافسيًا منذ 24 عامًا. اللاعبون الحاليون لم يعيشوا حرب فوكلاند، وكثير من نجوم الأرجنتين يعرفون إنجلترا من ملاعب الدوري الممتاز لا من نشرات الحرب. ومع ذلك، لا تستطيع كرة القدم إلغاء التاريخ؛ تستطيع فقط تهذيبه وتحويله من صراع على الأرض إلى تنافس على المعنى.
وفي مثل هذه المواجهات، يختلط الفوز الرياضي طويلًا بمعنى الكرامة الوطنية الجماعية.
لهذا، فإن الفائز اليوم لن يبلغ النهائي فقط. سيحصل، ولو مؤقتًا، على حق كتابة النسخة الأحدث من واحدة من أكثر خصومات كأس العالم كثافةً وتعقيدًا. فبين إنجلترا والأرجنتين، لا تنتهي المباراة عند صافرة الحكم؛ بل تبدأ بعدها معركة الذاكرة.
العربية














