وليد البوعليان รีทวีตแล้ว

#مرصد_هاوي:
« حسابات الجينات في منصة X »
من أخطر الظواهر التي إلى منصة إكس ما يُعرف بحسابات «الجينات»، و هي حسابات تتخفى خلف ستار البحث العلمي و تحليل الحمض النووي، بينما يتحول بعضها عملياً إلى منصات لإثارة الشكوك، و إحياء العصبيات، و إعادة فرز المجتمع السعودي وفق تصنيفات ضيقة تجاوزها الزمن، و دفنتها الدولة السعودية منذ عقود طويلة.
هذه الحسابات لا تكتفي بعرض نتائج فحوصات وراثية فردية، بل تجاوزت ذلك إلى محاولة رسم خرائط قبلية، و تصنيف القبائل و العوائل وفق تحورات جينية، و الدخول في سجالات حول صحة الأنساب التاريخية، و كأن قروناً من التواتر الاجتماعي و التاريخي يمكن اختزالها في نتيجة مختبرية محدودة لا تدّعي هي نفسها هذا المستوى من اليقين.
المشكلة ليست في العلم، بل في توظيفه خارج حدوده الطبيعية، و تحويله إلى وسيلة لإثارة الجدل الاجتماعي و إشعال الفتنة القبلية، فكم من نقاش بدأ بتحور جيني أو نتيجة فحص، ثم انتهى إلى طعن في الأنساب، أو محاولات لإعادة تقسيم المجتمع إلى فئات متصارعة.
و الأخطر أن هذا الخطاب لا يقف عند حدود النقاش العلمي، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى وقود للسجالات القبلية ، فبمجرد نشر نتيجة فحص أو طرح فرضية تتعلق بنسب قبيلة أو عائلة، تتدفق مئات التعليقات المتعصبة، و يتحول النقاش من البحث إلى الاستقطاب، و من المعلومة إلى الخصومة، و من محاولة الفهم إلى معركة لإثبات التفوق أو نفيه.
لقد أدركت الدولة منذ تأسيسها أن قوة الوطن لا تقوم على انتصار قبيلة على أخرى، و لا على تفوق نسب على نسب، بل على هوية وطنية جامعة تذوب فيها الانتماءات الفرعية داخل إطار الدولة، و لهذا نجحت المملكة في بناء واحدة من أكثر المجتمعات تماسكاً في المنطقة، رغم تنوع أصوله و قبائله و مناطقه، و من هنا فإن أي خطاب يعيد فتح ملفات الأنساب و المفاضلات القبلية لا يمكن النظر إليه بوصفه نقاشاً بريئاً، بل باعتباره تهديداً لأحد أهم مرتكزات الاستقرار الوطني.
كما أن الحقيقة العلمية نفسها لا تدعم الادعاءات التي تروج لها هذه الحسابات، ففحوصات الحمض النووي أداة نافعة في مجالات محددة، لكنها ليست مرجعاً مطلقاً لإعادة كتابة التاريخ أو هدم الأنساب المتوارثة أو إعادة تشكيل الهويات الاجتماعية، و لهذا أكدت الجهات العلمية المختصة أن هذه الفحوصات لا تصلح للطعن في الأنساب القائمة أو لإثبات الانتماءات القبلية التاريخية البعيدة، لأنها تبقى قرائن إحصائية محدودة لا ترقى إلى مستوى الأدلة التاريخية القطعية.
و لعل من المهم التذكير بأن الجهات العلمية و التاريخية المختصة في المملكة حسمت جانباً مهماً من هذا الجدل، إذ أكدت #دارة_الملك_عبدالعزيز أن الفحوصات الجينية تُعد أداة مساعدة في مجالات محددة، لكنها لا تصلح لإعادة بناء الأنساب التاريخية الممتدة أو نقض ما استقر من الموروثات النسبية الموثقة، لأن الأنساب لا تقوم على النتائج المختبرية وحدها، بل على منظومة متكاملة من المصادر التاريخية و الوثائق و التواتر الاجتماعي، و لهذا فإن تحويل نتائج الفحوصات الجينية إلى أحكام قطعية في قضايا الأنساب القبلية يتجاوز ما تسمح به المعايير العلمية نفسها، و يفتح الباب أمام تأويلات و استنتاجات قد تقود إلى خلافات اجتماعية لا مبرر لها.
أما من الناحية النظامية، فإن إثارة النعرات القبلية أو التحريض على التعصب و الكراهية بين فئات المجتمع ليست حرية رأي، بل سلوك يعرض صاحبه للمساءلة القانونية، فالأنظمة في المملكة تنظر إلى الوحدة الوطنية باعتبارها خطاً أحمر لا يجوز العبث به تحت أي ذريعة أو غطاء، و قد أكدت #النيابة_العامة في أكثر من مناسبة أن كل ما من شأنه المساس بالوحدة الوطنية أو إثارة العصبيات و النعرات بين مكونات المجتمع يعد من الأفعال المجرّمة التي تستوجب المساءلة، لأن حماية التماسك الاجتماعي ليست قضية ثقافية أو أخلاقية فحسب، بل مصلحة وطنية يحميها النظام و ترعاها الدولة.
أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تأتي و هي ترفع شعارات الكراهية بشكل مباشر، بل تأتي مرتدية معطف المختبر، و متحدثة بلغة الأرقام و التحورات، و متخفية خلف مصطلحات علمية معقدة، بينما تؤدي في النهاية إلى النتيجة نفسها، و هي تمزيق النسيج الاجتماعي، و إشغال المجتمع بصراعات هامشية، و صرف الأنظار عن قضايا البناء و التنمية و المستقبل.
لذلك فإن الوعي بهذه الحسابات و كشف أهدافها أصبح ضرورة وطنية، فالجبهة الداخلية لا تُستهدف دائماً بالسلاح، بل قد تُستهدف أحياناً بمنشور أو مساحة أو نتيجة فحص يجري توظيفها لإحياء الانقسامات.
فالسعوديون يبنوا دولتهم على بيعة و وطن و هوية مشتركة، و لهذا ستفشل كل المحاولات التي تسعى إلى إعادة المجتمع إلى معارك الأمس، لأن المملكة اختارت أن يكون مستقبلها أكبر من العصبية، و أوسع من القبيلة، و أقوى من كل مشاريع التفريق.
@ppgovsa

العربية













