
الكويت بين الأمس واليوم.!
✍🏼 : مشاري حمود العميري
في كتاب "يوميات مجلس الأمة التشريعي الأول (الدورة الأولى)" للدكتور عادل العبدالمغني، تتجلى أمام القارئ صفحة مبكرة من صفحات الوعي السياسي الكويتي، حين أدرك رجالات الكويت منذ وقت مبكر أن الخطر لا يقاس فقط بالقوة العسكرية المباشرة، بل قد يبدأ بتسللٍ هادئٍ إلى داخل المجتمع، ثم يمتد شيئًا فشيئًا إلى مفاصل الدولة، حتى يصبح أمرًا يصعب احتواؤه بعد استفحاله.!
وقد كان من أبرز ما استشرفه أهل الكويت في تلك المرحلة المبكرة، خطورة المد الإيراني وما قد يحمله من آثار ديموغرافية وسياسية وأمنية على هوية البلاد واستقرارها.
ففي جلسة السبت 29 رجب 1357هـ الموافق لعام 1938م، التي انعقدت برئاسة سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح، ناقش أعضاء المجلس التشريعي الأول مسألة الهجرة الإيرانية إلى الكويت، ليس بوصفها مجرد حركة سكانية عابرة، بل باعتبارها قضية تمس الأمن الوطني، والتركيبة الاجتماعية، ومستقبل البلاد السياسي.
وقد عكست مداولات المجلس آنذاك درجةً عاليةً من الحس الوطني، وقراءةً دقيقةً لما يمكن أن ينشأ عن التساهل في هذا الملف من أخطار بعيدة المدى.
وجاء في قرارات المجلس ما نصّه على :
توقيف الهجرة الإيرانية باتخاذ التدابير الآتية، مع انتداب سليمان العدساني وعبداللطيف الثنيان لتنفيذها، ومراقبة المجلس لهما في ذلك.
ثم فصل المجلس الإجراءات التي رآها ضرورية لحماية الكويت، ومنها :
ا - التنبيه على مدير الشرطة في تحري الأجانب المشبوه فيهم.
ب - التنبيه على مأمور الجوازات في عدم التساهل مع القادمين من إيران لغير أسباب وجيهة.
ج - التنبيه على سفن الماء وغيرها وتحذيرهم من نقل أي شخص إلى الكويت ما لم يكن حاملًا لجواز مقبول.
د - التنبيه على حراس الدراويز في ملاحظة الذين يشتبه في قدومهم إلى المدينة.
هـ - التنبيه على أمراء القصور و جزيرة فيلكا وتحذيرهم من السماح لاحد من سفن الأجانب أو غيرها في تنزيل ركاب في قراهم.
و - وغير ذلك من تدابير اتخاذ ما يلزم من التدابير التي تكفل وقف طغيان هذه الهجرة.
و هذه القرارات تكشف بوضوح أن رجالات الكويت في ذلك الزمن لم يكونوا ينظرون إلى المسألة من زاوية آنية ضيقة، بل من منظور استراتيجي بعيد، إذ أدركوا أن التساهل في دخول العناصر الوافدة دون ضوابط قد يفتح الباب أمام نفوذ خارجي يتسلل عبر الاقتصاد والمجتمع والإدارة، ثم يتحول مع مرور الوقت إلى حضور مؤثر في القرار الوطني نفسه.!
والمتأمل في هذه الوثيقة التاريخية يدرك أن أهل الكويت لم يكونوا أسرى اللحظة، بل كانوا أصحاب بصيرة سياسية مبكرة، استشعروا خطر التغلغل الإيراني قبل أن يصبح حديث المنطقة في العقود اللاحقة.!وهذا يدل على أن قضية حماية الهوية الوطنية، وصيانة الأمن الداخلي، والمحافظة على توازن المجتمع، كانت حاضرة في وجدان الكويتيين منذ البدايات الأولى لتجربتهم السياسية الحديثة.
ومن هنا فإن ما دونه الدكتور عادل العبدالمغني لا يمثل مجرد سردٍ لوثائق تاريخية، بل هو شهادة على وعيٍ وطني مبكر، أدرك أن حفظ الأوطان لا يكون فقط بحراسة الحدود، وإنما كذلك باليقظة تجاه كل نفوذٍ خارجي قد يجد له موطئ قدم داخل المجتمع، ثم يعمل بصمت على إعادة تشكيله بما يخدم مصالحه وأهدافه.!



العربية






