
*****
#من_سوالف_أبو_ناصر
[ والدي وجبل لبنان]
———— في منتصف الثمانينات الهجرية، كان والدي – رحمه الله – أحد جنود الشرطة الأوائل في عسير، يؤدي عمله بصدق وبساطة كما كانت طبائع رجال ذلك الزمن ..
وفي يوم من الأيام استدعاه مديره (الضابط) وسلّمه ظرفاً فيه أربعمائة ريال، وقال له بهدوء :
-تسلّمها للأستاذ /عبدالله بن حميد العسيري رئيس البلدية هل تعرفه؟؟ قال والدي نعم فهو من جماعتي قال زين (قله هذي من فلان وهو بيعرف موضوعها)
-خرج ذلك الجندي الشاب الوسيم (الوالد) رحمه الله متوجهاً إلى البلدية، يخطو بين المارة في وسط السوق بكل ثقة زاده الزيّ العسكري مهابة وهيبة وبيده الرسالة ..
دخل مكتب العم عبدالله بن حميد – الأديب المعروف ووالد الأستاذ (محمد الحميد /رئيس ومؤسس النادي الأدبي بأبها لسنوات ) رحمهم الله جميعاً ..
-وبالمناسبة لازالت أسرة (آل حميد ) منبعاً للعلم والثقافة إلى اليوم فهاهو الحفيد الدكتور (عبدالله بن محمد بن عبدالله) سميّ جده يرفع راية الأسرة فمجالسه دائماً ملفى وملتقى للمثقفين والشعراء والأدباء وكأن جده ووالده أحياء لم يموتوا وفقه الله وبقية إخوانه ..
- نعود للوالد وسالفته مع العم عبدالله فعندما وصله كان مكتبه عامراً بالمراجعين، يملأه صدى الحديث والورق وأصوات الناس ..
سلّم الوالد بأدبه المعهود وقال تفضل يا بو محمد هذه من مدير الشرطة، ويقول إنك تعرف موضوعها.”
ابتسم العم /عبدالله الحميد، ونظر إليه بعين الرجل الحكيم الذي يقرأ ما وراء الكلمات، وقال له:
“أعرف موضوعها… لكن قل لي يا ناصر، ما عندك مثله أربعمية ؟؟؟
قال الوالد: الا عندي
*قال رح جبها ما تبغى أرض مع الرجال عجل بكره نجري القرعة …
والدي /وش أبغى بالأرض؟ وأنا ساكن في القَشلة مع العسكر ، وأمي في عدوان ( لم يتزوج بعد ) ..
ضحك العم/ عبدالله وقال:
*رح جبها عجل خلك ذيب ..
تردّد الوالد أول الأمر، ثم نهض وقد غلب عليه الحياء من طيب الرجل، فعاد بعد الظهر وقتها ومعه الأربعمائة ريال، فوضعها أمامه ..
تناولها العم عبدالله، وقال لموظفٍ إلى جواره:
*سجّل اسمه يدخل القرعة بكرة …
( كانوا وقتها يوزعون مخطط للبلدية والناس لا تريد الجبل لم يتقدم إلا قليل)
وكانت الأرض في منطقة جبل لبنان شمال أبها قطع في سفحٍ صخريّ لا يطمع فيها أحد، فالناس آنذاك يرغبون السهل بالقرب من الأبار والوادي حيث الماء، لا الجبال العالية ..
*ابتسم العم عبدالله وقال كأنه يرى ما لا يراه الناس:
*صحيح جبل لكن بيجي يوم تدورون عليه، خذها. وإن ما أعجبتك بعدين، رجعّنا لك فلوسك وفوقها سلمه على الرأس ..
-مضت الأعوام، وبُني أول بيتٍ ثم الثاني ثم الثالث، وإذا بالأرض التي كانت تُباع بالأربعمية صارت تُقدّر بالألف والألفين، وأصبح جبل لبنان عامراً بالمنازل والناس ..
وكان العم عبدالله – رحمه الله – كلما رأى الوالد في مناسبةٍ أو سوق، قال له ضاحكاً:
* تبغى تبيع الأرض بالأربعمائة؟”
فيجيبه الوالد مبتسماً (بيض الله وجهك) يا بو محمد ..
-رحم الله العم (عبدالله الحميد المالكي العسيري)، فقد كان من أهل الفضل والرؤية والبصيرة ..
ورحم الله والدي، الذي بقي يذكر له هذا الموقف ما عاش ..
فهي أرض نفعها تجاوز ترابها، وأثرها بقي في الذكرى والعرفان فيمن بعدهم رحمهم الله جميعاً وحفظ السلف .
————
-من سوالف/ عبدالله العدواني
(أبو ناصر)
الرياض/1447/7/7 من الهجرة .



العربية
