
السنعوسي الإعلامي .. تفوق على السياسي !!
الإعلامي الكويتي الراحل محمد ناصر السنعوسي كان واحدًا من الأسماء التي يصعب اختصارها في منصبٍ أو مرحلة، لأنه ببساطة كان مشروعًا إعلاميًا متكاملًا سبق زمنه، وواحدًا من الرجال الذين ساهموا في صناعة ملامح الإعلام الكويتي والخليجي منذ البدايات الأولى لتأسيسه.
فالرجل لم يكن مجرد مذيع أو مسؤول أو وزير، بل كان عقلًا إعلاميًا يمتلك رؤية، وشخصيةً تحمل الجرأة والثقافة والحضور والقدرة على التأثير.
لذلك ظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الإعلام الكويتي بوصفه أحد أبرز الرواد الذين آمنوا بأن الإعلام ليس ترفًا، بل قوة وعي وتغيير وبناء مجتمع .. مثيراً للجدل .. جالباً العواصف أينما حل .. وهكذا هو حال الإعلام والإعلاميين.
لقد ارتبط اسم محمد السنعوسي بتاريخ تلفزيون الكويت منذ سنوات التأسيس الأولى عام 1960، وكان من الجيل الذي وضع اللبنات الأولى للإعلام المرئي الكويتي، متنقلًا بين الإعداد والإخراج والإنتاج والإدارة، حتى أصبح أحد أهم القيادات الإعلامية التي ساهمت في صناعة العصر الذهبي للتلفزيون الكويتي.
كانت بصمته واضحة في نوعية البرامج التي قدمها، إذ لم يكن إعلاميًا تقليديًا، بل امتلك جرأة الطرح وقربه من الناس، لذلك جاءت برامجه الحوارية والإصلاحية مختلفة، تناقش قضايا المجتمع بوضوح ووعي، وتلامس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الكويتي والخليجي.
كما امتلك حساً ثقافيا وفنياً مبكراً، فساهم في تأسيس نادي الكويت للسينما، وفرقة التلفزيون للفنون الشعبية، وشارك في إنتاج أعمال سينمائية عربية خالدة مثل فيلمي (الرسالة) و(عمر المختار)، وهي أعمال تجاوزت حدود الفن إلى الذاكرة العربية والإنسانية.
أما مشواره الإعلامي الطويل، فكان مليئًا بالإنجازات والتجارب والرؤى، ولذلك بقيت قيمته الحقيقية أكبر من أي منصب رسمي .. لأن الإعلام بالنسبة له كان مشروع عمر، ورسالةً يعيشها يوميًا، وليس مجرد وظيفة مؤقتة أو موقع حكومي.
وفي المقابل، فإن فترة توليه حقيبة وزارة الإعلام كانت مرحلة مختلفة تمامًا عن تاريخه الإعلامي الطويل !!
فقد دخل الوزارة في ظرف سياسي وبرلماني حساس، وسط أجواء مشحونة وصدامات سياسية وإعلامية معقدة، ولم تستمر تجربته الوزارية طويلًا، إذ انتهت باستقالته قبل مناقشة الاستجواب المقدم ضده في مجلس الأمه .. ولم تتجاوز أشهر معدودة.
وهنا تظهر المفارقة الكبيرة .. فالتاريخ الإعلامي لمحمد السنعوسي أوسع وأعمق وأبقى وأنجح من تجربته الوزارية القصيرة .. فهو نجح إعلامياً ولم يوفق سياسياً .. ولم يستطع تحقيق ما كان يدعوا به طيلة حياته من استراتيجيات إعلامية وقواعد مهنية .. بل خاض معارك سياسية مع خصوم مختلفين !!
ولأن الرجال الكبار لا يُختصرون أحيانًا في المناصب، بل فيما صنعوه من أثرٍ قبلها وبعدها .. يبقى اسم السنعوسي الإعلامي علامة بارزة في الإعلام العربي ككل.
سيبقى محمد السنعوسي في الذاكرة الكويتية والخليجية بوصفه رائدًا إعلاميًا حقيقيًا، وأحد الذين كتبوا تاريخ الإعلام الكويتي بعقولهم وخبرتهم وشغفهم، لا فقط بقراراتهم الرسمية.
رحم الله الاستاذ والمعلم محمد السنعوسي وأسكنه فسيح جناته.


العربية
